صدرت قبل أيام عن دار الإحياء للنشر والتوزيع بالمغرب الترجمة العربية لعمل السوسيولوجي البرتغالي بوافنتورا دي سوسا سانتوس، والذي يحمل عنوانا مثيرا ودالاًّ في مجازيته هو ” لو كان الإله ناشطا حقوقيا: نحو لاهوت حقوقي مناهض للهيمنة”. وقد كان بوسع المترجم – وهو صاحب هذا المقال أيضا – أن يتصرف في عنوان الكتاب تفاديا لسوء الفهم، كأن يقوم بصياغته على نحو (ماذا لو كان الدين ناشطا حقوقيا)، بيد أنه وبعد استشارة الفريق المختص في دار النشر فقد وجدوا أن ذلك قد يؤثر على عمق الفكرة المتضمنة في مجازية العنوان، والتي تجعلنا ننتبه إلى أن جزءا من أزمة العديد من الأديان لطالما كانت مرتبطة بالتصور الذي لدى أتباعها عن الإله، ذلك أنه غالبا ما يتم إضفاء تصور سلطاني وسلطوي عنه، عوض أن تكون صورته مناهضة للسلطوية والهيمنة. هذا وقد آثر المترجم استخدام مصطلح الإله بدل الله أثناء التعريب للتنبيه إلى أن الكِتاب يصدر عن مجال تداولي مختلف – وإن كان يقارب بإسهاب الحمولة التحررية داخل الإسلام – كما أنه لا يخفى على المهتمين أن دلالة مصطلح الإله غير دلالة مصطلح الله في حقل الإنسانيات.
لا يمكن الشروع في قراءة مؤلف بوافنتورا – المعروف بأطروحاته الديكولونيالية وباهتمامه بابيستيمولوجيا الجنوب والشهير بمقولته (إنّ فهمَ العالم أكبرُ من فهم الغرب للعالم)، وهي مقولة يعتبرها الدكتور امحمد جبرون بمثابة الخيط الناظم لهذا الكتاب أيضا – دون التركيز مليا في المُصادرة التي يستهل بها الكتاب، حيث يناقش فيها موضوع الاستقلال الذاتي كفكرة يتم الترويج لها بكثافة في عصرنا، وتسعى لجعل المجتمع مُشكَّلا فقط من مجموعة أفراد عصاميين يصنعون حيواتهم بأيديهم، وحيث تكون فرصهم المعيشية متوقفة على نوع الخيارات التي حددوها لأنفسهم، وهي خيارات محصورة، يوجد ضمنها خيار يستحيل الانفكاك عنه وهو خيار الانسحاب من السوق الذي تنغمس كل البشرية فيه.
ومن ثمّ، ينبه بوافنتورا إلى أنه في غمرة مطالبة الأفراد – أو بالأحرى إجبارهم – على أن يكونوا مستقلين بذواتهم فإنه يتم التخلي عنهم وتركهم دون أدنى حماية تُذكر في حالة إخفاقهم في الاختيارات التي يُحددها لهم السوق، أو في حالة ما أبانوا عن عجزهم عن تحقيق الاستقلال الذاتي داخله، وهو استقلال يتم فهمُه وكأنه التزام شخصي حيال عالَمٍ مُكتمل ويستحيل تغييره. وهو ما لا يوافق عليه بوافنتورا إذ يبين أن هذا الطرح الذي يروجه السوق غير صائب وخطير في نفس الوقت؛ من جهة، لأنه لا وجود في الواقع لاستقلال ذاتي يوفر للأفراد اكتفاءً ذاتيا مطلقا، فالفرد يبقى دائما في حاجة للآخرين، ومن جهة أخرى فإن هذا الاستقلال الذاتي يغيب بغياب شروط تفعيله وتطويره، والواقع ينبهنا للأسف أننا نعيش في عالم حيث 1% من نخبة العالم تهيمن على 99% من ساكنته المفقرة.
بعد هذا التوضيح يرى بوافنتورا أننا عادة ما نواجه هذا الواقع المقلق من خلال استدعاء سياستين معياريتين وهما “حقوق الإنسان” أو “اللاهوت السياسي”، ويقصد بالأخير (التصورات الدينية التي لا تؤمن بالفصل بين المجالين الخاص والعام وتطالب بحضورٍ أكبر للدين في هذا الأخير) فحسب هذه اللاهوتات فإن الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تنفيذ إرادة الإله، وهذه الأخيرة لا يمكن حصرُها فقط في المجال الخاص..
