إيلان بابيه
مؤرخ إسرائيلي بارز مناهض للصهيونية
مرة أخرى يجري قصف قطاع غزة من الجو والبر والبحر، ومرة أخرى تقابل وحشية إسرائيل وقسوتها بالصمت الغربي. لقد كتبنا مرات لا تحصى حول هذا الموضوع، وتخيلوا كم مرة صرخ جيل أكبر منا ضد هذا الظلم الذي يعود إلى أيام النكبة، إن لم يكن حتى من قبلها.
أظهرت الدراسات الحديثة أنه منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى النكبة، حذرت لجان التحقيق المختلفة التي أرسلتها عصبة الأمم أو الحكومة البريطانية مرسِليها من أن استمرار استعمار فلسطين سيكون كارثيًا على فلسطين وعلى السكان الأصليين؛ على حد تعبير لجنة شو للتحقيق عام 1930، ومن أن شراء اليهود المستمر للأراضي يشكل خطراً على بقاء العرب القومي.
اعتقد البريطانيون أن القيود التي فرضوها على دخول المهاجرين الصهاينة إلى البلاد والقيود الصارمة على شراء الأراضي من قبل المؤسسات الصهيونية من شأنها أن تنقذ الفلسطينيين. ومع ذلك، عندما بدأوا في تنفيذ هذه السياسة، كان الوقت قد فات. والأهم من ذلك، أن الحكومة البريطانية في فلسطين كانت على علم بنية الحركة الصهيونية في الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من فلسطين وإبقاء أقل عدد ممكن من الفلسطينيين فيها؛ ومع ذلك فقد زودت تلك الحركة بالقوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية لتنفيذ عملية تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم لدى نهاية الانتداب.
أثناء النكبة، عندما بدأت القوات الصهيونية عملية التطهير العرقي في فبراير 1948 بإخلاء ثلاث قرى حول قيسارية (مدينة في حيفا) بالقوة، كان المسؤولون البريطانيون والجيش البريطاني لا يزالون هناك، ملزمين بحماية أرواح وممتلكات الفلسطينيين وفقًا لميثاق الانتداب. وقرار التقسيم للأمم المتحدة.
لكن الممثلين البريطانيين المحليين وقفوا متفرجين عندما تصاعد التطهير العرقي والإبادة الحضرية (التدمير الممنهج للبلدات والأحياء) التي اندلعت في إبريل/نيسان 1948. بل إنهم في بعض الحالات ساعدوا القوات الصهيونية في تنفيذ التطهير العرقي. حولت هذه المرحلة من السلب أكثر من ربع مليون فلسطيني إلى لاجئين، مما أجبر العالم العربي المتردد على إرسال قواته لإنقاذ الباقين. لكنهم لم يفعلوا ذلك إلا عندما غادرت بريطانيا فلسطين في 15 مايو/أيار 1948. وبحلول ذلك الوقت، كان تدخل من هذا القبيل عديم الفائدة.
قبل وبعد انتهاء الانتداب، كان الصحفيون الغربيون ومبعوثو المنظمات مثل الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي حاضرين على الأرض. وتحدث الصحفيون الأمريكيون المرافقون للقوات الصهيونية عن المجازر التي وقعت في اللد وفي أماكن أخرى، ومع ذلك لم تتم إدانة جرائم الحرب؛ كما لم ينشر الصليب الأحمر الدولي الوقائع التي كان يعلم أنها تجري على الأرض. ويظهر تقرير الصليب الأحمر الداخلي أنه شعر بالفزع من الطريقة التي يعامل بها الإسرائيليون الفلسطينيين، الذين لا تتجاوز أعمارهم 14 عاما، والذين خضعوا للسجن في معسكرات العمل القسري. كما سجلت تقارير الصليب الأحمر تسميماً متعمداً لمياه عكا بالتيفوس. وقد تم حفظ كل هذه المعلومات على الرف حتى وجدها مؤرخون مثل سلمان أبو ستة في الأرشيف.
