بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن عام 2001، وجه ستون من الأكاديميين والمفكرين والمثقفين من الولايات المتحدة الأمريكية رسالة إلى المسلمين، وخاصة ممن يمثلون النخبة المفكرة في بلدانهم، وقد وقع جميعهم عليها وغالبيتهم من الأساتذة المعروفين وذوي النفوذ وصناع القرار السياسي في الولايات المتحدة. ودعوا في هذه الرسالة، للوقوف مع الولايات المتحدة ضد ما أسموه بالإرهاب الذي استهدف بعض المراكز التجارية، ونتج عنه ما يقرب من ثلاثة آلاف قتيل، ناهيك عن الجرحى والإصابات النفسية، ممن كانوا في هذه المراكز.
ولا شك أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لاقت رفضا عاما من كل الدول العربية والإسلامية، ومن علماء الأمة كلها الذين يمثل بعضهم المؤسسات الدينية، باعتبار أن هذه الهجمات مست الأبرياء ودون وجه حق، حتى ولو أن هناك خلافا مع السياسة الأمريكية الداعمة لإسرائيل، لكنه عمل مرفوض دينيا وأخلاقيا وإنسانيا، وليس له مبرر في الفكر الإسلامي وقيمه.
وقد كان هذا الحدث حدثا كبيرا ومهما في القرن الحادي والعشرين، وحدثا فارقا بين ما قبل هذا الحدث، وبين ما بعده من حيث التداعيات والآثار التي نجمت عنه. كما كانت لهذه الهجمات تأثيراتها على العالم العربي والإسلامي، تمثلت في سياسات جديدة في المنطقة، وخطوات عسكرية وسياسية وثقافية واستراتيجية، وكل هذه الخطوات جاءت نتيجة لتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي هزت بلا شك قناعات ومفاهيم كثيرة غربية وأمريكية، وفرضت معادلات جديدة على المنطقة، لم تكن في الحسبان، منها الحرب على أفغانستان عام 2002، والقضاء على نظام طالبان، وكذلك الحرب على العراق عام 2003، والقضاء على نظام الرئيس صدام حسين، تحت ذرائع لم تكن صحيحة في الواقع حول الأسلحة النووية، لكنها كانت ضمن استراتيجية الولايات المتحدة الرامية إلى تغيير النظم القائمة بأي صورة من الصور وبتهمة دعم الإرهاب. المهم هو إسقاط هذا النظام أو ذاك الذي اعتبروه -كما قالوا- يتحدى القوانين الدولية! مع العلم أن إسرائيل تخالف النظام الدولي، منذ أن وجدت قبل 76 عاما.
ومما جاء في رسالة هؤلاء المفكرين والأكاديميين والمثقفين الأمريكيين، أنهم يريدون أن تقف النخب العربية الفكرية والأكاديمية والمثقفة إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبار أن العقول النيرة ترفض استهداف الأبرياء، وأعربوا في رسالتهم: كما نشرت في 12 فبراير 2002، أن حق الحرية وحرية الضمير والحرية الدينية، لا يجوز انتهاكها في الشخصية الإنسانية في كل الثقافات والحضارات، ولذلك يرون في هذه الرسالة أن: «القتل باسم الله مخالف للإيمان بالله وهو يشكل خيانة عظمى لكونية الإيمان الديني. وبناء عليه -كما جاء في الرسالة- فنحن نحارب للذود عن أنفسنا، ودفاعا عن هذه المبادئ الكونية». وتضيف الرسالة المطّولة التي تتحدث عن القيم الأمريكية باعتبارها قيما كونية ـ وهذا حقهم في هذا القول كما يعتقدونه هو الحق ـ مع أن القيم الإنسانية في كل ثقافة من الثقافات متعددة، ولها مرجعية فكرية تختلف بين كل ثقافة وأخرى، وهذه مسألة بديهية لا يستطيع أي مفكر أو مثقف مطلع على الفكر الإنساني أن ينكرها أو يتجاهلها منذ فجر التاريخ، ولا ينبغي أن تختزل المبادئ والقيم في ثقافة واحدة، ويتم إقصاء كل الثقافات الإنسانية الأخرى، وكأن ليس هناك تعددية ثقافية عند كل الشعوب الأخرى! ولذلك فإن هذه الرسالة تعبر عن قناعاتهم الفكرية، باعتبار أن لديهم قيما أمريكية، لكنها تتجاوز الشعب الأمريكي، فهي قيم وإن كانت أمريكية تمتد إلى كل العالم في أي بقعة من الأرض، وهذا الشعور يمكن تفهّمه كون الولايات المتحدة، تعد أكبر دولة في العالم، وهذه القناعة تجعلهم شعوريا يحسون أنهم الأفضل من حيث الإمكانيات والعقول والقدرات الفكرية الأخرى، وكما جاء في مقدمة هذه الرسالة: «قناعتنا بأن كل الأشخاص يمتلكون كرامة إنسانية أصيلة، هي حق لهم بالولادة. وهذا يعني بالنتيجة، أنه ينبغي أن يعامل كل شخص بما هو غاية في ذاته، بدل أن يجري استخدامه على أنه وسيلة، وأكد المؤسسون، كما لو كان الأمر بداهة ذاتية، فكرة أن كل الناس يمتلكون كرامة متساوية، وكانت الديمقراطية هي الصيغة السياسية الواضحة التي تمثل هذا الإيمان بالكرامة الإنسانية السامية، ومع الأجيال اللاحقة كان التعبير الثقافي الأوضح عن هذه الفكرة تأكيد المساواة في الكرامة بين الرجال والنساء، وفيما بين الناس جميعًا، بصرف النظر عن العرق أو اللون».
