1. مقدمة
صدر للباحث المغربي الحسن حما سنة 2014 كتاب بعنوان “طقس القربان في الأديان الوضعية والسماوية: دراسة مقارنة في رصد تطور الوعي الثقافي والاجتماعي من خلال المدخل الديني“. يحتوي على 224 صفحة بالقطع الوسط بالفهرس والبيبليوغرافيا. يضم أربعة فصول رئيسية وخاتمة؛ في الفصل الأول يبحث الكاتب في المفاهيم الرئيسة المؤسسة، مثل: المقدس والطقس والقربان والرمز، وما تطرحه هذه المفاهيم من تناقضات بين السياقات المغايرة؛ بين تفسير الديانات التوحيدية والوضعية لهذه المفاهيم، وبين الشرح الذي تقدمه الأنثروبولوجيا. ثم الفصل الثاني حول طقس القربان عند المصريين القدامى؛ يبحث في أنواع القرابين الحيوانية والنباتية لدى المصريين القدامى ومن يحضر هذه الطقوس. ثم الفصل الثالث حول طقس القربان في الديانات الهندوسية، وما تحتويه من تخليد الروح وعقائد التناسخ وتقديس البقر وتقديس نهر الغانج. ثم الفصل الرابع حول طقس القربان في الديانات السماوية؛ بالبحث في طقوس القربان في العهد القديم والجديد والقرآن، ومن الجهات المخول لها الاستفادة من القرابين. ثم خلاصات حول تطور الوعي الاجتماعي والثقافي لدى المجتمعات من خلال المدخل الديني.
ليخلص الباحث من خلال دراسته للتطور الذي عرفه طقس القربان بين الديانات الوضعية والسماوية في الانتقال من العهد القديم إلى العهد الجديد إلى القرآن، ومن خلال توظيفهم لمنهج الهيمنة والتصديق؛ أن القرابين لم تعد كما كانت في السابق تَقدِمة للآلهة وفي بعض الديانات يأكل منها فقط الرهبان وحراس المعابد، بل هي في الإسلام تقدمة للفقراء والمحتاجين.
تهدف قراءتي لكتاب الباحث الحسن حما إلى مقارنة الخلاصات التي توصل إليها بالنظريات الأنثروبولوجية الكبرى المؤسسة لأصل القرابين، التي اعتمدت المنهج الوضعي في تتبع تطور طقس القرابين عبر التاريخ. وأوجه الاختلاف والتشابه بين قراءة ظاهرة القرابين من داخل النص الديني المؤسِس، مع الأخذ بعين الاعتبار التغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي واكبت الظاهرة عبر التاريخ، وبين دراسة ظاهرة القرابين من خارج النص بالاعتماد على العادات والتقاليد وطبائع المجتمعات القديمة.
2. دور الأنثروبولوجيا وعلم الأديان المقارن في فهم ظاهرة القرابين
لقد استطاعت العلوم الحديثة خصوصاً الأنثروبولوجيا وعلم الأديان المقارن تقديم قراءة شاملة للظاهرة الدينية ومنها طقس القربان والنذر. وهو ما يعجز عنه الفقه أو سير الأنبياء، حيث تهتم هذه الأخيرة بسياقات ضيقة وبنصوص مختزلة دون قراءة ذلك في سياقات تاريخية كبرى، ودون ربط النص بالظروف الاجتماعية والثقافية. يهتم علم الأديان المقارن بدراسة الأديان عبر الاهتمام بأكثر من دين بغية اكتشاف حقيقة الأديان وأهدافها وأدوارها ووظائفها وتصنيفاتها؛ فهو ينظر في العقائد ومؤسّسيها وكتبها وتاريخها برصد تطور الأديان من خلال تقديم مقارنة في النصوص وفهم تجليات تغير الظاهرة الدينية والاجتماعية عموماً من خلال النص، وإلى أي حد يتوافق النص مع المجتمعات التي بعث فيها. بينما تعتمد الأنثروبولوجيا الكلاسيكية على دراسة العادات والطبائع وأنماط السلوكات الشعبية والفولكلور والطقوس في مجتمعات عرفت على أنها أولية أو تقليدية.
