ربما يبدو مفهوم التغير بالمعنى الأنثروبولوجي مشاكساً ومرفوضاً ولكن عمقه مستند إلى الميدان، إذ يرى أن أي تغيير يحدث إنما هو استدعاء للنسق الثقافي القديم بطريقة جديدة. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن من يدعون للتغيير لا يدركون أن الثبات والسكونية بالمعنى الأنثروبولوجي إنما تقدم وظائف لا حصر لها لأبناء تلك المجتمعات، ولعل دراسة مارفن هارس خير دليل على ذلك الأمر من خلال كون ثبوتية النسق الثقافي الاقتصادي الهندي يقدم وظائف هائلة لأبنائه.
وعلى وفق ذلك لا يمكن أن نحدد اختيارات الأفراد على نحو موجه، وذلك لأن الفهم الانثروبولوجي للإسلام يقول إن هنالك (إسلامات) وليس إسلاماً واحداً، وأنها كلها تقدم وظائف ثقافية واجتماعية بحسب تنوع البيئات.
هذه المقالة تجادل في أن الإسلام (التقاليد الخطابية) ممكن أن يتحول إلى مادة أيديولوجية مادام هنالك تعبئة جماهيرية ومصالح خاصة لفئة محددة تقتضيها ظروف راهنية لديها في حينها. ولهذا سيكون (الإسلام السياسي والإسلام الليبرالي) ضمن دائرة (المؤدلجين) مقابل ذلك فإن التصوف هو إسلام عقدي لأن السياسة من آخر العناصر الممارسة فيه.
إن هذه المقالة تسعى لأن تفتح الأفق المعرفي إزاء رؤية استشرافية لمآلات الصراعات الثقافية والاجتماعية بين الخطابات الإسلامية، بلحاظ إن الإسلامي الفقهي ممثلاً (بمؤسسة الفقاهة) مازال يمتلك قابلية توجيه على الجمهور الأكبر وتقديم نفسه بوصفه الإسلام القويم.
يرتكز المقال على رؤيتين أساسيتين أحداهما للأنثروبولوجست (طلال أسد) والأخرى للأنثروبولوجست (ديل أيكلمان): إذ نتبنى في الرؤية الأولى: منظور (طلال أسد) في هذا السياق، الذي ينظر للإسلام بوصفه: تقليد خطابي يتضمن النصين المؤسسين: القرآن والحديث، ويربط نفسه بهما. ويمتلك هذا (التقليد) المتنوع ماضياً ترتبط تفاصيله مع الظروف والممارسات والمؤسسات الحاضرة ويُرشد المسلمين إلى مقاصد الممارسات الدينية وإلى أدائها القويم. فتقليد خطابي إسلامي ما… هو بذلك نمط اشتباك خطابي مع النصوص المقدسة، وأحد مفاعيله هو خلق حساسيّات وإمكانات متجسدة (من العقل والشعور والإرادة) تكوِّن بدورها شروطا لإعادة إنتاج هذا التقليد.

ورأيه الآخر حول الحداثة والتجديد إذ يقول: إن الأنثروبولوجيين الذين يسعون إلى الوصف، لا إلى الوعظ، ينظرون إلى ذلك التراث في حدوده هو حتى عندما تُعيد القوى الحديثة تشكيله. من أجل الموازنة بينه وبين سواه. سيسعون، بتعبير أدق إلى فهم طرق التفكير التي تميز التقاليد المختلفة. وسيحتاج هؤلاء الأنثروبولوجيون إلى كبح نفورهم من تقاليد معينة إن أرادوا فهمها.
فالتغيير بحسب الرؤية الأنثروبولوجية له معنى مختلف عن سائر التخصصات الاجتماعية والإنسانية الأخرى، ولعل خير من فصل هذا الموضوع أكثر الأنثروبولوجست ديل إيكلمان إذ قال بنص تأسيسي مهم: لقد تم توثيق عيوب نظرية التحديث جيداً، وأصبحت محدوديتها واضحة في كل تحليلات العالم الإسلامي. تكمن أهم صعوبات هذه النظرية في التعارض الحاد بين بناءين مصطنعين: (الحداثة) و(التقليد)، وما يترتب على ذلك من سوء فهم لوظائف التقاليد الاجتماعية الراسخة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن إيكلمان يذهب نحو رأي يتداخل واشتغالات مقالنا، إذ يرى أن استحضار الإطار التقليدي يُسهل التغيير التدريجي، وهو يريد بذلك استحضار التقاليد الخطابية للإسلام (النصوص المقدسة)، فهي برأيه تدفع الى إحداث تغيير المجتمع بما يضمن تحقيق وظائف متعددة لإدارة المجتمع، وهو يضرب مثالا بالحركة المهدية في السودان (1844 – 1885)، وبأدوار آية الله الخميني في صياغة الدستور عام 1979.
وتأسيساً على ما تقدم نقول إن هنالك ثلاثة خطابات تستدعي التقاليد الخطابية وتنتج تغييراً تعتقد أنه من داخل هذه التقاليد نفسها:
(1) الخطاب الإسلامي الذي يرى أن الماضي حاكم على الحاضر والمستقبل وأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ومن ثم فإنه يؤسس (ليثرب الجديدة) أمثال (أبو الأعلى المودودي، حسن البنا، سيد قطب، راشد الغنوشي وآخرون)، ومنطلقات هذا الخطاب تتصل بالمسائل الجوهرية الآتية:

