في كتابه المنشور بالإنجليزية تحت عنوان « Mediocracy: The Politics of the Extreme Centre» والمترجم إلى العربية عام 2019 تحت عنوان “نظام التفاهة”(ترجمة مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر)، يقدم الفيلسوف الكندي آلان دونو نقدًا لاذعًا للواقع العالمي المعاصر الذي سمح بسيطرة التافهين على مواقع أساسية من الخريطة الاجتماعية، الواقع الذي يصفه دونو قائلاً: “لقد تشيّدت شريحة كاملة من التافهين والجاهلين وذوي البساطة الفكرية وكل ذلك لخدمة أغراض السوق بالنهاية”.[[1]]
يسعى المؤلف إلى توضيح كيف جرى هز معايير الكفاءة، ويبين أن سيطرة التافهين على أي موقع من المواقع بغض النظر عن السبب، يجعل هؤلاء يبحثون عن أشخاص تافهين مثلهم لتحصين مواقعهم، وعلى هذا الأساس تُبنى بالتدريج شبكة متعاضدة من التافهين تحمي بعضها البعض على امتداد كامل الخريطة الاجتماعية، على نحو أدى إلى إسباغ التفاهة على كل شيء.[[2]]
يشير دونو إلا أن الجامعات والأكاديميات العلمية أصبحت هي الأخرى غارقة في التفاهة، عبر الاستسلام لمغريات المتطلبات التجارية، ويقول إن جدل الزبائن والسلعة أدى إلى إفساد البحث العلمي، وأنه عوضًا عن قيام الجامعات بدورها المعرفي التنويري في تكوين مثقفين يشتبكون نقديًا وفكريًا مع الإشكالات والحاجات المجتمعية، باتت الجامعات بيئة خصبة لما يعرف بالخبراء أو “أشباه الخبراء” الذين يحاولون إضفاء الشرعية على طبقة الأوليغارشية الاقتصادية المسيطرة والتستر على خطاياها.[[3]]
أدى نظام التفاهة الذي استشرى وهيمن على الحياة الأكاديمية بحسب المؤلف إلى انسحاب الفكر المعمق والتأملي في فهم وتحليل القضايا، ومن ثم أدى إلى زيادة النزعة التقنية ذات الطابع الاختزالي والتنميطي. وأدى كذلك إلى تخريج أميين من نوع جديد مختلف، أميين متمكنين من المعارف التقنية والعملية، لكنهم فارغين فكرياً وأيديولوجياً، عاجزين عن التعاطي مع الإشكالات الفكرية والمفاهيم العميقة كثيفة المعنى.[[4]] يستعين المؤلف في هذا السياق كذلك بالمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الذي يشير إلى أن “الخبير” اليوم هو ذلك السوفسطائي الذي يدفع له لكي يفكر بطريقة معينة، وبات يتصرف ضمن إطار ميكانيكي. [[5]]
مجالات الفن والثقافة ليست استثناءً في هذا السياق، فهي الأخرى أضحت تعاني من هيمنة التافهين أصحاب الذوق الهابط، حيث أصبحت الأعمال الفنية والثقافية الرصينة رفيعة المستوى التي تحترم أذواق المتلقين نادرة. بسبب هيمنة منطق السوق على المنتجات الفنية والثقافية، وتوظيف تلك المنتجات لتلبية المتطلبات الأساسية لاستمرار عمل النظام الرأسمالي، الذي يملك فيه أصحاب رؤوس الأموال وسائل الإعلام أو يهيمنون على توجهاتها من خلال الإعلانات.
يعتقد دونو أن وسيلة الإطاحة بنظام التفاهة لا يمكن أن تتم إلا بطريقة جماعية وليس عبر مساعي الخلاص الفردي. ويختتم كتابه متحدثًا بلسان آحاد الناس بالقول: “أنا النكرة المسكين ما الذي يمكنني عمله؟” ثم يجيب: “توقّف عن السّخط واعمل على خلق توليفة من القضايا الوجيهة. كن راديكالياً”.
[[1]] شوقي بن حسن،”نظام التفاهة” لـ آلان دونو: عالم من الأبواب المغلقة، العربي الجديد.
[[3]]صلاح الدين ياسين، قراءة في كتاب نظام التفاهة للفيلسوف الكندي “آلان دونو”، عربي بوست.



