المتابع للحركة الثقافية والفكرية، والمهتم بالشأن العام في العالم الإسلامي، يلاحظ أن سؤال النهضة كان ولا يزال انشغال الأمة الرئيسي لأكثر من قرنين من الزمان، ورغم الاجتهادات والتضحيات المقدمة قي سبيل ذلك، لا تزال الأمة بحاجة إلى المزيد من الاجتهاد والتضحية، بسبب ما في تلك الجهود المبذولة والتضحيات الكبيرة، من دخن وقصور ذاتي لم تستطع الأمة تجاوزه.
استجابة لهذه الحاجة الملحة، صدر في منتصف السنة الماضية 2021، عن دار جامعة حمد بن خليفة للنشر بدولة قطر، كتاب “سؤال النهضة والحاجة إلى منظور السننية الشاملة”، لمؤلفه المفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث.
الخطوط العريضة للكتاب
يعرض الكاتب الخطوط العريضة لمشروعه الفكري الذي سماه “منظور السننية الشاملة”، الذي اشتغل عليه منذ أكثر من نصف قرن (ص84).
فانطلق من انشغال الأمة بقضية النهضة، ومحاولات التشخيص والمبادرات التنظيرية والعملية، التي حصرها في أربع طروحات وهي:
- طرح الأصوليين الذين تبنوا المعالجة بمنظور تراثي ينطلق من مبدأ أصيل وهو “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”، ولكن عيبه محاولة استنساخ التجارب من غير مراعاة للواقع التاريخي المختلف.
- طرح الحداثيين الذين تتبعوا سنن الحداثة الغربية والعصرنة، واعتبروها المخرج الأمثل لأزمتنا، فانجذبوا إليها وإلى حلولها الشكلية المغرية.
- طرح تلفيقي من الطرحين معا، باقتباس شيء من التراث، وشيء آخر من الحداثة تحت ضغط الواقع الذي لا يرحم، للتغلب على بعض المشكلات.
وأمام هذه الطروحات الثلاثة، يأتي منظور السننية الشاملة، الذي يعرضه الكتاب كطرح تقييمي نقدي فعال، محاولا استدراك ما فات التجارب السابقة، ذلك أن الطروحات الثلاثة السابقة، في مجملها كانت جزئية تنافرية منهكة، قاصرة عن تحقيق المطلوب الذي تبحث عنه الأمة لتحقيق نهضتها “لأن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته”، ومن ثم افترض الكاتب أن يكون هناك طرح رابع مغفول عنه، وهو طرح السننية الشاملة، الذي لا يغفل التراث، ولا يستبعد كل مقررات الحداثة، كما لا يهمل الواقع وتأثيراته في المعادلة.
جذورالمنظور السنني وسؤال النهضة
لقد أسس لهذا المنظور السنني وسؤال النهضة العلامة عبد الرحمن بن خلدون ووضع بذوره الأولى بالمقدمة، وتبعه في ذلك وعمق بعض جوانبه مالك بن نبي في “شروط النهضة”، ولكن غفلة الأمة عن هذا الطرح الأرشد والأوفق، همش ابن خلدون قرونا طويلة، كما همش مالك ابن نبي بعد ذلك عقودا من الزمن (ص25) وبقيت جهود الأمة تتطلع إلى ما يخرجها من هذا الواقع الذي طال أمده، رغم أن الطرح السنني الذي انتهجه ابن خلدون وتبعه ابن نبي هو منهج قرآني أصيل (ص23).
منطلقات المنظور السنني وسؤال النهضة
انطلق منظور السننية الشاملة إذن من هذه البذور التأسيسية التي تستمد أصولها من القرآن الكريم، ثم من تجربتي: عبد الرحمن ابن خلدون –المقدمة- ومالك بن نبي –شروط النهضة- رحمهما الله، باعتبارهما من القلائل الذين بحثوا قضايا الإنسان والمجتمع والحضارة، على خط البحث السنني وقوانين الله في الوجود، وفق مقررات فلسفة التاريخ (ص39، 65، 68، 84، 123)، وكما كان كتاب “شروط النهضة”، امتدادا لمقدمة ابن خلدون، فإن منظور السننية الشاملة امتداد لـ”شروط النهضة”.
“فمنظور السننية الشاملة الذي تقوم عليه هذه الدراسة، يقوم على أربع منظومات سننية كونية كلية متكاملة هي:
- منظومة سنن الوعي الكوني الغائي الشامل، وهو أم منظومات الوعي السنني كلها، ومركز قوتها الضاربة (ص129)
- ومنظومة سنن الوعي الاستخلافي الشامل، الخاص بحركة المدافعة والمداولة الحضارية في مدها وجزرها (ص157)
- ومنظومة سنن الوعي التسخيري الشامل، الخاص بالمسخرات الكونية الموضوعة تحت تصرف الأفراد والمجتمعات لإدارة حركتهم الاستخلافية في الأرض (ص179)
- ومنظومة سنن الوعي الوقائي الشامل، الخاص بوقاية كل دوائر الوعي والحركة السابقة، وحمايتها والمحافظة على منجزاتها” (ص213). وهي القضايا الكبرى التي ينضوي تحتها الكثير من المفردات التي تتشكل منها هذه الكليات.