يختلف منهج الأنثروبولوجيا عن منهج الأديان المقارن في تناول ظاهرة القرابين، ترى الأنثروبولوجيا من خلال الدراسات التي أقيمت على شمال إفريقيا أن الإسلام أدمج هذه الطقوس القديمة واستبطنها؛ يربط إدموند دوتي ذلك بكل ما يصاحب عيد الأضحى بكارنفلات مسخرة، حيث يستمر الاحتفال مدة أربعين يوماً بعد الذبيحة إلى غاية عاشوراء. فدوتي ولاوس يبرهنون على أن الذبائح في الإسلام تتوافق مع ذبائح الديانات الأمازيغية القديمة، فالذبيحة والمسخرة “ليستا سوى استنساخ مقنع جزئياً تحت ستار الإسلام للفعل الديني القديم والمتوسطي للأمازيغ؛ مقتل الاله وبعثته”.[1] يبحث وسترمارك في تاريخ هذه الطقوس فيرى أنها ممتدة في إفريقيا لرومانيا الساتورناليا، وهذه الاحتفالات الامازيغية الرمانية قد تكون أدمجتها الديانة المحمدية. بمعنى تأثير الرومان على الثقافة الأمازيغية. بينما يرجع علم الأديان المقارن من خلال القراءة التي قدمها الباحث الحسن حما أصل القرابين الحيوانية ومنه ذبيحة عيد الأضحى إلى إبراهيم عليه السلام وقصة ذبحه لابنه، وأن النص الديني تطور من العهد القديم إلى القرآن الكريم مراعياً التطور الثقافي والاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات التي جاء فيها.
يتجاوز الباحث الحسن حما الدراسات الوضعانية التي ترى طقس القربان في العهد القديم والعهد الجديد لا يختلف عن القرآن الكريم، والتي ترى أن كل الديانات وضعية ولا يوجد ديانات سماوية. كما أنه يتجاوز أطروحات “الأسلمة” التي ترى أن الإسلام لم يكن له من بالغ أثر على المجتمعات التي دخلها، حيث بقيت هذه الأخيرة محتفظة بدياناتها الوثنية وأن الإسلام كان عرضياً ولم يشكل الجوهر. مثل أطروحة ادوارد وسترمارك التي أقيمت على شمال إفريقيا بعنوان “البقايا الوثنية في الديانة المحمدية”. بل يرى الباحث أن الإسلام أسس لمنهج جديد في التعاطي مع القرابين، وهو منهج اجتماعي وواقعي أكثر منه ميتافيزيقي، حيث إن كانت القرابين في السابق تَقدمة للآلهة وفي بعض الديانات يأكل منها فقط الرهبان وحراس المعابد، فإنها في الإسلام تقدم للفقراء والمحتاجين.
كما يطلعنا الباحث على تراث هائل من المقدس والديني الذي تتقاسمه مجموعة كبيرة من الديانات سواء سماوية أو وضعية، وأهم التحولات التي وقعت على القرابين والمعاني التي كانت تعطى لها والطقوس التي كانت ترافقها.
3. النظريات الكبرى المفسرة لطقس القربان
يبحث الكتاب في مواضيع تعتبر من الطابوهات في العقل الجمعي المسلم، حيث يدرس أضحية العيد وأضحية العقيقة من منطلق المقارنة بين الأديان، فالقربان في الأديان الأخرى سواء الوضعية أو السماوية غائبة في الوعي الاسلامي، ينظر إليها في الغالب أنها لا تشبه الشعائر الإسلامية أو أنها ضعيفة ولا تصح وقد طرأت عليها تغيرات كثيرة. كما يرى المتدين المسلم أن شعائره الدينية منفردة وخالصة جاءت معزولة عن محيطها. ففي التداول الإسلامي يتم اختزال أضحية العيد في قصة إبراهيم كما رسمها القران الكريم وفسرها المفسرون التقليديون، أما مقارنة الشعائر الدينية كالأضحية بطقوس تنتمي للعهد القديم أو الجديد أو طقوس مجتمعات بدائية فإنه يضع المقدس الإسلامي محط مقارنة، وحسب مارسيا إلياد أي مقارنة للمقدس أو مجرد التفكير فيه ومحاولة فهمه فإنه يحوله إلى دنيوي أو مدنس.