- أن نشأة حركات وأحزاب الإسلام السياسي، إنما جاءت إزاء التغيرات الهائلة التي حدثت في مجتمعاتها آنذاك، فهي على وفق ذلك جاءت كرد فعل إزاء هذه التغيرات لأجل مواجهتها والحد منها.
- أنها أرادت تقديم خارطة ثقافية سياسية لمواجهة هذه التغيرات، فجاءت على شكل أيديولوجي، ووجدت أن مواجهة التغيرات إنما ينبغي أن تكون من الأعلى أي عبر الوصول إلى سدة الحكم.
- أن تلك الإرادة الخاصة بالوصول إلى السلطة السياسية استدعى وجود منظومة فكرية تحكم عملها، أي يجب أن تكون هنالك (خارطة إيديولوجية) تقود فكرتهم الجوهرية وهي (حاكمية الله).
فحول المسألة الأولى ننظر إلى تجربة (حركة الاتجاه الإسلامي) والتي أصبح أسمها لاحقاً (حركة النهضة التونسية) بزعامة راشد الغنوشي، والتي تعد امتداداً فكريا لجماعة الإخوان المسلمين. إن ظروف نشأة حركة الاتجاه الإسلامي، ترتبط بعمليات التغريب الثقافي – الفكري الذي مارستهُ الدولة التونسية بعد الاستقلال بزعامة الحبيب بورقيبة. وفي هذا السياق قال الغنوشي: …، في ضوء كل ذلك كانت البورقيبية، في ذلك الوقت، تعني بالنسبة لي، على الصعيد الأخلاقي، الميوعة، والفساد، وعلى الصعيد العقائدي الكفر والإلحاد، وعلى الصعيد السياسي الديكتاتورية والتذيل للغرب، وعلى الصعيد الحضاري تدمير كل ما توارثناه عن آبائنا وأجدادنا، ومن هنا إن وقع ذلك على نفسي كان أشد من وقع الاستعمار نفسه …
وهكذا نعثر في أدبياتهم على الكثير من النصوص والمؤلفات التي نجمت عن إشكالية التغيير التي تسمى عندهم بنظرية العمل الإسلامي والتي يصوغونها في التساؤلات التالية: ما هو الطريق أو السبيل لقيام دولة ومجتمع إسلامي؟ هل من فوق وبانقلاب مسلح ينتهي بالاستيلاء على الدولة لكي يتم انطلاقاً من ذلك الإمساك بها وأسلمة المجتمع؟ أم من تحت بالمشاركة في العمل السياسي الجماهيري عبر المؤسسات والانتخابات؟ أم عبر برامج التربية والتدرج على شكل مراحل، عن دون تعجل وبنفس طويل، وهذا قد يتطلب أجيالاً؟ إن هذه التساؤلات تلخص الإشكالية المركزية المهيمنة على الخطاب السياسي الإسلامي بمختلف تنظيماته وبعدة مجتمعات.