تعريف منظور السننية الشاملة
وقد عرف الكاتب هذا المنظور بقوله: هو “الرؤية الكونية الكلية المؤسسة على أن الوجودين الكوني والبشري معا، تحكمهما سنن منتظمة مطردة، لا تخرج عن سلطانها أي مفردة كونية، صغيرة كانت أو كبيرة، مادية كانت أم روحية، نفسية كانت أم سلوكية، اجتماعية كانت أم حضارية، فكل شيء في هذا الكون خلقه الله تعالى بقدر موزون، وأودع فيه نظاما ذاتيا ثابتا يحدد وظيفته، ويمكنه من أداء هذه الوظيفة التسخيرية بالكفاءة والفاعلية المطلوبة، والمحافظة على الهوية الذاتية المتميزة بشكل مطرد” (ص116).
وهذه المفردات الكونية والسنن الناظمة لها، لكل منها قانونها الداخلي الخاص بها، والموجه لها، والناظم لعلاقاتها بغيرها من السنن، موزعة على ساحات تسخيرية سننية أربعة وهي: سنن الافاق، وسنن النفس، وسنن الهداية، وسنن التأييد (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت 53]، ولفظة “الحق” الواردة هنا في الآية سواء فهمناها، على أنها الرسول أو الإسلام أو الإيمان، فهي تعبر عن مقررات متعلقة بالغيب تختلف عن مقررات آيات الآفاق والنفس، وهي التي سماها الكاتب سنن الهداية، وسنن التأييد، وتشمل المسائل الإيمانية التي جاء بها الوحي.
- فكلية سنن الآفاق: هي القوانين الناظمة للقضايا الكونية المادية، وهي قوانين محل إجماع اليوم بين البشرية كلها مهما اختلفت مذاهبهم ومعتقداتهم.
- وكلية سنن الأنفس: وهي القوانين المتعلقة بإدارة الحياة الإنسانية وتنظيمها، وهذه أيضا تحكمت البشرية في الكثير من جوانبها، وهي محل اتفاق بين السواد الأعظم من فئات البشر.
- وكلية سنن الهداية: وهي القوانين التي يقررها الوحي، وهي القوانين الناظمة لعلاقة الإنسان بالله واليوم الآخر، وهي أمور غائبة عن الحس، وفيها ضبابية لدى الكثير من الناس، ومع ذلك ينطبق عليها في طبيعتها وحجيتها وسلطانها ما ينطبق على كليتي سنن الآفاق وسنن الأنفس، ولكنها بالنسبة للبشرية ليست بنفس الوضوح الذي لسنن الآفاق والأنفس.
- وكلية سنن التأييد: وهي الخاصة بالتأييد الإلهي للبشر؛ لأن الله هو الخالق وهو الرازق والفعال لما يريد، ومن ثم فإن العطاء والتأييد الإلهي ركن في عملية النشاط البشري، ومن لم يوفق ويهتدي إلى هذا الجانب، لا ينتفع كثيرا مما أنجز، ولذلك شرع الدعاء والتوبة والشكر وتجديد النية…
فكل دورة إنجازية في الفعل الاستخلافي، تتطلب استيعاب هذه الكليات السننية كلها، وإلا اعتراها النقص بقدر ما فيها من التقصير في جانب من جوانب هذه الكليات.
على أن لكل سنة من السنن الناظمة للمفردات السننية في مواقعها من هذه الكليات الأربع أيضا حجيتها وسلطتها النافذة على واقع الكون والإنسان والحياة (ص241، 245). فمن أدرك هذه السنن وتفاصيل نظامها الداخلي، وعلاقاتها بغيرها من السنن –تأثرا وتأثيرا-، وحجيتها وسلطتها على الكون والإنسان والحياة، اهتدى إلى حسن الاستثمار في المسخرات التي ساقها الله للإنسان، وقام بما عليه من مستلزمات الاستخلاف، ومن لم يدرك ذلك أو تنكب له، فلا حظ له من التوفيق والعطاء الإلهي المشروط، إلا بمقدار ما وفر من ذلك الفهم والإدراك والوعي بما تفرض هذه السنن من سلطان على الكون والإنسان والحياة.
يمكن للمنظورات الجزئية أن تحقق بعض الوثبات والقفزات النوعية في جانب أو جوانب من الحياة، ولكن هذه الوثبات بسبب جزئيتها لا تصمد أمام قانون المدافعة والمداولة والابتلاء (ص53)، مثلما هو الحال في نجاحات الحضارة الغربية الجزئية، التي تحكمت في قدر لا بأس به في عالمي المادة والإدارة البشرية والتنظيم، ولكنها أخفقت في عالم الأخلاق وفي ما يتعلق بالدين الذي هو مسألة الكونية، ومن ثم فإن “التحكم في سنن الافاق والانفس على حساب الهداية والتاييد يؤدي الى الاهتلاكية الترفية” (ص62)؛ لأن الدين للإنسان كالجاذبية في الكون (ص75)، ، كما أن محاولة الاقتصار على الاهتمام بسنن الهداية والتأييد على حساب قوانين الآفاق والأنفس، يؤدي إلى الغثائية والتجزيئية والازدواجية التنافرية المنهكة ومن ثم إلى السقوط الحضاري (ص43-44)؛ بل إن اللاسننية تضعف إنسانية الإنسان كما يقول الكاتب (ص61).
