توطئة:
عالم المغرب ونادرته في سعة الملكة وفصاحة القلم واللسان.. وكثرة التصانيف..” (فهرس الفهارس) ع. الكتاني.
يعتبر الاستاذ عباس بن عبد الله الجراري (1937/2024) من أنشط أفراد جيله في المجال الثقافي والأدبي والتاريخي…
جاء في خطاب المرحوم محمد الفاسي (1908/1991) أول رئيس لجامعة محمد الخامس بمناسبة تعيين عباس عضوا في أكاديمية المملكة المغربية: “إن الاستاذ عباس الجراري الذي عرفته منذ كان طالبا ثم أستاذا بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس.. عرفته الشاب الطموح والجاد في التحصيل والبحث..
وكان أول اتصاله بالعلم والمعرفة على يد والده المؤرخ الجليل المرحوم عبد الله الجراري (1905/1983) وهو الذي وجهه نحو الدراسات الأدبية في العلوم العربية والإسلامية….”
نشأ في هذه المدرسة فكان ألمعي الذكاء كريم الخلق مستقيم الذهن رحب الصدر لحرية الرأي وحرية المناقشة..
مجتهدا في كل عمل تولاه..
كانت مدرسة عبد الله الجراري غنية وحافلة بما يؤهل المنخرط في سلكها لكي يكون في الطليعة.. طابعها المميز الجهاد العلمي والتعليمي والدعوة الوطنية الإصلاحية التي عملت على تنقية العقيدة من الشوائب والخرافات التي علقت بها.. ضمن الخط السلفي الذي يحارب الاتجاه الطرقي الذي كان طاغيا ومؤثرا في الأوساط الاجتماعية..، وقد انحاز عبد الله الجراري إلى دعوة الشيخ أبي شعيب الدكالي الذي يعتبر أستاذ السلفية بالمغرب، وسوف يلتحم هذا العمل الديني السلفي الإصلاحي بالعمل السياسي الوطني في توجه المدرسة الجرارية..
والأسرة الجرارية التي ينحدر منها والد الأستاذ عباس تشتهر إلى جانب نبوغ أبنائها في ميدان العلم والصلاح تدريسا وتأليفا، بالبروز في مجال السياسة والدفاع حيث تحملوا فيه مسؤوليات كبرى منذ قدومهم إلى المغرب.. وزادت هذه المسؤوليات في ظل الدولة العلوية.
مسار حياة:
قد يعمد الباحث في السير والتراجم إلى المقارنة والترجيح بغية الوصول إلى المكونات البارزة للشخصية التي يسعى إلى رسم معالمها والوقوف عند خصائصها والملكات التي طبعت مسارها وحددت دورها في مجتمعها وتأثيرها في عصرها..
فلابد بين الأديب والعصر الذي ينشأ فيه من صلة نعرفها لتمام التعريف به والاستدلال على مصادر ـأدبه وقواعد تفكيره..، فندرس الشخصية لنكون على بصيرة ومعرفة بجميع جوانبها وابعادها..
حصل عباس على البكالوريا في الآداب العصرية وهو ابن ثماني عشرة سنة ثم انتقل سنة 1957 إلى القاهرة فانخرط في كلية الآداب بجامعة القاهرة. في سنة 1961 حصل على الإجازة في الأدب العربي وتابع دراسته حتى حصل على الماجستير في الأدب ثم الدكتوراه من نفس الجامعة..
كان ينوي بعد حصوله على الإجازة في الآداب أن يذهب إلى فرنسا ليتابع بها دراسته العليا بغية الحصول على شهادة الدكتوراه من جامعتها وراسل في هذا الشأن المستشرق الشهير “رجيس بلاشير (1900/1973) الذي رحب بطلبه.. إلا أن تعيينه مستشارا بالسفارة المغربية بالقاهرة أعاده إلى رحاب الجامعة المصرية ليتخصص في الأدب الأندلسي والمغربي..، تناولت رسالته في الماجستير (1965): الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحدي، أما رسالة الدكتوراه فكانت حول الشعر الشعبي (شعر الملحون.. 1969).
لقد انصبت ابحاثه بالدرجة الأولى في هذه المرحلة على الأدب العربي في الغرب الإسلامي وكذلك على الأدب الشعبي.. ابتداء من سنة 1966 انقطع للعمل الأكاديمي بالجامعة بفاس ثم بالرباط..
الدرس الأدبي:
في مدارج الجامعة استوت شخصيته فتفتقت مواهبه ونضجت مداركه وصقلت معارفه في دراسة الأدب وتجويده شعرا ونثرا ليسمو به “إلى مراتب الأدب الرفيع..
الكتابة الأدبية فن والفن لا يكتفى فيه بالإفادة أو مجرد الإفهام بل ينظر فيه إلى مجاراة التطوير وذلك بالوقوف على علاقة اللفظ بالمعنى، فبين الأفكار وألبِستها اللغوية ترابط هو غاية في الدقة والتصوير الفني..