إن السعي للوصول إلى ( يثرب الجديدة ) كما أسماها محمد جمال باروت لديهم والتي (هي انتقال من الأفق الواقعي المأزوم إلى الأفق المثالي المطلوب) كانت محكومة بين اتجاهين إسلاميين، اتجاه يعد نفسه معتدلاً ومرناً، واتجاه يؤمن بالجهادية للوصول الى الحكم، الاتجاه الأول ركز على تطبيق الشريعة الإسلامية، أما الاتجاه الثاني فقد نادى (بالحاكمية لله)، وإذا كان الاتجاه الأول يمكن أن يعمل تحت مظلة اللعبة الديمقراطية والانتخابات لأجل الوصول إلى السلطة، فإن الاتجاه الثاني يجد أن الديمقراطية لعبة غربية – مخادعة ومنافية لـ (حاكمية الله) المطلقة؛ ولقد ترتب على هذين الاتجاهين خطابان متناقضان لمفهوم التغيير المنشود وبأية آلية، فإذا كان الأول يميل للطرق السلمية التداولية للسلطة، فإن الثاني كان يميل إلى استخدام العنف، وهذا ما تجسد في الحركات الجهادية التي خرجت من عباءة الإخوان المسلمين في مصر وفي عدة بلدان أخرى. وتمسكت بأطروحات سيد قطب الشهيرة في كتابه الحركي المعتمد لديهم (معالم في الطريق) والذي استهلكت مقولاته بنحو فج وأبرزها قوله:
(إن المجتمعات القائمة كلها مجتمعات جاهلية وغير إسلامية،……، وأنه ينبغي التصريح بلا وجل أن الإسلام لا علاقة له بما يجري في الأرض كلها اليوم، لأن الحاكمية ليست له)

في ثنايا ذلك كله ربما بدت ملاحظات هاني فحص أكثر عملية لفهم أن مفهوم الدولة في السلطة إنما قام على قضية جوهرية لا يدركها الكثير من الإسلاميين وهي: أن الإسلام لم يقترح شكلا نهائيا للدولة، وترك الباب مفتوحا لكل الاجتهادات الفقهية المتاحة، الإسلام أدرك أن تغير الوعي الجمعي للمجتمع سيسهم في إعادة تشكيل الوعاء السياسي (شكل الدولة) الذي يريده.
(2) ثم يظهر الخطاب الحداثوي التجديدي الذي يعتقد أن الحاضر حاكم على الماضي عبر التأويل المعاصر لتلك التقاليد الخطابية ومن ثم فهو يؤسس دعواه على استعارات ثقافية للتجديد ولهذا فهو مرهون بـ(عقدة الخواجة) أمثال (محمد الطالبي، مهدي بزركان، هاشم صالح، محمد أركون، عبد المجيد الشرفي وآخرون).

والأمر الجوهري الذي ينبغي لفت النظر إليه هنا أن الإسلام الليبرالي ما هو إلا قراءة حداثية للإسلام؛ ظهرت بعد التحدي الغربي ومشاريعه الثقافية المتعددة، وبعد فشل مشروع النهضة في العالم الإسلامي، واعتمد التأويل في قراءة (النصوص المقدسة) لأجل الانطلاق نحو فضاء (الحرية الفردية) أو (الحرية الدينية) من دون وصاية سدنة (الإسلام الفقهي) بحسب دعواه، ومرتكزه الرئيس استعارة أدوات ومفهومات ومنظورات التجديد الديني من الغرب لأجل إحداث التغييرات التي يعتقد بضرورة وجودها في العالم الإسلامي.
تأسيساً على ما تقدم، نذهب للقول إن خصوصية مصطلح (الإسلام الليبرالي) تشترط تعاملاً خاصاً وحذراً، حتى لا يكون مطابقة أو مماثلة كلية مع توجهات (المركزية الغربية)، ونظرتها الخاصة بـ (الإسلام)، ولكن هل نجح الباحثون والمفكرون المسلمون الذين ينتمون الى هذا الحقل الجديد أن يكونوا بعيدين عن تلك المركزية والاستعارات المستمرة منها؟ وهل نجحوا في التخلص من تلك العقدة الفكرية (تقدم الغرب الساحر وضرورة تقليده والاحتذاء به)، تلك العقدة التي نصطلح عليها بـ (عقدة الخواجة)؟
إنهُ يمثل إسلاما تقدميا بحسب قول أحد الباحثين، الذي وجد أنهُ اصطلاح بديل عن (الإسلام الليبرالي) الذي به حمولات سلبية، ولكن الجوهر والاشتغال هو واحد بالنسبة له إذ يقول: والمهم أن الإسلام (التقدمي) ليس أيديولوجية جاهزة، أو عقيدة معيارية شائعة، أو حركة أو مجموعة من المبادئ، …، وليس مذهباً فكرياً، لأنه أكثر من مجرد نظرية منهجية لتفسير الشريعة، والعقيدة، والأخلاق، والسياسية الإسلامية. إن نظرة المسلمين التقدميين الى العالم مؤسسة على أكثر من مجرد: هوية، ونصوص، وممارسات، وتاريخ.
فـ (محمد الطالبي) على سبيل المثال تعني الحقيقة الليبرالية الدينية بنظره في الأساس الحق في أن يقرر المرء لنفسه، من دون أي نوع من أنواع الضغط عليه أو تخويفه أو ترهيبه، وهي الحق بأن تؤمن أو لا تؤمن، وكذلك الحق في أن يقرر المرء مصيره بوعي كامل منه. وبالطبع، الحق في أن يتخلص المرء من الأساطير الموجودة في العصور المظلمة، ناهيك عن أنها الحق في أن يعتقد المرء الدين بإرادته، وأن يقيم الشعائر وينطق الشهادتين بحرية تامة.