إن منظور السننية الشاملة لا يقف عند التعريف بسنن الإنجاز فحسب، وإنما لا بد من أن يكون مصحوبا بوعي بسنن الوقاية (ص213،217)، ذلك أن إنجاز الفعل قد يكون سهلا، ولكن المحافظة عليه تكون أصعب، كما أن النشاط البشري أيضا ليس محكوما بقانون الفعل وعدمه، وإنما هو محاط بقوانين أخرى لها علاقة باختبار الفعل ذاته ومدى صلاحيته وصدقيته، وهي قوانين الابتلاء والمدافعة والمداولة (ص177)، بحيث لا يصمد النشاط الناقص أو المخالف لسنة من سنن الله في الوجود.
ضرورة الانتقال من المنظورات الجزئية إلى المنظور الكلي
كما تقرر الدراسة ضرورة الانتقال من المنظورات الجزئية المنهكة إلى المنظور الكلي وهو منظور السننية الشاملة، إذ لا مبرر للأمية السننية وعدم الوعي بسلطان السنن (ص63)، بحكم أصالة النظر التكاملي ومحورية المنظور السنني ومرجعيته (ص42، 109، 120).
إن الأزمة الحضارية للأمة الإسلامية وكل أزمة، في جوهرها ازمة ثقافية –ضمن الأزمة الحضارية-، والأزمة الثقافية تنتج عن أزمة فكرية (ص71)، والأزمة الفكرية تمثل الوعاء الطبيعي للأمية السننية، التي تثمر التجزيء والتنافر والتنازع والتعصب المذهبي والطائفية…إلخ، ومن هذا الجانب أوتيت الجهود الإصلاحية الكبيرة التي لم تستطع التغلب على الجزئية التنافرية الكبيرة التي أثقلت كاهل الأمة، التي كان على تلك الجهود الكبيرة أن تبدأ بها لتتخلص منها أولا (ص65).
ذلك ان الحركة التغييرية والإصلاحية التي لم تنتبه إلى أهمية هذا الجانب وهو ضرورة الانتباه إلى المنظور السنني الشامل الذي سنبقى نعاني ما لم ننتبه إليه وإلى أهميته، وسنبقى ندفع ثمن مخالفاتها لسنن الله غاليا؛ لأن سنن الله لا تقبل عصيانها ولا تسمح بالتمرد عليها؛ لأن التغيير الذي لا تكون له رؤية وفهم للوجود وقوانينه، ولا يستبعد التجزيء غير المبرر، ولا يستنكر التناقض ولا يوفر الشروط اللازمة لا يتحقق، وإذا تحقق شيء منه لا حظ له في الاستمرار وإن بدا نجاحه في جانب من جوانب الحياة؛ بل إن المجتمعات التي لا تنتج عمرانها تعاني من اضطرابات في علاقتها بالوجود، وبمهمتها في الحياة ومن ثم لا يمكنها أن تساهم في العمران البشري (ص145).
فصول الكتاب وكاتبه وتوصياته
يعرض الكتاب كل ذلك في بابين وتسعة فصول وخاتمة وملاحق، مشبعة بالتقريرات العلمية السننية، والنماذج التطبيقية للكثير من الأفكار الرئيسية لموضوع الكتاب، كل ذلك عُرِض في 315 صفحة.
ولم يكتف الكاتب بعرض ما أراد تبليغه من أفكار وشرحها؛ بل ختم كتابه بتوصيات ومقترحات دراسية وبحثية كبيرة لمواضيع كثيرة ذات صلة، لها علاقة بتعميق الدراسات حول مقدمة ابن خلدون وشروط النهصة واستنهاض الهمم لتطوير منظور السننية الشاملة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدكتور الطيب برغوث، مفكر جزائري مهموم بقضايا أمته، له أكثر من خمسين كتابا كلها تدور حول سؤال النهضة، والمسألة الحضارية، ومنظور السننية الشاملة، ومن هذه الكتب والدراسات وأهمها رسالتي: الماجستير والدكتوراه، الخاصتين بدراسة السيرة النبوية وتحليل الحركة النبوية وفق منظوره السننية الشاملة.
فقد خصص رسالة الماجستير لدراسة “المنهج النبوي في حماية الدعوة ومنجزاتها في المرحلة المكية”، كما خصص رسالة الدكتوراه لدراسة “المنهج النبوي في حماية الدعوة ومنجزاتها في بناء الدولة والمجتمع”، ولعل هاتين الدراسين تشكلان المادة الخام لهذا المشروع الأصيل، الذي يمثل خلاصة مهمة للخبرة النبوية والخبرة التاريخية الإنسانية.



