في مقاله المنشور حديثًا في مجلة فورين أفيرز تحت عنوان “the next global war” [[1]] (الحرب الكونية القادمة) يشير عالم السياسة الأمريكي هال براندز إلى أن حقبة ما بعد الحرب الباردة التي بدأت في أوائل التسعينيات بتوقعات متفائلة بانتشار السلام على الصعيد العالمي، تنتهي الآن بعد مرور ثلاثة عقود، وتتصاعد اليوم مخاطر نشوب حرب عالمية جديدة؛ حيث تشهد أوروبا صراعًا عسكريًا مدمرًا لم تشهده منذ أجيال؛ وتنتشر بذور العنف وعدم الاستقرار في مختلف أنحاء الشرق الأوسط على إثر الحرب في غزة؛ بينما تقوم الصين في هذه الأثناء بالمسارعة في بناء قوتها العسكرية بمعدل تاريخي.
يقول براندز: إن العديد من الأميركيين لا يدركون مدى اقتراب العالم من الخراب، لأنهم نسوا كيف اندلعت الحرب العالمية الأخيرة التي بدأت كتنافس ثلاثي فضفاض غير مترابط من أجل السيطرة على مناطق رئيسية تمتد من أوروبا إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ؛ وهو التنافس الذي بلغ ذروته في نهاية المطاف، واتحد في حرب كونية واحدة. ويكشف تاريخ هذه الفترة بحسب براندز عن الجوانب المظلمة للترابط الاستراتيجي بين ساحات تنافس جيوسياسية مختلفة، كما أنه يوضح أوجه التشابه غير المريحة مع الوضع الذي تواجهه واشنطن حاليًا.
يشير براندز إلى أن الولايات المتحدة لا تواجه اليوم تحالفًا رسميًا من الخصوم، كما فعلت خلال الحرب العالمية الثانية، وأننا ربما لا نشهد كذلك تكراراً للسيناريو الذي تغزو فيه قوى دولية صاعدة مساحات عملاقة من أوراسيا والمناطق الساحلية لها. ولكن مع ذلك، فإن الحروب قد احتدمت بالفعل في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، وأصبحت العلاقات بين خصوم أمريكا أكثر وضوحًا، وكل ما يتطلبه الأمر الآن هو اندلاع صدام في منطقة غرب المحيط الهادئ المتنازع عليها لإحداث سيناريو مروع تتصاعد فيه الصراعات الإقليمية المعقدة والمترابطة، وتخلق أزمة للأمن العالمي والنظام الدولي لم يسبق لها مثيل منذ عام 1945.
بحسب براندز كانت الحرب العالمية الثانية عبارة عن اجتماع لثلاث أزمات إقليمية: تمدد اليابان في الصين ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ؛ سعي إيطاليا إلى إقامة إمبراطورية في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط؛ وسعي ألمانيا نحو الهيمنة في أوروبا وخارجها. وكانت هذه الأزمات مرتبطة في بعض النواحي. وقد ساهم كل منها فيما وصفه الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في عام 1937 بأنه “وباء الفوضى العالمية المنتشر”.
ولكن مهما تضاربت أهداف قوى دول المحور إلا أنه كان لديها تشابه أكثر جوهرية في الهدف، حيث كان جميعهم يسعى إلى تغيير النظام العالمي، وكان هناك تضامن جيوسياسي وإيديولوجي أساسي بين الأنظمة الاستبدادية والشمولية في العالم، وهو ما جعلها أقرب إلى بعضها البعض مع مرور الوقت، وهو ما تسبب بدوره في تداخل الصراعات الإقليمية وتشابكها.
في تلك الفترة طور العالم شكلاً ضاراً من الاعتماد المتبادل، حيث أدى عدم الاستقرار في منطقة ما إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار في منطقة أخرى، وشعرت بعض القوى أن العدوان قد يكون مجديا، حيث مهد هجوم إيطاليا على إثيوبيا في عام 1935 الطريق أمام هتلر لإعادة تسليح منطقة الراين في عام 1936، واتجهت ألمانيا في عام 1940 إلى سحق فرنسا، وتهديد المملكة المتحدة في عقر دارها؛ وهو ما خلق فرصة ذهبية لتوسع اليابان في جنوب شرق آسيا. وفي تلك الأثناء انتقلت تكتيكات عسكرية معينة من مسرح إلى مسرح؛ وقد ساهم كل هذا في استقطاب العالم وانقسامه إلى معسكرات متنافسة.
ولكن لم يردع التحالف الثلاثي الجديد بين ألمانيا وإيطاليا واليابان الرئيس الأمريكي فرانلكين روزفلت، ولكنه أقنعه، كما كتب في عام 1941، بأن “الأعمال العدائية في أوروبا، وفي أفريقيا، وآسيا كلها أجزاء من صراع عالمي واحد”. وعندما هاجمت اليابان بيرل هاربر، وأعلن هتلر الحرب على واشنطن، دخلت الولايات المتحدة في صراعات في أوروبا والمحيط الهادئ، وحولت بدورها مختلف الاشتباكات الإقليمية إلى صراع كوني واحد متعدد المسارح.