أرسل هذا الصمت رسالة مهمة إلى دولة إسرائيل الجديدة، مفادها أن جرائم مثل التطهير العرقي – التي أدانها إعلان حقوق الإنسان الشهير عام 1948 في نفس العام، مسموح بها في حالة الدولة اليهودية. وقد استمر غياب الرد الغربي أو الأممي عندما محت إسرائيل أي أثر للثقافة والحياة الفلسطينية في أعقاب عمليات التطهير، من خلال غرس المستوطنات اليهودية وبناء المتنزهات الترفيهية على أنقاض القرى الفلسطينية.
وقد استمر تاريخ الصمت الغربي، في مواجهة مقتل الفلسطينيين الذين حاولوا استعادة ممتلكاتهم في أوائل عام 1950، وإزاء الحكم العسكري القاسي المفروض على الأقلية الفلسطينية داخل إسرائيل، وإزاء مذابح مثل مذبحتي قبية (قرية تتبع محافظة رام الله) وكفر قاسم؛ حتى الخمسينيات.
حقيقة أنه أصبح من الأسهل بكثير جمع المعلومات حول السياسات الإجرامية الإسرائيلية بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967، التي تشمل كذلك التطهير العرقي الهائل في مرتفعات الجولان السورية؛ وهي سياسات لم تغير من استجابة الغرب غير الأخلاقية تجاه إسرائيل؛ فقد أدى ذلك إلى تفاقم نفاق الغرب واستثنائه الحصري الممنوح لإسرائيل.
لم يكن الجميع صامتين، فقد سجل الأشخاص الموجودون على الأرض، الذين يمثلون العالم الغربي، ما رأوه وسمعوه. لقد مثلوا منظمات دولية محترمة ولجان تحقيق أرسلتها الأمم المتحدة، وكانوا جزءًا من البعثات الدبلوماسية سواء في تل أبيب أو القدس أو رام الله. وقد قدموا تقارير أسبوعية وشهرية وسنوية مفصلة، مسجلين بدقة جغرافية الكارثة التي خلقتها إسرائيل في أجزاء مختلفة من فلسطين التاريخية. لقد رسموا صورة كان يجب على الرئيسة الحالية للمفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أن تنظر إليها بعناية شديدة عند قولها بأن إسرائيل جعلت الصحراء تزدهر- في الواقع، فلسطين التي كانت مزدهرة بالفعل أصبحت صحراء تحت الاستعمار الإسرائيلي.
ندرك جميعا أن الحكومات الغربية لا تمثل قطاعات كبيرة من مجتمعاتها في هذه المسألة، ونحن ننتظر، وكثيرون منا يعملون، لسد الفجوة بين السياسات الرسمية تجاه إسرائيل، والرأي العام حول هذه القضية. وفي السنوات الأخيرة، شنت إسرائيل حربًا ضد هذه القطاعات في الرأي العام، مستخدمة الاتهام بمعاداة السامية، ومؤخرًا بإنكار المحرقة، كسلاح في محاولة لإسكات هؤلاء الأشخاص والمنظمات. ولكن دون جدوى، فالتضامن مع فلسطين في توسع ونمو مستمرين.
لكن سياسة الإبادة الجماعية المتنامية على الأرض تجعل صبرا من هذا القبيل في انتظار اليوم المنشود الذي ترى فيه الحكومات الغربية الحقيقة، يعتبر ترفا لا يستطيع الفلسطينيون تحمله. سواء أحببنا ذلك أم لا، والكثير منا لا يحبون ذلك، فإن حياتنا في العديد من الأماكن حول العالم يحددها صناع السياسات – ليس في كل جانب من جوانب الحياة، والحمد لله على ذلك. لكن هذه السياسات تؤثر بشكل كبير على مصيرنا في مسائل الحياة والموت، لاسيما في حالات الحرب والسلام والقمع والتحرر.
ونادراً ما يكون صناع القرار السياسي أشخاصاً تحركهم الاعتبارات الأخلاقية، رغم أنهم لا يتوقفون أبداً عن الحديث عنها. إنهم يهتمون فقط بالانتخابات والظهور والأمور الأخرى التي يمكن أن تؤدي إلى انتخابهم. وينطبق هذا على الديمقراطيات الليبرالية بقدر ما ينطبق على أشكال الحكم الأخرى.
