دينس روس
نيويورك تايمز
لقد كرست حياتي المهنية على امتداد 35 سنة لسياسة الولايات المتحدة في صنع السلام وحل النزاعات والتخطيط لها–سواء في الاتحاد السوفييتي الأسبق، أو ألمانيا التي أعيد توحيدها، أو عراق ما بعد الحرب. لكن لا شيء شغلني مثل إيجاد حل سلمي ودائم بين إسرائيل والفلسطينيين.
لربما فضلت فيما مضى التوصل إلى وقف إطلاق النار في أي نزاع بين إسرائيل وحماس. لكن يتضح لي اليوم بجلاء أن السلام لن يكون ممكنا الآن أو في المستقبل طالما بقيت حماس سليمة ومسيطرة على قطاع غزة. فقوة حماس وقدرتها على تهديد إسرائيل –وتعريض سكان غزة المدنيين لمزيد من جولات العنف –يجب أن تنتهي.
بعد 7 تشرين أول/أكتوبر، هناك إسرائيليون كثر يعتقدون أن بقاءهم كدولة على المحك. قد تبدو تلك مبالغة لكنها، بالنسبة لهم، ليست كذلك. إذا بقيت حماس قوًة عسكرية، وبقيت تدير غزة بعد انتهاء هذه الحرب، فسوف تهاجم إسرائيل مجددا. وسواء فتح حزب الله أم لم يفتح جبهة حقيقية من لبنان خلال هذا النزاع، فإنه هو أيضا سيهاجم إسرائيل مستقبلا. إن هدف هاتين المجموعتين اللتين تدعمهما إيران هو جعل دولة إسرائيل غير قابلة للحياة، ودفع الإسرائيليين إلى مغادرتها. وفي حين أنكرت إيران ضلوعها في هجوم حماس، فإن المرشد الأعلى علي خامنئي تحدث مطولا عن عدم قدرة إسرائيل على البقاء لربع قرن آخر، واستراتيجيته لتحقيق ذلك الهدف ما تزال قائمة على استخدام مثل هؤلاء العملاء المتطرفين.
بدت أهداف إيران وعملاءها حتى قبل بضع أسابيع غير معقولة، نظرا لقوة إسرائيل العسكرية –وهي القوة الأكبر بما لا يقارن في المنطقة. لكن أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر غيرت كل شيء. فكما قال أحد قادة الجيش الإسرائيلي: “إذا لم نهزم حماس، فلن نستطيع البقاء هنا”.
وإسرائيل ليست الوحيدة في الاعتقاد بأنها يجب أن تهزم حماس. عندما تحدثتُ في الأسبوعين الماضيين مع مسؤولين عرب عرفتهم لفترة طويلة في أنحاء المنطقة كافة، قال لي كل واحد منهم إنه يجب تدمير حماس في غزة. أوضحوا لي أنه إذا ظهرت حماس منتصرة، فسوف تعطي مصداقية لأيديولوجية الرفض والممانعة التي تتبناها، فتمنح إيران وعملاءها تأثيرا وزخما، وتضع حكوماتهم في موقف دفاعي.
لكنهم قالوا ذلك سرا. مواقفهم العلنية كانت مختلفة تماما، فقلة من الدول العربية أدانت مجزرة حماس بقتلها أكثر من 1400 شخص في إسرائيل. لماذا؟ لأن القادة العرب أدركوا أن رد إسرائيل وتصاعد خسائر الفلسطينيين ومعاناتهم سوف يغضب مواطنيهم، وأن عليهم الظهور بمظهر المؤيد للفلسطينيين، وإن يكن خطابيا على الأقل.
لم تتبدَ الرغبة في مسايرة مزاج الشارع بوضوح أكثر من الإدانات السريعة لإسرائيل بعد زعم حماس أن إسرائيل قصفت المشفى الأهلي في غزة. أنكرت إسرائيل ضرب المشفى لكن العديد من الدول العربية قبلت مزاعم حماس، رغم أن العديد من وكالات الاستخبارات تقول حتى اللحظة إن الأرجح أن صاروخا فلسطينيا أصاب المشفى.