وفي السياق نفسه وجدَ المفكر الإيراني مهدي بازركان (1907 – 1995) في التأويل العصري للقرآن، أن الليبرالية التي يبحث عنها موجودة في القرآن ذاته من دون آثارها (الجانبية، السلبية). وهو يسعى للبحث عن الحرية الدينية وكيف تقترن بالتجربة الذاتية / الفردية، وهذا يعني أنه يقدم فهماً جديداً للدين يتلاءم وجملة التغيرات المتدفقة في العالم وعلى عدة مستويات ومن دون وصاية لأحد على أحد.
(3) ثم يأتي الخطاب الإسلامي الذي يرى أن الماضي والمستقبل مرهون بالحاضر وبالراهنية الإصلاحية، فالإصلاح لديه ليس باستدعاء النموذج الماضوي ولا بالاستعارات الثقافية من الغرب لأن فكرته قائمة على استمرارية التجربة الدينية ومحورهم الرئيس (إصلاح الذات مقدمة لإصلاح المجتمع) أو (أن هندسة الباطن مقدمة للهندسة الاجتماعية الشاملة).
إن المتصوفة في كل أنحاء العالم لديهم تصور موحد بعض الشيء حول مسألة مواجهة التغيرات التي تحدث أو الإسهام في أحداثها، إذ هم ينطلقون من منظور ثابت أشبه بالمعادلة وهو أن إصلاح الباطن الروحي مقدمة جوهرية لإصلاح المجتمع وإحداث التغيير الأفضل فيه وهذا المعنى التقطه المفكر والمتصوف الباكستاني ( محمد إقبال ) الذي أدرك أن الزمن المسؤول عن إحداث كافة التغيرات ليس عنصراً خارجياً عن الدين، ولكنه يمثل نسيجاً له، وأن الزمن ليس اختباراً ينبغي أن يتغلب عليه الدين، أو ليس على الزمن وحده، أو الزمن في المقام الأول، ولكنه يشكل حركته الذاتية، فالزمن هو الله، وبعبارة أخرى، فإن الاستجابة لتحدي الأزمنة المتغيرة، وللحفاظ على قصد الدين وديناميكية التحررية وفقاً لمتطلبات اليوم.

لقد كان إقبال يسعى للعثور على المعنى الكامن خلف الصورة التقليدية التي تنطوي على فكرة الخلق، كفعل تام أنشأ الله به العالم دفعة واحدة بقوله (كن)، فوجد أن الله دائماً في شأن إنشاء الأفعال التي لا تنفد، والعالم المنبثق عن هذه الأفعال هو عالم في حركة دائبة ومستمرة، ولهذا يشير إقبال في كتاباته إلى أن الكون ليس: كوناً مغلقاً، وليس منتجاً نهائياً، وثابتاً غير قابل للتغير، ثم يضيف عبارته التي تبدو في ثوبها النثري مستلمة من ذائقته الشعرية، قائلاً: فربما ينطوي في كينونته الجوانية على حلم بميلاد جديد. إن إقبال يتغنى في شعره الذي هو أسمى تعبير عن فلسفته، بالزمن الدنيوي للخلق المستمر، لما هو حي، في مقابل الزمن السماوي المتطابق، حيث يعود كل شيء دائماً إلى الشيء نفسه، والحياة الحقيقية، التي لا يمكن أن يؤثر فيها الموت، هي اختلاق وتجدد على الدوام، وليست تكراراً وتطابقاً.
بطبيعة الحال أن إقبال وهو يقدم مشروعه الإصلاحي والتفسيري هذا إنما هو يستند في حقيقة الأمر على خصوصية تجربة المتصوف التي يعدها استمرارا للنبوة، فالمتصوف بنظره هو الوحيد القادر على إحداث تغيير ديني متوازن ولهذا قال: فكرة انتهاء النبوة تنزع العصمة عن فكرة تتدثر بالغيب وتخضعها للخبرة والتجربة. إن التصوف هو التجلي الأخير لاستئناف مدرسة الشعور بجوار مدرسة العقل بعد انتهاء النبوة.

