ياسين الشيخ[[1]]
ترجمة التحرير
“أمريكا هي شيء يمكنك تحريكه بسهولة شديدة، ودفعه في الاتجاه الصحيح”.
كانت هذه هي الكلمات التي قالها رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، والمواطن الإسرائيلي حينئذ (كان خارج المنصب الرسمي في تلك اللحظة)، في عام 2001، لجمع داخل مستوطنة عوفرا شمال الضفة الغربية، والتقطها ميكروفون مفتوح (ميكروفون قيد التشغيل دون إدراك من المتحدث أن كلامه يتم نقله وتسجليه). بعد عقدين من الزمن، يبدو أن رئيس الوزراء كان على حق – الرأي العام الأمريكي قابل للتحرك، ولكن ليس بالضبط بالطريقة التي كان يعتقدها؛ فاستطلاعات الرأي على مدى السنوات القليلة الماضية تشير إلى أن الدعم الأمريكي لإسرائيل في انخفاض مستمر، في حين أن التعاطف مع الفلسطينيين آخذ في الارتفاع لدى الأمريكيين.
جزء من هذا يعود إلى أن إسرائيل، التي كانت ذات يوم قضية مشتركة بين الحزبين، أصبحت الآن مرتبطة بقوة بالتيار اليميني. وبعد سنوات من الافتتان المتبادل بين الحزب الجمهوري الأمريكي وحزب الليكود الإسرائيلي اليميني المتطرف توجت هذه الصلة بقرار إدارة ترامب -المدان دوليًا- بنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى مدينة القدس المتنازع على السيادة عليها. في المقابل، أدى الصعود الأخير للجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي إلى ظهور سياسيين مثل النائبة رشيدة طليب وبراميلا دجيابال، وكلاهما على استعداد لانتقاد طبيعة الدولة الإسرائيلية جهرًا.
لا تزال الإكراهات القديمة موجودة، كما يتضح من تراجع دجيابال بعد وصفها الأخير لإسرائيل كدولة عنصرية. لكن الأمريكيين أكثر من أي وقت مضى، وخاصة بين أوساط الشباب، يشاركون تقييم دجيابال لإسرائيل. وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب في مارس\ آذار واستطلاع أجرته جامعة ماريلاند في أبريل\ نيسان، على التوالي، أن الديمقراطيين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع الإسرائيليين، وأن أكثر من خُمس الديمقراطيين ينظرون إلى إسرائيل على أنها “دولة ذات فصل عنصري شبيه بـ”الأبارتهايد” (الأبارتايد أو الأبارتهايد هو نظام الفصل العنصري الذي حكمت من خلاله الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا من عام 1948 حتى تسعينات القرن الماضي). وقد وجد معهد الانتخابات اليهودي أن ما يقرب من 35 في المائة من اليهود الأمريكيين وافقوا على أن “معاملة إسرائيل للفلسطينيين، مماثلة للمسألة العنصرية في الولايات المتحدة”.
المحللون وكتاب الأعمدة الصحفية حريصون على الاتفاق على أن رئاسة نتنياهو للوزراء التي تعاقبت على مدى العقود الثلاثة الماضية قد لعبت دورًا رئيسيًا في خيبة أمل الأمريكيين. منذ عام 1996، خدم نتنياهو أكثر من 15 عامًا كرئيس للوزراء في ثلاث فترات غير متتالية. فترة ولايته الأطول استمرت من 2009 إلى 2021، وشهدت اشتباكه علنًا مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، ثم احتضانه لخليفته في المنصب اليميني المتطرف دونالد ترامب. ويترأس بيبي اليوم أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل.
ومع ذلك، فمن الخطأ إرجاع التحول في الرأي العام إلى علاقة نتنياهو المتوترة مع أوباما أو علاقة حبه مع ترامب، في حين أن وجود نتنياهو في الوعي العام قد ساعد في دفع قضية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى داخل الاستقطاب الحزبي. تشير البيانات إلى أن هذا الانخفاض الحاد في الدعم لإسرائيل لا يمكن أن يُعزى حصرًا إلى فرد واحد فقط. فقد أظهر استطلاع معهد جالوب على وجه الخصوص- الذي تم إجراؤه بالكامل خلال شهر فبراير\ شباط- أن هناك تحولًا في الرأي العام سجل حوالي 11 نقطة تقريبًا، في الأشهر الـ 12 الماضية فقط. هذا جدير بالملاحظة لأن نتنياهو عاد إلى منصبه فقط في ديسمبر\ كانون الأول من العام الماضي، مما يشير إلى أن حكومة التغيير بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد (بالتناوب) لم تفعل شيئًا يذكر لتحسين صورة الدولة الإسرائيلية في عيون الناخبين الديمقراطيين في الولايات المتحدة.