إن الحاجة إلى ممارسة الضغط على الحكومات على مستوى العالم – في شمال العالم وجنوبه – لا يمكن أن يتم عن طريق إقناع رجل سياسة واحد، أو إقناع حزب معين، أو ممارسة هذا الضغط من قبل العلمانيين فقط أو المتدينين وحسب. هذه حقيقة، ولا يمكن إنكار أن اليسار، في أجزاء كثيرة من العالم، قاد تاريخياً الطريق لحركة التضامن مع الفلسطينيين. لكن فلسطين تحتاج إلى الجميع، فثمة أناس في الأحزاب الليبرالية والمحافظة، سواء في الماضي أو في الحاضر، لم يكونوا أقل تأييداً للفلسطينيين من أي شخص آخر، والأغلبية العظمى من الناس الذين يؤمنون بالتقاليد والدين، يعتبرون تحرير فلسطين هدفاً مقدساً.
وبأكثر من طريقة، أتاحت “BDS” (حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات) مثل هذه المشاركة الواسعة، والتركيز على الحقوق الفلسطينية وتوفير أساس أوسع لأعمال التضامن الشاملة، المدعو للمشاركة فيها قطاعات عديدة وحاسمة من المجتمع المدني. وقد طالبت مبادرة جديدة، تتلاءم مع حركة المقاطعة (BDS) وبالتعاون معها، من البرلمانات، أن تأخذ زمام المبادرة في إنشاء لجان مناهضة للفصل العنصري لإسرائيل، وأن تكون جزءًا من شبكة دولية لمثل هذه اللجان حول العالم.
ونأمل أنه في المواضع التي يتردد فيها البرلمانيون والمسؤولون الحكوميون في دعم حركة المقاطعة علناً – وهو الأمر الذي ربما يدعمونه من حيث المبدأ – ألا يتجنبوا المشاركة في الامتثال لمناهضة دولة الفصل العنصري (إسرائيل) حسب ما أوضحت منظمة العفو الدولية وغيرها من منظمات حقوق الإنسان.
ثمة دلائل بالفعل على وجود ردود فعل إيجابية على هذه المبادرة بين أعضاء البرلمانات. إنها أحد الأمثلة على مدى اتساع حركة التضامن وتقاطعها متعدد الأوجه. لقد تم إنجاز عمل كبير أفقياً، ألا وهو توسيع المجموعات التي يعمل معها التضامن الفلسطيني في جميع أنحاء العالم. ولكن لا بد أيضاً من القيام بالمزيد من العمل الرأسي والمتعمق، وعدم التخلي في هذا السياق عن البرلمانات وعن موظفي الخدمة المدنية، وما إلى ذلك. لقد حان الوقت لدخول المساحات المريحة للوبي الصهيوني التي يعتقدون أنهم مهيمنون خلالها أو بلا منازع.
وكما هو الحال دائمًا، ثمة إلحاح، لأننا نتعامل دائمًا مع خطر وجودي على الفلسطينيين.
وقد قضى اليهود الإسرائيليون، ومن بينهم اليساريون، معظم الأسبوع الماضي وهم يشاهدون، أثناء تناولهم العشاء، مقاطع متكررة على شاشات التلفزيون لقواتهم الجوية وهي تقصف المنازل في قطاع غزة. بعض الطيارين الذين شاركوا في هذا العنف البشع هم أنفسهم الذين أشاروا بفخر إلى أنهم جزء من حركة الاحتجاج ضد الإصلاح القانوني الذي اقترحه رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني بنيامين نتنياهو…كم هي “حركة ديمقراطية” بالفعل.
عندما تدمج هذا مع التعليقات التي تسمعها في وسائل الإعلام الإسرائيلية، لا يمكنك إلا أن تصل إلى نتيجة مفادها أن إسرائيل أصبحت أمة معتلة وخطرة. ويجب نشر هذه الرسالة بوضوح على أعلى المستويات السياسية في جميع أنحاء العالم، بل في الواقع إلى كل مجتمع، في كل مكان.