ومن هنا هم يعتقدون بمسألة فرادة هذه القيم، دون تمييز كونها قيما عالمية – كما أشرنا إليها آنفا- وقد أشارت الرسالة إلى ذلك في الفقرة الأولى منها. ويرونها حقيقة لا تقبل النقاش أو الجدل، في مضمونها، من حيث التعميم كونها كما قالوا «تنبع مما سبق، وهي القناعة بأن الحقائق الأخلاقية الكونية التي سماها الآباء المؤسسون (قوانين الطبيعة والفطرة الإلهية) موجودة بالفعل ويمكن لكل الناس الوصول إليها.
إن إعلان الاستقلال، وبيان الوداع الذي كتبه جورج واشنطن والبيان الافتتاحي الثاني لأبراهام لنكولن، وكذلك رسالة «مارتن لوثر كينج» من سجن برمينجهام، تنضح بأنصع أنواع التعبير عن ثقتنا بهذه الحقائق وتواصلنا معها.
إذن، تعالوا نناقش بعض هذه الفقرات التي وردت في الرسالة الأمريكية، من حيث القيم وأهميتها كونها لكل البشر، فالفقرة التي تقول (بأن كل الأشخاص يمتلكون كرامة إنسانية أصيلة، هي حق لهم بالولادة. وهذا يعني بالنتيجة، أنه ينبغي أن يعامل كل شخص بما هو غاية في ذاته، بدل أن يجري استخدامه على أنه وسيلة).
وهذا ما نحتاج تعميمه على ما جرى ويجري في غزة من إبادة جماعية للمدنيين بالأخص، من إبادة للآلاف من الأطفال وكبار السن والنساء، وبعضهم هدّمت بيوتهم وهم نائمون دون سابق إنذار، ومن هدم المستشفيات والمدارس، وقتل المئات من المرضى، بسبب منع الدواء والماء والغذاء ومنع دخول الأدوية والأوكسجين لفترات طويلة، ونتج عنها وفيات كثيرة، كل هذا مع تأييد الولايات المتحدة، لكل ما قامت به إسرائيل، وتم اعتبار هذا -دون تمييز- (هو الدفاع عن النفس) ـ مع أن إسرائيل محتلة للأرض الفلسطينية، وفق ما جاء في قرار من مجلس الأمن عقب حروب عام 1948، وحرب 1967، فأين هو القول بـ«الكرامة الإنسانية الأصيلة»؟ أو القول «إن كل الناس يمتلكون كرامة متساوية؟».
هذا الكلام الجميل في الظاهر، ينبغي أن يكون عامًا لكل شعوب الأرض دون تمييز أو معايير متناقضة، إذا كانت هذه القيم الأمريكية عامة لكل البشرية، كما جاء في هذه الرسالة، فلماذا لم نقرأ أي رسائل من النخب الفكرية والفلسفية الأمريكية، تتعلق بما يجري في غزة من إبادة للأبرياء التي لم تتوقف منذ ستة وأربعين يوما، سوى مع الهدنة المؤقتة التي تم تجديدها.
إذن الحل الأمثل هو تطبيق المعايير العادلة على كل القضايا العالقة، وأول هذه القضايا وأهمها، قضية فلسطين وهي لب القضايا الراهنة، ذلك أن الحل سهل وميسور إذا ما أريد للسلام أن يتحقق، وهو قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أرض الفلسطينيين التي احتلت ووفق القرارات الدولية التي قررتها الدول الكبرى نفسها، وإذا أرادت إسرائيل أن تنعم بالسلام والاستقرار في المنطقة، فعليها أن تلتزم بهذه القرارات الدولية. وعلى الولايات المتحدة أن تكون راعية للسلام العادل، وليست طرفا مؤيدا للاحتلال، وعليها أن تلزم إسرائيل بتطبيق القرارات الدولية، واستعادة صاحب الحق لحقه كاملا، أما ما عداه من ضغوط وقتل وتجويع وتضييق وإبادة جماعية، فلن يحقق السلام في غياب الحقوق المنصفة، وإن خفتت التوترات فترة من الزمن، فإنها ستعود مرة أخرى أقوى وأعتى وأخطر من المرات السابقة، ولذلك فلا مفر من التعامل مع الحق العادل من المنظور الواقعي والمنصف والمتزن، وبه تختفي المشكلات والتوترات والصراعات.