إن أوجه التشابه بين هذه الحقبة السابقة والحاضر مذهلة. فاليوم، كما كان الحال في ثلاثينيات القرن العشرين، يواجه النظام الدولي ثلاثة تحديات إقليمية حادة: حيث تعمل الصين على حشد قوتها العسكرية بسرعة كجزء من حملتها لطرد الولايات المتحدة من غرب المحيط الهادئ. بينما تحاول روسيا من خلال الحرب التي تخوضها في أوكرانيا استعادة التفوق في أوروبا الشرقية والفضاء السوفييتي السابق. وفي الشرق الأوسط، تخوض إيران وحلفائها ووكلائها الإقليميين مثل حزب الله، والحوثيين، وغيرهم، صراعاً دموياً من أجل الهيمنة الإقليمية ضد إسرائيل والولايات المتحدة. ومرة أخرى، فإن القواسم المشتركة الأساسية التي تربط تلك الدول هي نمط الحكم الاستبدادي والمظالم الجيوسياسية؛ والرغبة في تحطيم النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، الذي يحرمهم من نيل المكانة الإقليمية والدولية التي يرغبون أن يحظوا بها.
في هذه الأثناء تتقارب أيضًا روسيا والصين من خلال شراكتهما الاستراتيجية، والتي تتميز بمبيعات الأسلحة، وتعميق التعاون الدفاعي التكنولوجي، وإظهار التضامن الجيوسياسي مثل إجراء التدريبات العسكرية المشتركة. وفي الآونة الأخيرة، عززت الحرب في أوكرانيا أيضًا العلاقات الأوراسية الأخرى ــ بين روسيا وإيران، وروسيا وكوريا الشمالية. وقد ساهمت الطائرات بدون طيار وذخائر المدفعية والصواريخ الباليستية التي قدمتها طهران وبيونغ يانغ – إلى جانب الدعم الاقتصادي الذي قدمته بكين – في دعم موسكو في صراعها ضد كييف وداعميها الغربيين. وفي المقابل، يبدو أن موسكو تنقل تكنولوجيا ومعرفة عسكرية أكثر حساسية: مثل بيع طائرات متقدمة لإيران، ويقال إنها تقدم المساعدة لبرامج الأسلحة المتقدمة في كوريا الشمالية، وربما تساعد حاليًا روسيا الصين في بناء غواصتها الهجومية من الجيل الجديد.
وقد أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الصراعات في أوكرانيا والشرق الأوسط تشكل جزءاً من صراع واحد أكبر “سيقرر مصير روسيا، والعالم أجمع”. وفي صدى آخر كذلك من أصداء الماضي، تستنزف التوترات عبر المسارح الرئيسية في أوراسيا موارد الولايات المتحدة من خلال مواجهة القوة العظمى بمعضلات متعددة في وقت واحد.
ولكن أحد الاختلافات الحاسمة بين ثلاثينيات القرن الماضي واليوم هو حجم القوى الراغبة في تغيير النظام الدولي. وعلى الرغم من سوء حالة بوتين وآية الله علي خامنئي، فإنهما لم يلتهما أجزاء كبيرة من المناطق الحيوية. والفارق الحاسم الآخر هو أن شرق آسيا لا يزال يتمتع بسلام هش. ولكن مع تحذير المسؤولين الأميركيين من أن الصين قد تصبح أكثر عدوانية مع تطور قدراتها العسكرية في النصف الثاني من هذا العقد.
مثل هذا الصراع بين الولايات المتحدة والصين إذا اشتعلت منطقة مضيق تايوان أو بحر الصين الجنوبي سيكون كارثيا في جوانب متعددة. ومن الممكن أن يؤدي العدوان الصيني ضد تايوان إلى اندلاع حرب مع الولايات المتحدة، مما قد يضع أقوى جيشين في العالم ــ وترسانتيهما النوويتين ــ ضد بعضهما البعض. وهو ما من شأنه أن يدمر التجارة العالمية على النحو الذي يجعل الاضطرابات الناجمة عن الحربين في أوكرانيا وغزة تبدو تافهة للغاية.
والأمر الأكثر أهمية هو أن الحرب في شرق آسيا، إذا اقترنت بالصراعات الجارية في أماكن أخرى، قد تخلق وضعاً لا يشبه أي شيء منذ أربعينيات القرن الماضي، حيث تشتعل النيران في المناطق الرئيسية الثلاث في أوراسيا بأعمال عنف واسعة النطاق في وقت واحد. وقد لا تتحول هذه الصراعات إلى حرب عالمية واحدة شاملة. لكنه قد يؤدي إلى عالم مبتلى بالحروب والصراعات المتشابكة التي تمتد على بعض أهم التضاريس الإستراتيجية على وجه الأرض.
في ختام مقاله يؤكد براندز على أن التنافس المتزايد والتوازن العسكري المتغير على الصعيد العالمي باتا يشكلان اليوم مزيجًا خطيرًا، ويحذر أخيرًا من أن الكوارث الكبرى غالبًا ما تبدو غير واردة إلى أن تحدث.
[[1]]https://www.foreignaffairs.com/united-states/next-global-war



