في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فضلت القوى الإمبريالية الأوروبية فرض سيطرتها الاستعمارية بوسائل غير مباشرة، وسعت إلى استمالة النخب الاقتصادية والثقافية المحلية عوضًا عن فرض السيطرة الإقليمية الكاملة؛ وذلك لأن استراتيجية “الإمبريالية غير الرسمية” أقل كلفًة بكثير من الحكم المباشر. وقد سمح هذا النوع من الهيمنة للإمبرياليين بالتركيز على الاستغلال الاقتصادي بدلاً من التورط في مسئوليات وأعباء الحكم.[[1]]
بعد سقوط نابليون في عام 1815، تبنت فرنسا هذا الأسلوب الناعم غير الرسمي في إدارة إمبراطوريتها. وفي حين تمتعت الإمبريالية البريطانية غير الرسمية بقدرة تنافسية لا مثيل لها آنذاك في صناعة المنسوجات القطنية، وصناعة الحديد، والنقل، والخدمات المالية، سيطرت نظيرتها الفرنسية على سلع مثل الحرير والمخمل، والأزياء النسائية ومستحضرات التجميل، والمفروشات المنزلية، والأطعمة والشمبانيا والمشروبات الفاخرة.
في كتابه الصادر عام 2021 تحت عنوان “A Velvet Empire: French Informal Imperialism in the Nineteenth Century” “الإمبراطورية المخملية: الإمبريالية الفرنسية غير الرسمية في القرن التاسع عشر” (مطبعة جامعة برينستون) والذي يقع في 368 صفحة، يشرح المؤرخ ديفيد تود كيف اتبعت النخب الفرنسية استراتيجية ماكرة للتوسع الإمبراطوري، حيث استخدمت السلع الفاخرة والقروض المالية، في تدشين حملة فرانكفونية عالمية للإغواء. ويبين تود كيف استفادت فرنسا من فوائد هائلة من هذا النهج إلى أن أدت سلسلة من النكسات حول العالم إلى تفكك تلك الإمبراطورية في سبعينيات القرن التاسع عشر. ويسلط تود الضوء أيضًا على الدور الحاسم للتعاون مع النخب المحلية في تسهيل التوسع الإمبراطوري وعولمة الرأسمالية، وعلى مسألة التعاون بين الإمبراطوريات الأوروبية خلال هذه الفترة، بما في ذلك بين العدوين اللدودين بريطانيا وفرنسا. [[2]]
يبدأ تود في عرض قضيته من خلال الكشف عن الأسس الجيوسياسية والفكرية لواقع ما بعد عام 1815 الذي ساهم في تطور فرنسا كإمبراطورية غير رسمية. فبعد هزيمة نابليون، وجدت فرنسا نفسها محرومة من معظم ممتلكاتها الاستعمارية، وأنها في وضع غير مُواتٍ استراتيجيًا وديموغرافيًا في مواجهة بريطانيا؛ ولكنها بدلًا من الانغلاق على الذات، قام منظروها الليبراليون في علم الاقتصاد السياسي مثل بنجامين كونستانت، وتشارلز موريس دي تاليران، ودومينيك دي برادت، بنشر فكرة أن السبل غير الرسمية للتأثير والسيطرة تمنح فرنسا وسيلة مربحة لتحقيق مصالحها التجارية تتجنب التكاليف المرتبطة بالسيادة الإقليمية. وعوضًا عن السفن الحربية والقوات العسكرية، اتخذ وكلاء عملاء فرنسا الإمبراطوريون مظهراً غير متوقع، وصاروا سماسرة وتجارا للسلع الفاخرة الأنيقة التي ينتجها العمال الفرنسيون المهرة، وأغروا النخب الأجنبية بالتورط في الديون؛ ومن خلال السلع ورأس المال، استطاعت فرنسا بسط هيمنتها ونفوذها على الأسواق الخارجية، وانتزعت الامتيازات والاتفاقيات التجارية التي نجحت في تحويل عدد من البلدان الأجنبية مثل مصر والمكسيك إلى دول واقعة تحت هيمنتها غير الرسمية.[[3]]
نشير إلى أن المؤلف ديفيد تود هو مؤرخ وباحث وأستاذ جامعي تهتم أبحاثه بالجوانب الدولية للتاريخ الفرنسي وتحولات الاقتصاد العالمي، وهو مهتم بشكل خاص بالهجرات بين فرنسا والعالم العثماني، والمقاربات التاريخية لتحول الحياة الاقتصادية في البحر الأبيض المتوسط بين عامي 1750 و1914. [[4]]
[[1]]https://www.foreignaffairs.com/reviews/capsule-review/2021-02-16/velvet-empire-french-informal-imperialism-nineteenth-century
[[2]]https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691171838/a-velvet-empire
[[3]]https://muse.jhu.edu/article/899628
[[4]]https://www.sciencespo.fr/histoire/en/researcher/David%20Todd/86025.html