هو ما يؤكده عبد الله حمودي من أن “المؤلفات التاريخية العربية لم تنطق بكلمة عن الأعياد المحتفل بها خارج التقويم الإسلامي. وهو نوع من الإدانة لهذه الطقوس”. بمعنى أن الكتابات الإسلامية بقيت محصورة في حدود الأحكام ولم تتجاوزها للبحث التاريخي أو الأنثروبولوجي، فكل بحث تاريخي هو نوع من المقارنة التي تسيء للتقليد والتفرد الإسلامي.كما يوجد في التصور الشائع لدى العامة من المسلمين أن القرابين تدل على التخلف والجاهلية، وأنها في الغالب كانت تقدم للآلهة الزائفة تارة باسم النذر وتارة باسم دفع البلاء وتارة باسم جلب الخير، هذه القرابين كانت إما تحرق بالنار وهي دلالة على القبول، أو يأخذها القساوسة فيستفيدون منها لأنفسهم، حيث يقول تعالى “وجعلوا لله ممّا ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا”، وهي قرابين لا يستفيد منها عامة الشعب. إلا أنه يغيب لدى هؤلاء أننا كمسلون نقدم نوعين من القرابين: أضحية العيد احتفاءً وتقرباً من الحجاج وغيرهم لله تعالى، والعقيقة تقدم عن المولود وهو مرهون بها. لكن ما الفرق بين القرابين التي فرض الإسلام والقرابين الأخرى؟
إن طقوس تقديم القربان والتضحية والنذر بمختلف تعابيرها، وطريقة أدائها، واحدة من الطقوس الدينية التي لها قدم ورسوخ في حياة الإنسان، وتعبر عن رؤية محددة للكون ومنطلقه الديني في التعامل مع الطبيعة وعلاقتها بالآلهة التي تنفع وتضر. لكن مع تطور الانسان واعتماده على نفسه و”إزالة السحر عن العالم” لم يعد لأغلب هذه الطقوس من وظيفة ودور في المعيش اليومي. فإلى أي حد نجح الكاتب في التوفيق بين القراءة النصية من داخل الدين الواحد والقراءة المقارنة للنصوص؟ وإلى أي حد استطاع اعتماد السياق التاريخي والاجتماعي لتطور طقوس القرابين؟
قسم أوجست كونط المجتمعات تاريخياً إلى ثلاث مراحل؛ فالمجتمع الأول حسب كونت كان يستمد كل تفسيراته الاجتماعية من اللاهوت، أما المجتمع الثاني وهو تطور للأول يستمد تفكيك ظواهره الاجتماعية من الميتافيزيقا والعقل المجرد، أما المجتمع الثالث فيكشف عن ظواهره وقوانينه الطبيعية والاجتماعية بالعلم الوضعي والتجربة الأمبريقية، مما يسمح بفهم واستيعاب أوسع لكل الظواهر الاجتماعية. ومنه فالمجتمع الحديث قطع مع الدين في شكله اللاهوتي وخلص إلى أفضل نماذج المجتمع بفضل العلم الوضعي. حيث تم الانتقال من تقديس الغيب والالهة إلى تقديس الانسان نفسه، “إن لَشخصية الانسانية هي الشيء الخليق بالتقديس وإن لها حق التبجيل الذي كان للمؤمنين في كل الأديان يُكِنونه لإلههم، ولقد عبرنا نحن عن هذه البديهية حين جعلنا من فكرة الانسانية غاية وأصلا للوطن”[2].
أ. إميل دوركايم وانبثاق الطقوس الدينية
من أهم الباحثين في الديانات الوضعية عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم من خلال كتابه: “الأشكال الأولية للحياة الدينية les formes élémentaires de la vie religieuse “، حيث يرى أن الدين يتمثل في الطوطمية التي؛ “لا تقوم على هذا أو ذاك من الحيوانات أو البشر أو الصور، وإنما على قوة غامضة ولا شخصية، توجد في كل كائن من هذه الكائنات لكنها لا تختلط بأي منها”[3]. فهي ليست بدين حيوان أو بشر بعينهم أو صور بذاتها، إنما ضرب بقوة مجهولة ولا شخصية، توجد في كل واحد من تلك الكائنات من غير أن تتماهى معها، وإذا أخذنا الكلمة بمعناها الواسع فإنها تشير إلى الإله الذي يعبده كل دين طوطمي. إذن فأصل الدين بالنسبة لرائد المدرسة الوضعية هو المجتمع وما يحمل من تمثلات وممارسات وشعور جماعي حول الاجتماع البشري، ودور الدين هو الحفاظ على النظام العام بما هو قوانين اجتماعية وسياسية تنظم حياة المجتمعات البدائية.