يتعلق الأمر إذن بسياستين لهما خصائص متمايزة، فمن جهة فإن حقوق الإنسان لديها طابع فرداني وعلماني، وتحيل مرجعيتها الثقافية على المركزية الغربية ناهيك عن مركزيتها الدولتية (نسبة الى الدولة)، في حين أن اللاهوتات السياسية تكون جماعية ومناهضة للعلمانية وتنشط خارج مؤسسات الدولة. وهنا بالضبط يقف الكاتب ليوضح أمرا في غاية الأهمية بالنسبة له إذ يقول: (سأبدأ بكشف هشاشة فكرة حقوق الانسان باعتبارها الوعاء المفاهيمي للكرامة الانسانية، وبالتحديات التي يثيرها في وجهها ظهور تيارات اللاهوت السياسي مع بداية القرن الواحد والعشرين، كما سأقوم بالتمييز بين مفاهيم الهيمنة في نظرية حقوق الإنسان التي تسعى إلى إعادة إنتاج ال(لا)نظام dis-order الاجتماعي والكلونيالي والجنساني الذي يسود في عصرنا، وبين مفاهيمها المناهضة للهيمنة والمُوجَّهة بقوة لبناء مجتمع أكثر عدالة وكرامة. وسأبرهن أن توسيع وتعميق متن السياسات الحقوقية التي يتم إنتاجها هنا يمكن أن يتم دعمه بإسهامات محددة من بعض أنماط اللاهوت السياسي. ولأجل هذه الغاية أقترح القيام بتمييزات بين هذه الأنماط من اللاهوت السياسي (التعددي مقابل الأصولي، المحافظ مقابل التقدمي) وسأنهي كتابي بالتأكيد على أن أنماط اللاهوت التعددي التقدمي يمكنها أن تصبح مركز طاقة جذري للنضالات المناهضة للهيمنة دفاعا عن حقوق الانسان.)
بعد المصادرة، يخصص بوافنتورا أكثر من عشر صفحات للمقدمة وهو شيء ليس بالقليل بالنظر لحجم الكتاب، وقد عنونها ب (حقوق الإنسان والهيمنة الهشة) حيث استهلها بتأكيد صارم على أن أغلب ساكنة العالم لا تشكل ذواتا لحقوق الإنسان بل هي مجرد مواضيع للخطابات حول حقوق الإنسان، وهو ما يقود إلى طرح سؤال: هل تدعم “حقوق الانسان” نضالات المهمشين والمستغلين والمضطهدين؟ أم أنها على عكس ذلك تجعل أمر تحررهم أكثر تعقيدا؟ ولأجل ذلك يحلل الكاتب وهو أيضا مؤلف كتاب ” دمقرطة الديموقراطية ” كيف أن ” حقوق الانسان ” ليست كونية كما يدعي المركز، وكيف أنها تخضع لعدة تأويلات وتوظيفات بحسب الموقع الذي تُستدعى فيه فيميز بين أربعة أوهام تتعلق بالإجماع الحاصل حول كونيتها وهي (الغائية، الانتصارية، نزع السياق، الأحادية).
يتعلق الوهم الأول بقراءة التاريخ بأثر رجعي وكمسار خطي، وهو وهمٌ لأن انتصار حقوق الإنسان هو نتيجة عرضية يمكن تفسيرها بَعدِياً a posteriori ولم يكن ممكنا توقعها بشكل حتمي. أما الوهم الثاني فهو المتعلق بالانتصارية والزعم بأن حقوق الانسان هي خير عام ومشترك، بل وغير مشروط، وبالتالي يتم الادعاء بان التصورات الأخرى المتعلقة بالكرامة الانسانية هي بطبيعتها أقل مرتبة من الناحية الأخلاقية والسياسية من “حقوق الإنسان”، فيتجاهل هذا الوهم أن الحداثة قامت بالدفاع عن أفكارها باستخدام العنف ثم جعلت هذه الأفكار تخدم عنفها، ومن ثم وجب القيام بنقد ذاتي لهذا التفوق الأخلاقي المزعوم. فيما يتعلق الوهم الثالث بنزع السياق حيث أنه يتم تجاهل أن حقوق الإنسان قد تم توظيفها في سياقات مختلفة ومتباينة للغاية وبأهداف متناقضة (استدعاؤها في الثورات في المركز والاستعمار في الهامش)، ثم يقارب الكاتب الوهم الأحادي وهو الأخير ويتعلق بإنكار أو التقليل من شأن توترات نظريات حقوق الانسان وكذا تناقضاتها الداخلية، ومن بينها التوتر بين الحقوق الفردية والحقوق الجماعية.