مع ذلك، رأى الناس في أرجاء المنطقة –وفي العالم أجمع –إسرائيل وهي تقصف غزة، وكانوا على استعداد للاعتقاد بأن قصف المشفى أيضا كان متعمدا. حتى الإمارات العربية المتحدة، التي أدانت مجزرة حماس، أصدرت بيانا لاحقا يدين “الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف المشفى الأهلي المعمداني في قطاع غزة وتسبب بقتل وجرح مئات الأشخاص”. وتابعت مناشدًة “المجتمع الدولي تكثيف جهوده للتوصل إلى وقف إطلاق نار فوري لمنع المزيد من الخسائر في الأرواح”.
مع تصاعد وتيرة القصف الجوي الإسرائيلي لغزة وارتفاع أعداد الإصابات في صفوف المدنيين، تتصاعد باطراد الدعوات الدولية لوقف إطلاق نار فوري. والبعض يطالب إسرائيل بإلغاء الغزو البري كليًّة. لكن إنهاء الحرب الآن يعني أن حماس قد انتصرت، فبناها العسكرية التحتية ما تزال قائمة، وما تزال سيطرتها السياسية على غزة بلا منازع. وكما فعلت حماس في أعقاب نزاعاتها مع إسرائيل أعوام 2009 و2012 و2014 و2021، من شبه المؤكد أنها سوف تعيد تسليح نفسها واستعادة قوتها. سوف تستطيع حماس إضافة المزيد وتوسيع نظام أنفاقها القابع تحت أراضي القطاع، وسيبقى القطاع معدما، وتبقى الجولة القادمة من الحرب محتومة، وسيبقى مدنيو غزة وقسم كبير من الشرق الأوسط رهينة أهداف حماس.
إن أي حملة إسرائيلية برية سوف تكون باهظة التكلفة إلى أقصى الحدود. ومن المؤكد أن يخسر كثير من الجنود الإسرائيليين حياتهم إذا تمت العملية. وستكون هناك خسائر حتى أكبر بين الفلسطينيين، وهذه مأساة ضمنت حماس حدوثها بترسيخ نفسها وقدراتها العسكرية داخل مجتمعات مدنية، مستخدمًة المشافي والمساجد والمدارس لتخزين أسلحتها وذخائرها. لكن هزيمة حماس لا يمكن تحقيقها بقصف استراتيجي من الجو، تماما كما لم نستطع اجتثاث داعش من الموصل في العراق أو الرقة في سورية بضربات جوية. كان لدى الولايات المتحدة في تلك المعركة شركاء محليون قاموا بالحرب البرية المكلفة في المدن بينما قامت قواتنا بتدميرها إلى حد كبير من الأعلى.
ما الذي تعنيه هزيمة حماس؟ سوف تعني إلى حد بعيد تحطيم بنيتها التحتية العسكرية، وقسمٌ كبير منها مرتبط ماديا بالبنية التحتية المدنية. كما تعني تدمير قياداتها بحيث تُجَرد حماس من قدرتها على منع إعادة إعمار غزة على شكل منطقة منزوعة السلاح، وهو ما فعلته في الماضي. وهذا بدوره يعني جوهريا أنه لن تكون هناك قدرة على شن حروب من غزة، وأن إعادة بناء تلك القدرة لن يكون ممكنا مستقبلا.
يجب الاسترشاد بهدي تلك الصيغة في واقع اليوم التالي لانتهاء حرب غزة. سوف يقتضي ذلك بقاء إسرائيل في القطاع بعد انتهاء القتال إلى حين يمكنها تسليم غزة إلى إدارة مؤقتة من نوع ما، منعا لحدوث فراغ ولبدء مهمة إعادة الإعمار الهائلة. ينبغي أن يدير تلك الإدارة إلى حد كبير تكنوقراط فلسطينيون –من غزة والضفة الغربية أو الشتات الفلسطيني –تحت مظلة دولية تضم دولا عربية وغير عربية. وسوف يتوجب على الولايات المتحدة تعبئة الجهود وتنظيمها، ربما باستخدام مظلة مثل الأمم المتحدة، أو لجنة تنسيق خاصة من مجموعة الدول المانحة للفلسطينيين، أو حتى العمل بموجب اقتراح الرئيس الفرنسي إيمانول ماكرون القاضي باستخدام التحالف الدولي ضد داعش لمحاربة حماس. ولا شك أن مثل هذا التحالف قد يساعد في إيجاد التقسيم الضروري للعمل في المستقبل.