حسب هذه الأطروحة الدوركايمية فإن الطقوس الدينية تتشكل عبر:
- تفاعل جماعة من الأفراد في وقت ومكان معين
- التجمع بغرض الاحتفال خلافاً للأنشطة اليومية المألوفة
- الاحتشاد وحده كفيل بالتأثير في السلوك، حيث يصعب على الفرد أن يسير ضد التيار
- يتعزز المشهد بالنقر على أدوات الإيقاع، فيذوب الفرد وسط المجموع
- ينشأ فوران جمعي يفصل كل فرد تدريجياً عن هويته الذاتية
- ينسلخ الفرد عن شخصيته عبر طقس الأقنعة وطلاء الصباغة، فيتكون وعي جمعي بشكل تدريجي
- يتقوى الوعي الجمعي على الوعي الفردي باستعمال الرموز والطوطم
- يضفي الجمعي المهابة والسمو عبر خلق قواعد وقوانين ذات إكراه وعقاب، قد تتجاوز المكان والزمان، هو ما يصطلح عليه فيما بعد بـ”الدين”.
تظهر القرابين حسب دوركايم في المجتمع الأولي عندما يتقوى الشعور بالتقصير اتجاه الطوطم والشعور بالذنب، وعندما تكثر القواعد والقوانين فتأتي ضرورة الالتزام بالنذر والتضحية اتجاه الطوطم، كنوع من الاعتراف ونوع من دفع الضرر وكشف الأسرار التي تأتي بعد التضحية. كما أن التضحية بحسب دوركايم تقوي الشعور الجمعي وتسمح بإعادة إنتاج نفس الطقوس في زمن ومكان مغاير.
ب. تفسير أصل القرابين لدى رونيه جيرار
تعد أطروحة رونيه جيرار أكثر إحكاماً وانسجاماً، وأكثر توضيحاً وتفصيلاً لمكانة الأضحية والتضحية في الديانات الوضعية، كما يمكن لها أن تفسر قصة التحول في الطقس الإبراهيمي من التضحية الإنسانية إلى التضحية الحيوانية.
يرى رونيه جيرار من خلال كتابه “العنف والمقدس”[4] أن:
- الإنسان كائن راغب يرغب فيما يرغب فيه الآخر
- تتولد لدى الانسان الرغبة المُحاكية؛ حقد على الذات التي لم تلبي رغباتها، وحقد على الآخر الذي يغري التشبُه به
- عند تفاقم الرغبة في تملك ما لدى الآخر يكون الحل هو التضحية الذبائحية بدل العنف المتبادل، حيث تَطابق الرغبات والنزوات يؤدي إلى حرب الكل ضد الكل، فتبتكر الجماعة وسيلة تتعلق بتقديم فرد ضحية بدل الجماعة
- ثم ظهور المحظورات: لا يجوز أن يرتكب الجميع ما ترتكبه الضحية من آثام
- ثم تنشؤ الطقوس: بوجود الرغبة المحاكية والعنف المتبادل لابد من تقديم طقوس ذبائحية، حيث تم تغيير الأضحية بالإنسان من داخل الجماعة بأضحية من خارج الجماعة من أسر الحرب وأصحاب العاهات. ثم تغيير الذبيحة الانسانية بالذبيحة الحيوانية، وذلك لمنع النعرات الداخلية أيضاً
- كل هذا يؤدي إلى ظهور الميثولوجيا: ظهور رموز وقصة وطقوس دينية وأساطير، وانتقال الانسان من حالة الفطرة إلى حالة الثقافة والحضارة.
يمكن رونيه جيرار أن يكون مفيداً في تفسير تحول التضحية بالإنسان التي كانت سائدة حسب بعض الدراسات في المجتمع الابراهيمي وقبله، إلى تغييرها بالذبيحة الحيواني وهو الكبش الذي أنزله الله من السماء فداءً للذبيح إسماعيل. هنا تلتقي الدراسة الأنثروبولوجية مع تفسير النص الديني في تفسيراته اللاهوتية.