ملكيان يعتقد أن جميع المجتمعات كابدت مشكلات اجتماعية عديدة، وهذه المشكلات طالت مؤسسات متنوعة، ولأجل إصلاح المجتمع كانت هناك ضرورة لحل هذه المشكلات والوقوف على جذورها؛ وهو يعتقد أن جذورها تتجلى في الإشكالات الناجمة عن (مصادر الطبيعة) حجم الموارد وتوزيعها وحسن إدارتها … الخ. وعن (التخطيط الاجتماعي) إذ يرى أن المتخصصين ليسوا هم من يقومون بعملية التخطيط في كل المؤسسات، ولهذا تهدر الثروات الطبيعة وتذهب سدى، أما العامل الثالث برأيه فهو (السلطة السياسية) فسوء إدارة السلطة السياسية لبلد ما، هو المسؤول مسؤولية مباشرة، لكون هؤلاء السياسويين يؤمنون مصالحهم الشخصية فحسب، ومن ثم فإن المواطن العادي لا يملك أدوات الإصلاح المباشرة لذلك إلا بالنزر اليسير.
ولكن هذه العوامل برأي ملكيان ليست هي الأهم في عملية التغيير أو في إحداث المشكلات، إذ هو يرى في العامل الرابع أنهُ حجر الزاوية الرئيس والعامل الأساسي المؤثر في بقية العوامل وهو (الثقافة) وهو يتحدث هنا عن (الثقافة الفردية) التي توجه الفاعلين الاجتماعيين في وسطهم الحياتي، فهو يعد الثقافة العنصر الموجه لبقية العوامل، وإن صلحت صلحت الحياة برمتها، بل هو يراهن عليها كلياً. وبهذا الصدد قال: حتى لو مارس الفرد دوره وإسهامه في تحسين الأوضاع والحياة الاجتماعية وكانت العوامل الثلاث المذكورة منتظمة ومؤمنة تماماً فهناك عامل رابع هو ثقافة كل واحد من أبناء الإنسانية، يمكنه أن يخلق عقبات وعراقيل في هذا الطريق.
وبحسب رأيه أن تعاليم الأديان والمذاهب والطرق العرفانية في كل العالم تعتبر تحسين الثقافة الفردية هو أهم عوامل الإصلاح الاجتماعي. على سبيل المثال جاء في القرآن: ((إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) (الرعد: 11). لقد نسب الله الخارج لنفسه والداخل للفرد، …،. القصد هو أن الخارج ليس تحت تصرف الفرد، إنما يمتلك الفردُ أجواءه الداخلية. وهذا يعني تقدم التغييرات النفسية والداخلية والباطنية على التغيرات الآفاقية والخارجية والظاهرية. إذا تحقق هذا التغير الداخلي في معظم أفراد المجتمع فسوف يحصل التغيير الخارجي لغالبية المجتمع. وهذه من التعاليم المشتركة بين الأديان والمسالك العرفانية والصوفية في العالم. (في بهغودغيتا) مثلاً، وهو أهم نصوص الدين الهندوسي، من المضامين التي تكرر دائماً الفكرة القائلة (غير داخلك وسيتغير الخارج).
وعليه فإن تعدد الخطابات داخل الاسلام إنما يعبر عن تعدد المنظور الثقافي الذي يتعامل مع مسألة إحداث التغيير داخل المجتمع، وبهذا النحو فكل الأصوات بحسب المنظور الأنثروبولوجي الخاص ب(التقاليد الخطابية) إنما يمثل الوجوه المتعددة للإسلام وبهذه الصيغة يكون الكثير من الأنثروبولوجيين إنما يتحدثون عن (إسلامات) داخل كل مجتمع إسلامي.




احسنت دكتور مقال مهم في تحليل المجتمعات الإسلامية ووجهات النظر المختلفة حول رؤية الدين وراهنيته المعاصرة في معالجة الإصلاح من خلال التغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي .