صدر مؤخرًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب تحت عنوان “ما بعد الثورات العربية: إعادة التفكير في نظرية الانتقال الديمقراطي”. يقع الكتاب الذي قام بتأليفه مجموعة مؤلفين وحرره كل من عبد الوهاب الأفندي وخليل العناني في 384 صفحة. وهو كتاب يقدم نقدًا مركبًا لنظريات الانتقال الديمقراطي، التي تشكلت في سياق التجارب العربية بعد اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011؛ ويدحض عددًا من الفرضيات والاتهامات مثل التهمة التي تقول إن المنطقة العربية لم تقدّم مساهمات أصيلة في مجال العلوم الاجتماعية، في مقابل مناطق أخرى من العالم مثل أميركا اللاتينية التي ساهمت في ولادة نظريات التبعية والانتقال الديمقراطي. ويوضح الكتاب أيضًا أن المنطقة العربية لديها ما تقدمه، ليس في مجال المساهمة النظرية وحسب، بل كذلك على صعيد تقديم الدروس المستفادة من سيرورتها في إطار إثراء النقاش العالمي حول الديمقراطية والانتقال الديمقراطي؛ وذلك من قبيل تفسير التهديدات التي تواجه الديمقراطيات المستقرة خارج المنطقة مثل الشعبوية وتأثيرها السلبي الراهن على الديمقراطية الغربية. [[1]]
في الفصل الأول يعتبر عزمي بشارة أن كثيرًا مما نُسب إلى نظريات الانتقال الديمقراطي، كادّعاء الحتمية والخطّية، غيرَ صحيح، ويُرجع بشارة تلك الادعاءات إلى تجارب جنوب أوروبا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية. وفي الفصل الثاني، يتناول عبد الوهاب الأفندي مسألة قلق أنصار السلطة ورعاتهم الأجانب لدى كل انتقال ديمقراطي، واعتقادهم بأن الأفضل لهم تحقيق هذا الانتقال من خلال خلق حالة من عدم اليقين تضمن حدوث تغييرات محدودة من خلال عمليات انتخابية لا تهدّد مصالح البناء السياسي القائم. ويتناول الأفندي كذلك دور مفهوم “الاعتدال” في الانتقال الناجح، وأهميته في خلق التوافق بين “معتدلي” النظام والمعارضة؛ وذلك على الرغم من سيولة مفهوم الاعتدال، حيث صُنف نيلسون مانديلا وياسر عرفات وجيري آدمز، على سبيل المثال، على أنهم شخصيات متطرفة لكنهم نالوا جائزة نوبل للسلام. ويعتقد الأفندي أن عاقبة “الاعتدال” إيجابيةٌ على المدى الطويل إلا أنها مضرّة في حال وجود أنظمة متوحشة يتسبب سلوكها في خلق المزيد من التطرف والتشدد. [[2]]
يسلط آصف بيات في الفصل الثالث الضوء على الطابع المتفرد للثورات العربية التي لم يقف تنظيم أو قيادة محدَّدَة وراءها، وعلى فشلها بالرغم من إسقاطها رؤوس الأنظمة؛ لأنّها لم تحقّق تحوّلًا ثوريًّا استبدل النظام القائم بنموذج جديد، ولم تفاوض النظام لخلق تغييرات محدودة على أمل تحوُّلها لاحقًا إلى جذريّة. وفي الفصل الرابع، يشير حميد دباشي إلى أنّ الانتقادات الموجهة للنقاش حول الانتقال الديمقراطي تنحصر في تأثره بالمركزية الأوروبية، ومحدودية قدرته على تفسير الأحداث في أماكن أخرى، وتنحصر كذلك في الأسئلة المُهينة عن مدى توافق الإسلام والثقافة العربية مع الديمقراطية.