إلى جانب الاستقطاب المتزايد على امتداد خطوط الانقسام الحزبي، الذي توضحه استطلاعات الرأي المختلفة منذ مايو\ أيار 2021، هناك أيضًا انقسام كبير بين الأجيال. ففي حين أن استطلاع جيل طفرة المواليد (مواليد الفترة بين 1946 و1964) والجيل إكس (مواليد الفترة بين 1965 و1980) أكثر تعاطفا مع الإسرائيليين، كان جيل الألفية يتجه إلى دعم الفلسطينيين. وقد وجدت استطلاعات رأي جالوب أن “جيل الألفية الآن منقسم مناصفًة”، حيث يتعاطف 42٪ مع الفلسطينيين بشكل أكبر، بينما يتعاطف 40٪ مع الإسرائيليين. وتأتي هذه الإحصائيات في وقت أصبحت فيه إسرائيل أكثر اندماجًا في المنطقة من أي وقت مضى، مع تلاشي فكرة وجود إسرائيل محاطة بالأعداء، حيث تقوم دول مثل الإمارات العربية المتحدة والسودان بتطبيع العلاقات وتعميق التعاون عبر اتفاقيات أبراهام. في المقابل، فإن الفلسطينيين أبعد ما يكون عن إنهاء الاحتلال عما كانوا عليه قبل الانتفاضة الأولى في الثمانينيات، ومع اقتراب ضم رسمي (للضفة الغربية) في الأفق، أصبح من الصعب تجاهل الفجوة المتزايدة في القوة.
حتى بين المسيحيين الإنجيليين، فإن الدعم لإسرائيل آخذ في التراجع. على مدى ثلاث سنوات فقط، من 2018 إلى 2021، انخفض الدعم لإسرائيل بين الشباب الإنجيليين من 69٪ إلى 33٪. ويختلف المسيحيون الأصغر سنًا، وهم عمومًا أكثر تنوعًا عرقيًا ويدركون الصفات المدمرة أخلاقياً لشخصيات مثل ترامب، عن الفئات العمرية الأكبر سنًا منهم، في قضايا مثل الهجرة وتغير المناخ، وآراؤهم في هذا السياق بشأن إسرائيل ليست استثناء.
الغضب العام من المجتمع الدولي ردًا على مقتل شيرين أبو عاقلة على يد الجيش الإسرائيلي، والخلاف كذلك بين دولة إسرائيل وسكان حي الشيخ جراح الفلسطينيين المقدسيين، كانا أيضًا من العوامل التي ساهمت بشكل كبير في تلك التحولات في وجهات النظر. ففي الولايات المتحدة، لا يوافق ما يقرب من نصف جميع الديمقراطيين الذين تقل أعمارهم عن 34 عامًا على طريقة تعامل الرئيس بايدن مع أزمة إسرائيل وغزة في عام 2021. ويواصل العديد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين، بقيادة السناتور كريس فان هولين، المطالبة بردود في أعقاب قرار إسرائيل عدم محاكمة الجنود المسؤولين عن مقتل أبو عاقلة. في الحالة الأخيرة، ألهم التمييز المنهجي والتهجير المدعوم من الدولة ضد الفلسطينيين الناشطين السود في جميع أنحاء الولايات المتحدة لعقد مقارنات بين حركة “حياة السود مهمة” (Black Lives Matter) وقضية التحرر الفلسطينية.
يعكس هذا النهج الأكثر تقاطعًا(تقاطع فكرة التمييز العنصري ضد الفلسطينيين في إسرائيل والتمييز العنصري في أمريكا) الوعي المتزايد بماهية الحياة تحت الاحتلال، خاصة بعد مقتل إياد الحلاق، وهو فلسطيني مصاب بالتوحد، على يد الشرطة الإسرائيلية في الأسبوع نفسه الذي قُتل فيه جورج فلويد في الولايات المتحدة. وقد تسببت أوجه التشابه الصارخة في الوحشية والقهر في اندلاع جدال بين اليهود حول كيفية التعامل مع الحقوق المدنية في أمريكا وإسرائيل وفلسطين، حيث ربط المزيد من الناس في كلا المنطقتين بين ما يجري هنا وهناك. وعلى عكس حالة جورج فلويد، فقد تمت تبرئة الشرطي الذي قتل إياد من جميع التهم، مما جدد الغضب واليأس من الافتقار المنهجي للمساءلة والمحاسبة. ومع الدور البارز لوسائل التواصل الاجتماعي، وجد المزيد من النشطاء في حركات العدالة الاجتماعية أنفسهم معرضين إلى الظروف نفسها التي يواجهها الفلسطينيون بسبب احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية وغزة.