هذه القراءة الوضعية لظهور القرابين تخالفها القراءة اللاهوتية التي توظف منهج علم الأديان المقارن التي تنطلق من الديانات السماوية ومن خلال القراءة التي يقدمها النص الديني نفسه، التي ترى أن القرابين فرض إلهي منزل عبر الرسالات للأنبياء والرسل. لكن هذه الأخيرة تغفل جانبا مهما من تطور المجتمعات والأديان، ومن تفاعل الدين مع المحيط الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي جاء فيه. لهذا يحاول الباحث الحسن حما من خلال مقارنة الأديان أن يقدم قراءة موضوعية لتطور القربان في تاريخ المجتمعات من خلال القراءة الدينية للنص المقدس.
4. القراءة اللاهوتية لطقس القربان من منظور علم الأديان المقارن
اعتمد الباحث الحسن حما على المدخل الديني لقراءة الظاهرة الدينية مع مراعاة التطور الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للمجتمعات، والهدف حسب الكاتب هو البحث في المشترك الديني الذي يؤسس للمشترك الإنساني. وهو ما يتيح إمكانية دراسة النصوص على نحو يمهد لدراسة الفكر الديني مع مراعاة فترات التطور الإنساني ثقافياً واقتصادياً واجتماعيا وأدبياً باستيعاب عقلية الشعوب وتطورها. يعني أن المدخل لقراءة الظاهرة هو مدخل ديني. إلا أن أهم ما يلاحظ على الباحثهو قيامه بتقديم قراءة لبعض المجتمعات اليهودية الأولى التي عاشت العهد القديم المؤسس وبين بعض الطقوس الحديثة لليهود، بالجمع بين العهد الأول والعصور المتأخرة، فيتحدث عن بعض الذبائح في فرنسا وانجلترا لجماعات يهودية في القرن 12. ولم يقم بنفس المقارنة على المجتمع الإسلامي، حيث يكتفي بالنص الديني دون النظر في تفاعله مع المجتمعات المختلفة ومجتمع الجاهلية، أو مجتمع اليوم وما يتم تقديمه من قرابين للأولياء والصالحين.
ثم يقوم بمقارنات داخل الديانة نفسها متتبعاً التغيرات التي عرفتها القرابين في فترات مختلفة، يرى مثلا أن اليهود باتخاذهم العجل وقرابين أخرى مادية سببه هو انفتاحه على الديانات الوثنية التي كان تحيط بهم. ثم عندما يتحدث عن الإسلام يرى أنه مصدق ومهيمن من خلال ما جاء به النص الديني دون النظر في تجلياته الاجتماعية. لكن هذه المقارنات من داخل الدين الواحد لا تعبر عن نفس التطور في الوعي البشري، وهو ما يفقد البحث وجود خطاطة محكمة حول تطور القرابين.
كما أن الباحث من خلاله تعريفه بمفاهيم مثل: المقدس، الرمز، القربان، الطقس: حيث يوضح أن وضع المقدس مقابل الدنيوي أو المدنس ليس صحيح دائماً، بل المقدس في اللغة العربية والثقافة الإسلامية يعني المبارك والطاهر. حيث لا تفرق الدراسات الأنثروبولوجية بين الديانات البدائية أو ما يسمى الأولية والديانات التوحيدية. وتفريقه بين ديانات وضعية وثنية وديانات سماوية توحيدية يضعه أمام سؤال التفاضل والجوهرانية والتفرد، وهو ما تحاول الدراسات الأنثروبولوجية تفاديه. كما أنه أغفل جانبا اجتماعيا مهما في التعاطي مع القرابين، حيث طقوس الشعوذة والسحر وتقديم القرابين للأولياء لازال موجودا في المجتمعات التي تدعي أنها توحيدية: هنا قد تفيدنا نظرية ويسترمارك في فهم الموضوع أكثر، بالقول بأسلمة المعتقدات الوثنية وبوجود بقايا وثنية في الديانات المحمدية، لأن الإسلام دخل مجتمعات كانت في السابق وثنية وتفاعل مع معتقداتها وممارساتها الدينية.
ثم استعمل في الأخير منهجية التصديق والهيمنة لدى المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد لتوضيح الانتقال من العهد القديم إلى العهد الجديد للقران بصفته المهيمن، حيث بدأت القرابين مادية ثم تحولت إلى دعاء وصلاة. جاء في الآية الكريمة: “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم“. إلا أن منهج الهيمنة والتصديق لا يخلو هو نفسه من نظرية تطورية، حيث صحح النص القرآني، وهو آخر النصوص، التحريف الذي وجد في الديانات السابقة، “وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه”، وقام باحتواء الشرائع السابقة. فالقراءة البنائية للقرآن لأبي القاسم حاج حمد تعني أن النظر إلى القرآن يجب أن يتم بوصفه يوازي الكون، والرسالة المحمدية هي خاتمة الرسالات لهذا أعطت قيمة كبرى لاستخدام العقل.