الأدب الصادق هو الذي ينفذ إلى أعماق النفس وبواطن الواقع فيصيب الجوهر الصريح متخطيا حدود الزمان والمكان ويكون بذلك معبرا عن مطالب الروح الإنساني في الشمول والخلود..
في الأدب تتجلى المنازع الإيمانية والروحية والسعي إلى الأصالة ومحاولة الفهم والتعاطف والنفاذ إلى اللب والاحتفال بالتجربة والمعاناة والتعبير الجميل عن الشعور الصادق..
الأدب الأصيل يمضي إلى الفكرة والدلالة دون أن تعوقه تحلية الصياغة، وزخرفة التعبير هي الجملة البليغة التي تبلغ فحواها بلا مبالغة في التحلية ولا قصور في التعبير يقف عند ألفاظها فيثنيك عن مضامينها..
إذا استقام المنهج استقام الموضوع. كما ان وسيلة المعرفة تبين موضوع المعرفة.. فالوعي أو الشعور لا بد أن يكون وعيا كاملا غير ناقص ولا مبتور..
مفهوم الدرس الأدبي عند عباس الجراري:
في كتاب “الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه.” يرى أن البحث الأدبي تتداخل فيه عناصر ثلاثة تتكامل في إطار وعي الدارس بها سواء في تكييف نوعه أو تحديد درجته وهذه العناصر هي (طبيعة الموضوع /مصادره/ منهج التناول.) وإذا كان الأدب باعتباره بنية إبداعية يرتبط بأشكاله ومضامينه ببقية بنيات المجتمع الذي ينبغ فيه مبدعوه، فلا مناص أن تتأثر بالعناصر الجدلية التي توجه حركة التاريخ في هذا المجتمع وتتحكم في تشكيل نمطه وتكوين شخصية أفراده…(ص3).
المنهج مرتبط برسالة الجامعة ولن يتسنى لها القيام بدورها العلمي والمعرفي إلا إذا ربطت برامجها ومناهجها باختيارات المجتمع.. وعليها أن تجعل هدفها نشر الوعي وتوجيه الرأي وصقل الذهن وتوضيح الرؤية وتعميق المفاهيم وتهذيب القيم.. وأن تلح في أن يكون العلم في خدمة قضايا الوطن.. والتوسل به في تحديد شخصية الهوية الوطنية والتطلع إلى مستقبلها المنظور أو البعيد.. كما يجب أن تعطي بعدا قوميا واضحا للعلوم الإنسانية.. من أجل تكوين ثقافة وطنية وصياغة فكر جديد ينقل الفكر القديم إلى الأجيال الناشئة بعد تغيير النظر إليه وإخضاعه لمقاييس النقد العلمي حتى يتسنى لهذه الأجيال أن تتعرف على التجارب السالفة وتدرك أسرار التطور وأن تنمي فكرها وشخصيتها وتربي فيها استقلال الرأي..(ص8)
إن المنهاج الذي تناول به قضايا الأدب وظواهره في تشكل المحتوى أو النوع والكيف انطلق من تمثل الإقليمية التي تعتمد البيئة ومقوماتها ومؤثراتها في الأدب.. دون إغفال الشخصية الذاتية والموهبة الفردية..
كما أن الإقليمية لا تعني عنده المحلية الضيقة.. وإنما يعتبر الوسيلة للم شتات الأدب العربي وإبداعاته.. والوسيلة كذلك إلى العالمية والإنسانية.. فالشتات هو الذي يسمح باستخراج الصورة للمغرب سواء في تاريخه السياسي أو الفكري..
أما المحتوى أو الكيف فيقضي بمعالجة هذه الظواهر بفكر نقدي يستند إلى الواقع والمعاصرة وبجدلية موضوعية.. كما يعتمدان على معطيات استقرائية واستنتاجات منطقية.. بعيدا عن أي معتقدية متزمتة أو موقف تبريري.. بحيث لا يمكن فصل المنهج عن المضمون كما لا يمكن ممارسة نقد قبلي على المعرفة.. (ص9).
الملاحظ أن الأستاذ عباس يتناول الظواهر والقضايا الأدبية من زاوية تعطي الأسبقية للتمثل العقلي على النقد التأثيري أي النظرة العقلانية وليس مجرد التذوق الفني والإحساس الجمالي.. أو الانفعال الانطباعي بالأثر المدروس..
وبهذا يحقق المنهج جملة أهداف، في طليعتها الكشف عن مواطن الجمال وعن الدلالات الفنية وما ينبثق عنها من مضامين فكرية باعتبار الجانب الفني المتمحور حول اللغة وبنائها التركيبي ظاهرا يبطن فكرا أو يخفي أبعادا أخرى عميقة.. وبذلك تبرز قيمة الإبداع في مختلف تجلياتها الشعرية والفكرية والأبعاد الإنسانية..