يركز الكتاب على التحديات التي تصادفها ” حقوق الانسان ” خلال مواجهتها لحركات تطالب بحضور الدين في الفضاء العام، ويخلص الى أنه بالرغم من مستوى الظلم الاجتماعي الذي تعاني منه البشرية والذي بلغ مستويات قياسية، فإنه لا وجود بالمقابل لسخط أخلاقي كاف لمكافحته أو لإرادة سياسية للتغلب عليه. لكن هذا لا يعني كذلك خلو العالم من تجارب اجتماعية ذات طابع تحرري يمكن أن تنفع كسهمٍ مُوجِّه، وليس غريبا أن نجد من ضمنها من تتأسس على محفزات إيمانية وروحية وهذا أمر لا ينحصر فقط في الفضاء المسيحي بل هو موجود في جميع الديانات، وبينها يبرز لاهوت التحرير الذي يرفض فكرة حصر الدين في المجال الخاص، ويطالب بأن يلعب الإيمان دورا حيويا في المجال العام مع احترام التعددية والحرية.
وهكذا، يقترح الكاتب بعد سردٍ لجينيالوجيا الحل الغربي لمسألة الدين ولكرونولوجيا تأسيس فكرة حقوق الإنسان أن النظر لدور الدين في المجال العام في دول الجنوب – ومنها منطقتنا – لا يجب أن يكون بالضرورة مطابقا للمركز؛ ذلك أن الحل الذي تم تبنيه في الغرب كان خاضعا لسياق مختلف مرتبط بالحروب الدينية هناك والصراع بين سلطتين متضاربتين. ولذلك فإن مفهوم الكرامة الإنسانية لا يمكن لجهة ما أن تحتكر تعريفه وتقوم بعد ذلك بفرضه على الآخرين، وكما سبق وأشرنا لمقولة الكاتب فإن فهمَ العالَم أكبرُ من فهمِ الغرب للعالم. وهذه النظرية الأخيرة لا تستسيغها أطراف عدة، حيث أنها من جهة لا تستقيم مع مشروع التيار الأصولي المحافظ العابر للأوطان، ومن جهة أخرى فإنها لا تنسجم مع النزعة الأورومركزية لدى بعض التيارات الحداثية والعلمانية التي تنظر للغرب وكأنه الأرض قبل غاليلي، أي أنه المحور وباقي الكواكب تدور حوله بتعبير روجيه غارودي.
إلى جانب المقترَح الداعي إلى الانتفاع من الطاقة التحررية الكامنة في الأديان التي انطلقت من الجنوب، أي من مركز المعاناة، ومن ضمنها الإسلام الذي يحظى بقراءة هامة داخل الكتاب، فإن الكاتب ينبهنا إلى وجود لاهوت مسيحي عربي مناهض للهيمنة لا يحظى للأسف بالأهمية التي تليق به في النقاشات الثقافية والسياسية والأكاديمية داخل مجالنا التداولي، وهو لاهوت له عدة مؤلفات ووجوه فكرية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ميتري الراهب و جوناثان كتاب و منير فاشة (مؤلف كتاب “مسيحية أمي ومسيحية الغرب: المسيحية من وجهة نظر فلسطينية ” ) وغيرهم. وبالعموم، فإن بوافنتورا يدعو إلى الانفتاح على اللاهوت التقدمي المناهض للهيمنة بكل أطيافه، مادام يؤمن بالتعددية وبالمُثاقفة، وأن يكون -بخلاف اللاهوت الأصولي – على علم بتاريخ الأفكار باعتباره مبحثا هاما يقي من الجمود والديماغوجية. أي أنه لاهوت عوض أن يكون مهووسا بتحقيق مشروعٍ عابر للأوطان يمكن فيه أن تذوب الثقافات، فإنه يسعى برؤيته التعددية والمثاقِفة لتقديم مقترحات لحل مشاكل داخلية والاستفادة من تجارب تحررية موازية.
ينتهي الكاتب -الذي يعترف بأن مسألة وجود الله ليست واضحة عنده- إلى طرح تفكير مقتضب حول ماهية الله، يُجيب من خلاله حول السؤال المتضمن في عنوان مؤلفه وكأنه بجوابه هذا يريد تذكيرنا بعبارة هيدغر (وحده إله جديد يمكنه أن ينقذنا) وهو بالتأكيد إله يختلف عن ذلك الذي يدافع عنه اللاهوت المحافظ سواء الموالي للهيمنة الحالية أو الذي يناهضها ليقيم هيمنة جديدة، ونقصد ذلك الإله الذي أشار إليه الكاتب البيرواني خوصيه ماريا أرغيداس في روايته (كل الدماء) حين حاور ساكريتيان القس، قائلا: إن إله الأسياد مختلف.