كان المشركون يقتلون أولادهم فعوضهم الله بكبش إبراهيم، كما يعني القربان التقرب والشكر لله كباقي العبادات، وهو طعام للفقراء وليس طعام للآلهة. فتم الانتقال من البعد الديني والميتافيزيقي إلى الاجتماعي في الطقس الإسلامي. لقد ارتبط القربان بما هو مادي يعبَّر عنه بالدم والبخار الذي يصعد من المعابد إلى الرب، منطلقاً من التصور الذي رسمه اليهود في قصة القربان الإبراهيمي في الرواية التوراتية، أما الفكر المسيحي فقد بنى عالمه على قصة تجسد المسيح أباً وابناً وروحاً قدساً، صلب ليكفر عن ذنوب الناس. وفي الديانة الاسلامية فإن طقس القربان الذي يعبر عنه بمفهوم التضحية، احتواها النص القرآن بمنهج التصديق والهيمنة.
حاصل القول إن الكاتب اعتمد جانبا من النظرية التطورية كما رسمها حاج حمد في الانتقال من الديانات الأولية أو الوضعية إلى الديانات السماوية إلى الاهتمام بالإنسان والمجتمع وإعطاء الأولوية في القرابين للفقراء والمحتاجين، قريبة من الطرح التطوري الذي قدمه أوجيست كونط. إلا أنه لم يغفل تأثير الغيب في حياة المجتمعات الإنسانية، ولم ينفي دور الميتافيزيقا في تشكيل الظاهرة الاجتماعية. بذلك تجاوز النظريات الوضعية التطورية السالبة للغيب التي تختزل الظاهرة الدينية في بعدها الاجتماعي دون اهتمام بتأثير اللاهوت، كما أنه لم يسقط في القراءة الحرفية للنصوص الدينية، حيث راعى تطور الوعي الفردي وتطور المجتمعات كما واكبته النصوص الدينية. إلا أنه يفتقد لإحاطة شاملة لكل القرابين الموجودة في العهد القديم والجديدة والمرتبطة بمفهوم الخطيئة والخلاص، ثم علاقة القرابين الحالية في المجتمعات الإسلامية بالنص الديني، وتطور هذه القرابين عبر التاريخ. من أجل أن ينتج خطاطة بنيوية متكاملة يمكن من خلالها تفسير تطور القرابين في الديانات السماوية والوضعية بتوظيف منهج علم الأديان المقارن.
المراجع:
- الحسن حما، طقس القربان في الأديان الوضعية والسماوية: دراسة مقارنة في رصد تطور الوعي الثقافي والاجتماعي من خلال المدخل الديني. المركز الثقافي العربي، مؤمنون بلا حدود، الطبعة الأولى 2014.
- عبد الله حمودي، الضحية وأقنعتها، بحث في الذبيحة والمسخة بالمغارب. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الطبعة الرابعة 2010.
- دوركايم إميل، التربية الأخلاقية. ترجمة: السيد محمد بدوي. المركز القومي للترجمة 2015.
- دوركايم إميل، الأشكال الأولية للحياة الدينية، منظومة الطوطمية في أستراليا. ترجمة رندة بعث. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الطبعة الأولى 2019.
- رونيه جيرار. العنف والمقدس. ترجمة سميرة ريشا. المنظمة العربية للترجمة. الطبعة الأولى 2009.
[1] أنظر: عبد الله حودي، الضحية وأقنعتها، بحث في الذبيحة والمسخة بالمغارب. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار تبقال للنشر، الطبعة الرابعة 2010. ص 38.
[2] دوركايم إميل، التربية الأخلاقية. ترجمة: السيد محمد بدوي. المركز القومي للترجمة 2015. ص 104.
[3] دوركايم إميل، الأشكال الأولية للحياة الدينية، منظومة الطوطمية في أستراليا. ترجمة رندة بعث. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الطبعة الأولى 2019. ص. 258.
[4] رونيه جيرار. العنف والمقدس. ترجمة سميرة ريشا. المنظمة العربية للترجمة. الطبعة الأولى 2009.