ويحقق المنهج أهدافه بإثبات الوقائع وربطها بالأسباب ووصف الظواهر وتعليلها والبحث عن بواعثها الخفية والظاهرة.. واستخلاص العلاقات التفاعلية بينها وبين غيرها..(ص9).
وصفوة القول إن الهدف من الدرس الأدبي وضع منهج لمقاربة ظواهره وقضاياه ليتسنى للباحثين والقراء عامة التعرف على ما يزخر به من قيم ومثل وخصائص ومقومات أسهمت في تشكيل الشخصية الثقافية والحضارية للمغرب عبر التاريخ.. كما ان الدراسة تفتح آفاقا جديدة لاستشراف المستقبل..
الحقل المعرفي لمشروع عباس الجراري..
تطرق الأستاذ عباس في خطاب العضوية بأكاديمية المملكة المغربية (1983) للأسس والمرتكزات التي يتألف منها مشروعه الفكري الموسوعي في الأدب والنقد والتاريخ والدين..
“المنطلق من إيجاد عناصر التقاء بين الثقافات.. ثم البحث في كل ثقافة عن إسهاماتها الإبداعية ومقوماتها الأصلية النابعة من التجربة التي تتفرد بها والتي تفضي إلى خصائص الغنى والتميز ومن خلال ذلك يمكن إبراز ما يكمن في هذه الثقافة أو تلك من قيم إنسانية تتيح لها أن تتجاوب وتتحاور.. وتؤهلها لتتخطى حدود المحلية الضيقة وتعانق الآفاق الواسعة لكافة البشرية (ص178 منشورات الأكاديمية حول استقبال الأعضاء الجدد/1980/1986/).
انطلاقا من هذا الوعي تبلورت عنده رؤية شمولية للتراث المغربي في نظرة تكاملية توحيدية جعلته يبحث في الصيغة المدرسية التي تتمثل في الآثار العلمية والأدبية المدونة، ثم في صيغته الشعبية التي تتجلى فيما أبدعه الشعب بمختلف طبقاته من أنماط ثقافية وحضارية.. كما تبدو ظواهرها فيما يمارسه الشعب من تقاليد وقيم وأخلاق وما يزاوله من فنون وصناعات تغوص في أعماقه الواعية واللاواعية.. تكيف مشاعره ووجدانه وتحدد مزاجه وشخصيته وتميز عبقريته..
وفي هذ الإطار يمكن تفسير انتشار ظاهرة الثقافة الشعبية ونموها في اتجاهين متكاملين: أحدهما يعتمد البحث المعمق والاقتباس مما عند الآخرين والثاني يسعى إلى توسيع قاعدة الثقافة باعتبارها قاعدة للجميع..
وقد اهتم بالصيغتين في رحاب الجامعة باعتبار التعليم والبحث مقومين في رسالة الجامع من أجل تكوين أجيال مزودة بالعلم نظرا وتطبقا تضم عارفين بدورهم وقادرين على تحمل المسؤولية الوطنية وبث الوعي بالمبادئ السامية والأهداف المقدسة للأمة.. آخذين بزمام المبادرة والنهوض بأعباء التطور والتقدم وإيجاد صياغة متجددة للحياة والإنسان وعلى تنمية البحث العلمي بفكر نقدي حر قائم وأصيل قادر على الإبداع والابتكار بمنهجية سليمة ونظر شمولي مفتوح على مختلف الآفاق الإنسانية بعيدا عن الانغلاق وعن السير في ركاب أي تيار يكرس التبعية.. (نفس المصدر ص 179.)
فهو يتناول الأدب المغربي بمعنى الإنتاج الفكري الشامل للأمة.. دون حصره في الإطار الاصطلاحي المتداول المحدد في الشعر والنثر الفني.. ومن ثم فإن التراث عنده يشمل الثقافة العالمة أو المدرسية والثقافة الشعبية بروافدها الثرية التي تتسم بالتنوع والتعدد..
على أساس أن التراث هو وعاء منظورات الأمة ومقولاتها وتجاربها وأنه دليل حياتها ووثيقة وجودها ومنظومة معرفتها في ماضيها وحاضرها وما تتطلع اليه من رؤى وتصورات مستقبلية..
دراسة التراث عند عباس الجراري تعني بالجانب المضيء الشفاف الذي يحفز على إعادة ترتيبه وتجديد تركيبه وتطويعه بالتفسير والتحليل والتقويم حتى يصير جزءا من كيان الأمة في ارتباط وثيق مع حركة التاريخ خلال الحقب والأزمان..
إن عملية تحديث الماضي هي التي أفرزت ظواهر ثقافية وحضارية متعددة تعاقب نموها وتطورها طوال عهود التاريخ بما جعلها تتجذر وتتفاعل بخصوصية وتلقائية متأثرة بما تعانقه من ظواهر مماثلة لها في الحضارات والثقافات الأخرى.. ( نفس المصدر ص179).