في الفصل الخامس ينقد لؤي علي الأدبيات التي اتَّخذت تحليلَ أنماط النظم التسلّطية منهجًا لتفسير الربيع العربي، ويشير إلى عدم صدق توقعاتها، ويقوم بتصنيف النظم بحسب طبيعة النخب المسيطرة إلى نظم (عسكرية، حزبية، شخصانية)؛ أو بحسب أسلوب تداول السلطة إلى نظم (وراثية، انتخابية، عبر القوة العسكرية). ويشير إلى أن نظريات الربط بين التصنيف والعمر الزمني للأنظمة تفيد بأنّ الأنظمة العسكرية تنتهي في الغالب بتفاوض، في حين تتمسك الأنظمة الشخصانية بالسلطة حتى النهاية.
في الفصل السادس يتناول عبد الفتاح ماضي دور كل من الأطراف الظاهرة والخفية في التحول الديمقراطي، ويعتبر فشل الثورة في إنجاب قيادات جديدة تتولى السلطة أبرز معوقات الانتقال إلى الديمقراطية. ويشير إلى أن فشل مصر في هذا الانتقال كان سببه اكتفاء الفاعلين بإسقاط النظام وضعف إسهامهم في بناء نظام جديد، واتساع الفجوة بين الجماهير والنخب، وإلى استقطاب النخب نفسها بين إسلاميين وعلمانيين. وفي الفصل السابع تتناول ثورية السعودي الدور الفاعل للنخب النسائية في المغرب خلال الربيع العربي، وتقصد السعودي بـ “النخبة” الإشارة إلى نساء الطبقة العليا، أو المثقفات والناشطات في مجالاتٍ مدنيةٍ وسياسية، وتتناول كذلك الطليعة النسوية التي سبقت الثورة بعقدين وناضلت للدخول في دوائر صنع القرار التي هيمن عليها الرجال تقليديًا.
في الفصل الثامن يشير خليل العناني إلى أنّ التحديات التي واجهتها الحركات الإسلامية لدى صعودها السياسي إثر تفاجئها بالثورات، لم تكن “دينية”، بل سياسية تمثّلت بقلة الخبرة السياسية وضعف الكفاءة الإدارية. ويشير العناني كذلك إلى أن الحركات الدينية أصبحت داعمةً للديمقراطية في الدول التي اعتمدت سياسة متسامحة تجاهها، مثل المغرب والأردن والكويت. وفي الفصل التاسع يتناول مروان قبلان قضية تضاؤل فرص نجاح الانتقال الديمقراطي بسبب احتدام الصراع الإقليمي والدولي وعدم الاستقرار الداخلي، ويستنتج في بحثه الذي اعتمد على خمس دراسات حالة، أنّ الاستقطاب الإقليمي يدفع القوى الكبرى إلى التدخل في المنطقة، ويتسبب في حروب أهلية طويلة ومدمّرة، كما جرى في سورية وليبيا واليمن.
ختامًا في الفصل العاشر، يستفيد عمر عاشور ودانا الكرد من نتائج أدبيات الانتقال الديمقراطي ويوضحا الصلة بين الاستقرار الديمقراطي والإصلاح الأمني؛ حيث يرتبط نجاح الانتقال الديمقراطي بإنهاء حالات إفلات رجال الأمن من العقاب، وضمان السيطرة الديمقراطية والفعالة على مؤسسات الاستخبارات والجيش والشرطة في أعقاب الربيع العربي، ويعتمد ذلك على خمسة مستويات متغيّرة ألا وهي: الاستقطاب السياسي، ومقاومة قطاع الأمن، وقدرات الإصلاحيين، والدعم الإقليمي والدولي، والتسريح ونزع السلاح وإعادة الإدماج.
[[1]]“ما بعد الثورات العربية: إعادة التفكير بنظرية الانتقال الديمقراطي” ضفة ثالثة.
[[2]]https://www.dohainstitute.org/ar/BooksAndJournals/Pages/after-the-arab-revolutions-decentring-democratic-transition-theory.aspx