وقد أدى صعود الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي إلى تعزيز المنظور الفلسطيني في السياسة الأمريكية. ففي عام 2018، شهدت الولايات المتحدة انتخاب أول امرأتين مسلمتين في مجلس النواب. ومن بين هؤلاء رشيدة طليب، وهي فلسطينية تعيش جدتها تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي. وقد ساعد دعم طليب الصريح لتقرير المصير للفلسطينيين على تسهيل توجه جديد داخل السياسة الديمقراطية ينشق عن الإجماع السائد المتجاوز للانقسام بين الحزبين الذي يروج له بايدن وبقية الحزب الديمقراطي.
أشار المحلل السياسي آبي سيلبرشتاين إلى أن طليب لم تعد وحدها التي تدعم حق تقرير المصير للفلسطينيين. ففي حين أن إحياء ذكرى النكبة في السنوات الماضية – تهجير الفلسطينيين بسبب إنشاء دولة إسرائيل في عام 1948 – كان من المحرمات تمامًا في مبنى الكابيتول هيل (الكونجرس الأمريكي)، استضاف في المقابل السناتور اليهودي بيرني ساندرز يوم النكبة فاعلية في غرفة استماع بمجلس الشيوخ، وقد شهدت هذه الفاعلية أيضًا حضور عضو الكونغرس الأسود البارز كوري بوش. وقد بدأت المنظمات التقدمية داخل المجتمع اليهودي الأمريكي، مثل صوت اليهود من أجل السلام و”جي ستريت” (J Street) وكذلك المنظمات اليسارية العريضة مثل الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، في اتخاذ مواقف أكثر حدة تجاه إسرائيل، وبالتالي ممارسة ضغط على إجماع الحزب الديمقراطي ودفع بعض الديمقراطيين، حتى المعتدلين مثل بيتي ماكولوم وأندريه كارسون، إلى اعتماد نهج استباقي (دفعهم نحو تبني سياسات داعمة للفلسطينيين بشكل ذاتي، دون حاجة إلى تعرضهم لضغط سياسي لاحقًا من تلك المنظمات).
من المرجح أن يصبح الوضع أكثر إثارة للانقسام؛ فمع وجود حكومة توصف بأنها “فاشية تعاني من رهاب المثليين”، ومع وجود أتباع متشددين لإيديولوجية مائير كاهانا القومية المتطرفة، تتأرجح إسرائيل على حافة الوقوع في هاوية تبني برنامج سياسي يهودي متعصب ومناهض للديمقراطية بشكل علني، مما قد يؤدي إلى صد حتى المؤيدين التقليديين لإسرائيل في الحزب الديمقراطي. ومع استمرار تبلور الاحتلال والضم الفعلي (للضفة الغربية) بقوة الأمر الواقع تحت رعاية وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، من المرجح أن تزداد الانتقادات الموجهة لدور إسرائيل في الصراع القائم على صعيد اتساعه ومدى قسوته، بالنظر خصوصًا إلى التدهور الأخير والسريع في العلاقة بين الحكومة الإسرائيلية والشتات اليهودي في الولايات المتحدة. ومن غير المحتمل أن يتم التراجع عن هذه الإجراءات بسهولة، لاسيما دون ضغط من واشنطن والمجتمع الدولي الأوسع.
في الأشهر الأخيرة، صدمت المذابح التي قادها المستوطنون في قريتي “حوارة” و”ترمسعيا” الفلسطينيتين وعي الأمريكيين من اليهود والعرب وغيرهم. ويشعر الرأي العام في الولايات المتحدة أن الوضع الراهن لعام 2023 هو بشكل أكبر واقع غير عادل تنعدم فيه المساواة داخل الدولة الواحدة أكثر من كونه حربًا معقدة بين دولتين (وهو ما يفيد ضمنًا إلى تحول النظر إلى القضية الفلسطينية كقضية فصل عنصري من منظور حل الدولة الواحدة). اليوم، السردية الفلسطينية عن الرغبة في إنهاء الاحتلال وبعض الترتيبات لتقرير المصير أو المساواة مقنعة للتقدميين. غدًا، ما لم يحدث تغيير جذري في مسار الصراع، فإن هذه السردية ستصبح مقنعة لعدد متزايد من الناس، وربما يمكن تحريك أمريكا في الاتجاه الصحيح.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2023/07/20/americans-palestine-israel-public-opinion-right-wing-politics/




batmanapollo.ru