يمكن أن تقدم المغرب ومصر والإمارات العربية المتحدة والبحرين، مثلا، قوة شرطة –لا قوى عسكرية –لضمان أمن الإدارة المدنية الجديدة والمسؤولين عن إعادة الإعمار. ويمكن أن تقدم العربية السعودية والإمارات وقطر القسم الأكبر من تمويل إعادة الإعمار، مع تبرير أدوارها بأنها ضرورية للتخفيف من معاناة الفلسطينيين في غزة ومساعدتهم على التعافي. ويمكن أن تقدم كندا ودول أخرى آليات الرقابة لضمان أن تذهب المساعدات إلى الجهات المعنية.
بالطبع، سيكون المزاج في غزة مريرا وغاضبا بعد انتهاء القتال. تقول وزارة الصحة التي تديرها حماس في غزة اليوم إن آلاف المدنيين قتلوا، وإن مساحات واسعة من القطاع لم تعد صالحة للسكن. لكن من الجدير ذكره أن استطلاعات الرأي التي لم تؤخذ قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر بكثير أشارت إلى أن 62% من سكان غزة كانوا آنذاك ضد خرق حماس وقف إطلاق النار مع إسرائيل. إن إيصال المساعدات إلى غزة بسرعة وبدء جهود إعادة الإعمار في أقرب وقت ممكن بعد انتهاء القتال قد يساعدان في توعية سكان القطاع بأن الحياة يمكن أن تتحسن عندما لا تعود حماس قادرة على منع إعادة إعمار غزة.
إن كيفية قيام إسرائيل بحرب برية سوف يؤثر في كل هذا، بل سيؤثر حتى في إمكانية قيام واقع كهذا في اليوم التالي لانتهاء الحرب. ما يتعين على إسرائيل فعله، كي تخفف ضغط جيرانها وضغط المجتمع الدولي الذي يطالبها بوقف هجومها البري، هو أن تُظهر بطريقة أكثر إقناعا أنها تحارب حماس، لا أنها تعاقب المدنيين الفلسطينيين. ويتوجب عليها فتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، بما في ذلك مساعدات من الأراضي الإسرائيلية عبر معبر كرم أبو سالم. كما ينبغي عليها تخفيف معاناة الفلسطينيين بالسماح للمنظمات والجماعات الدولية، مثل أطباء بلا حدود، بالعمل بأمان في غزة، وضم أطباء إسرائيليين يستطيعون إقامة مشافي ميدانية –وهي أمور تتوفر لمنظمة أطباء بلا حدود خبرة فيها بعد عملها في سورية وأوكرانيا.
يتعين على قادة إسرائيل السياسيين أيضا التأكيد بشكل علني وصريح أنهم سيغادرون غزة، ويفكون الحصار عنها بعد هزيمة حماس عسكريا ونزع سلاحها. وعليهم الإعلان أنهم يتفهمون ضرورة التوصل إلى حل سياسي مع الفلسطينيين عموما. تلك ليست الرسالة التي ينقلها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حاليا، نظرا للصدمة التي عاشتها إسرائيل ونظرا لتركيبة حكومته، لكنها الرسالة التي يحتاج شركاء إسرائيل في المنطقة سماعها –وسماعها قريبا.
ليس ثمة حلول سهلة لغزة، لكن ثمة سبيلا واحدا للتقدم إلى الأمام في هذه الحرب. إن أي مآل يترك حماس في موقع السلطة والسيطرة لا يحكم بالهلاك على غزة وحدها بل أيضا على قسم كبير من باقي الشرق الأوسط.



