في حواره المنشور مؤخرًا مع مجلة ذي إيكونيمست [[1]] تحدث هنرى كيسنجر وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق عما ينبغي أن تقوم به كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين كي يتجنبا احتمال نشوب حرب عالمية بينهما؛ حيث يقول كيسنجر أنه يجب على أمريكا والصين أن يتعلما كيف يعيشان معا، وأن لديهما على هذا الصعيد فرصة تقدر بأقل من عشر سنوات.
يخشى كيسنجر أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى زيادة حدة التنافس الصيني الأمريكي، ويشير إلى أن البلدان يفتقران إلى أي مبدأ راسخ يمكن على أساسه إقامة النظام، وأنه إذا لم يتمكنا من العثور على واحد، فقد يلجئا إلى القوة. ويقول: “نحن في وضع كلاسيكي مماثل لما قبل الحرب العالمية الأولى… حيث يمكن أن يؤدي أي اضطراب في التوازن إلى عواقب وخيمة”. ويعتمد مصير البشرية من وجهة نظر كيسنجر على ما إذا كانت أمريكا والصين يمكنهما التعايش، حيث يعتقد أن التقدم السريع للذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، لن يترك لهما سوى من خمس إلى عشر سنوات لإيجاد صيغة لذلك التعايش.
يحذر كيسنجر أيضًا من إساءة تفسير واشنطن لطموحات الصين، على أن الأخيرة تريد الهيمنة على العالم، فالصينيون يريدون أن يكونوا أقوياء كما يقول، لكنهم “لا يتجهون نحو الهيمنة على العالم بالمعنى الهتلري”. ويشير كيسنجر إلى إن الصينيين تدخلوا دبلوماسيًا في النزاع الروسي الأوكراني تعبيرًا عن مصالحهم الوطنية، وعلى الرغم من رفضهم قبول تدمير روسيا، إلا أنهم يدركون أن أوكرانيا يجب أن تظل دولة مستقلة. ويشير إلى أنهم قد حذروا من استخدام الأسلحة النووية في هذا النزاع. بل أنهم حتى قد يتفهمون رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الناتو. ويقول: “الصينيون يفعلون ذلك، جزئيًا، لأنهم لا يريدون الصدام مع الولايات المتحدة”. “فهم ينشئون نظامهم العالمي الخاص بهم، بقدر ما يستطيعون.”
المجال الثاني الذي تحتاج الصين وأمريكا إلى التحدث بشأنه بحسب كيسنجر، هو الذكاء الاصطناعي. ويقول في هذا السياق أننا في بداية مرحلة يمكن فيها للآلات أن تتسبب في أوبئة عالمية وفي خلق تهديدات نووية. ويقر كيسنجر بأنه حتى الخبراء في مجال الذكاء الاصطناعي لا يعرفون ما هي صلاحياته. لكنه يعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيصبح عاملاً رئيسياً في الأمن في غضون خمس سنوات. ويقارن كيسنجر إمكانياته التخريبية باختراع آلة الطباعة، التي نشرت الأفكار التي لعبت دورًا في التسبب في الحروب المدمرة في القرنين السادس عشر والسابع عشر. ويعتقد كيسنجر أن المفاوضات نفسها يمكن أن تساعد في بناء الثقة المتبادلة التي تمكّن القوى العظمى من ممارسة ضبط النفس. والحل في النهاية يكمن في تحلي القادة بالقوة والحكمة الكافية لفهم أن الذكاء الاصطناعي لا يجب دفعه إلى أقصى حدوده.
نموذج كيسنجر للتفكير البراغماتي هو الهند، حيث يتذكر الأخير كلمات مسؤول هندي سابق كبير أوضح فيها أن السياسة الخارجية يجب أن تستند إلى “تحالفات غير دائمة” و”موجهة بحسب كل قضية”، بدلاً من ربط الدول في هياكل دولية كبيرة متعددة الأطراف. مثل هذا الأسلوب في التعامل لن تلتزم الولايات المتحدة به طواعية، بسبب إصرارها على رؤية جميع تدخلاتها الخارجية الرئيسية على أنها تعبيرات عن مصيرها ودورها القدري في إعادة تشكيل العالم على صورتها الخاصة الليبرالية الرأسمالية والديمقراطية. وتشكل الهند التي تعد قوة موازنة أساسية لقوة الصين المتنامية، والتي يزداد سجلها سوءًا على صعيد عدم التسامح الديني، والتحيز القضائي وقمع الصحافة، أحد الاختبارات المستقبلية لما إذا كانت أمريكا يمكن أن تكون براغماتية في علاقاتها الدولية. وعلى صعيد آخر ستكون العلاقات مشحونة بالتوتر أيضًا إذا اتخذت اليابان، كما يتوقع كيسنجر، خطوات للحصول على أسلحة نووية في غضون خمس سنوات.
يؤكد كيسنجر أن الإنسانية قد خطت خطوات هائلة. لكن التنافس بين الصين وأمريكا قد يكون مختلفًا عن الصراعات التاريخية الكلاسيكية مثل حرب الثلاثين عامًا والحرب العالمية الثانية؛ حيث تقليديًا عندما كانت تواجه قوتان من هذا النوع بعضهما البعض، فإن النتيجة الطبيعية كانت هي الصراع العسكري. لكن بحسب كيسنجر: ” هذا ليس ظرفًا عاديًا، بسبب الدمار المؤكد المتبادل والذكاء الاصطناعي.” في ختام حديثه يستشهد كيسنجر بمقولة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الذي قال: “إن السلام سيحدث إما من خلال الفهم البشري أو من خلال كارثة ما”. ويشير أخيرًا إلى أن قادة العالم يتحملون اليوم مسؤولية جسيمة. ويحتاجون الآن إلى الواقعية لمواجهة الأخطار التي تنتظرهم، وضبط النفس بالامتناع عن استخدام قوتهم الهجومية إلى أقصى حد.
[[1]]https://www.economist.com/briefing/2023/05/17/henry-kissinger-explains-how-to-avoid-world-war-three



