حميد دباشي[[1]]
قبل سنوات، قال جو بايدن، الذي كان عضوا شابا آنذاك في مجلس الشيوخ عن ولاية ديلاوير الأمريكية، عبارته الشهيرة: “إن هذا أفضل استثمار بقيمة ثلاثة مليارات دولار قمنا به، ولو لم تكن هناك إسرائيل، لكان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تخترع إسرائيل لحماية مصالحها في المنطقة”.
وقد كرر بايدن- الرئيس الآن- مؤخرًا، هذه الملاحظة البارعة، التي يعتقد على ما يبدو أنها ذكية للغاية. والواقع أن إسرائيل بالنسبة له، وبالنسبة للولايات المتحدة بشكل عام، عبارة عن عقار باهظ الثمن: قاعدة عسكرية وحاملة طائرات ثابتة، وبالتالي فهي “استثمار” كبير في الخطط المتوهمة لواشنطن من أجل حكم المنطقة والعالم.
إن ملاحظة بايدن هي فرضية جدلية بالطبع، فقد تم اختراع إسرائيل بالفعل عندما قال ذلك. وهو لا يجيد نظم العبارات النثرية كثيرًا. لكن رغبته في اختراع إسرائيل كانت إشارة إلى الحقيقة التاريخية المتمثلة في أن تلك المستعمرة الاستيطانية كانت اختراعًا بالفعل.
وقد عملت الولايات المتحدة على مدى الأسبوعين الماضيين، على تمكين وتقوية آلة عسكرية إسرائيلية شريرة، وبالتالي إعادة اختراع إسرائيل أكثر شراسة وعنفاً.
وبعد أن اخترق المقاتلون الفلسطينيون سياج غزة وهاجموا إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول، مما أسفر عن مقتل وأسر مئات الإسرائيليين، ردت إسرائيل بسرعة وبشكل غير متناسب، فقتلت ما يقرب من خمسة أضعاف عدد الفلسطينيين في حوالي أسبوعين، في وابل متواصل من الغارات الجوية.
إن حكومات الولايات المتحدة وأوروبا تعمل على إعادة اختراع إسرائيل “الجديدة والمنقحة”، التي تمثل صورة مثالية لتاريخها المستمر من الوحشية الاستعمارية والإمبريالية في مختلف أنحاء العالم. إن ما تفعله إسرائيل في غزة الآن يعكس ما فعله الفرنسيون والبريطانيون والبرتغاليون والألمان والإسبان والأمريكيون وغيرهم في جميع أنحاء العالم عبر التاريخ.
لقد أصبح الفلسطينيون في غزة الآن خلاصة المعاناة العالمية على أيدي الأوروبيين والأميركيين.
وقد كان الهجوم الذي شنه المقاتلون الفلسطينيون في 7 تشرين الأول/أكتوبر مشهداً مروعاً للقتل والفوضى. ولكن بعد أن تجاهلت وسائل الإعلام الغربية معاناة الفلسطينيين على مدى أجيال، سارعت إلى عرض صور وأوصاف لهذا الهجوم، مما ساعد في توليد دعم شعبي للانتقام المميت من جانب إسرائيل.
ويبدو أن الجهود المتضافرة تركز الآن على إعادة اختراع إسرائيل ليس كمستعمرة استيطانية أوروبية، وهو ما كان سيخترعه بايدن لو لم تكن موجودة بالفعل، ولكن كنموذج للعدالة والانتقام العادل- وكل ذلك بمساعدة وتحريض من دولة تجرم دعم القضية الفلسطينية.
وفي إعادة اختراع إسرائيل تلك، فإن مساواة فلسطين بحماس، وحماس بتنظيم الدولة الإسلامية، صيغة جرى تصميمها بعناية لتكون مقدمة للإبادة الجماعية التي تتضح أبعادها في غزة؛ على نحو يمهد لنزع التسييس بشكل ممنهج عن القضية الفلسطينية، وتحويلها من حركة تحرر وطني إلى أزمة إنسانية.
لكن القضية الفلسطينية هي مسار مستمر للتحرر الوطني من المشروع الاستعماري الأوروبي الوحشي. إنها ليست أزمة إنسانية. حماس هي مجرد عنصر واحد من لفيف القوى المنخرطة في هذه الحراك – وهي ليست العنصر النهائي.
وهناك تاريخ طويل من المقاومة الفلسطينية اللاعنفية، تجلى بشكل أفضل في حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات واسعة النطاق، التي اكتسبت زخمًا في جميع أنحاء العالم.
وفي المقابل، أصبحت القومية ذات الكراهية العميقة تهيمن على السياسة الإسرائيلية. ولكن حتى بالنسبة للصهيوني الملتزم بقضيته، سيكون من الصعب إغفال الوحشية الإمبريالية المتأصلة في ذلك التأكيد من بايدن على “اختراع” إسرائيل- ليس كملاذ يهودي من تاريخ مستمر من الوحشية الأوروبية التي بلغت ذروتها في المحرقة، ولكن كقاعدة عسكرية تحمي المصالح الفضلى لإمبراطورية مختلة وظيفيًا.
إن إعادة اختراع إسرائيل يشكل انشغالاً صهيونياً مستمراً، ويستند إلى وعي تاريخي غريب ينتقي أجزاءً ويستبعد أجزاء أخرى من الماضي البعيد، في حين يتجنب أي تذكير بتاريخ فظائع إسرائيل الإجرامية التي مارستها ضد الفلسطينيين. واليوم، بدأ التاريخ الحديث لإعادة اختراعها مجددًا في 7 أكتوبر/تشرين الأول، الذي أُطلق عليه اسم “11 سبتمبر” الإسرائيلي – وتجري الآن نكبة ثانية يشاهدها العالم أجمع.
ولكن لا يمكن لأي إعادة اختراع لإسرائيل أن تصمد أمام إصرار الفلسطينيين الصلب. إن العالم الآن يرى إسرائيل على حقيقتها: آلة قتل شرسة تواجه أمة لا تقهر ولن تستسلم أبداً.
[[1]]https://www.middleeasteye.net/opinion/israel-palestine-war-west-trying-reinvent-how



