المقال الأصلي[[1]]
بحسب “السير ويليام شوكروس”، الذي يقود مراجعة مستقلة لاستراتيجية منع التطرف التي تتبعها حكومة المملكة المتحدة، فإن تهديد الإرهاب اليميني المتطرف مبالغ فيه، والمقتطفات المسربة من مسودة مراجعة شوكروس، توصي عوضًا عن ذلك بالتركيز مجددًا على التطرف الإسلامي (الذي هو بالفعل التركيز الأساسي للبرنامج).
هذه ليست مفاجأة، شوكروس، الرئيس السابق لمفوضية المؤسسات الخيرية، وصف الإسلام سابقًا بأنه: “أحد أعظم مشاكل مستقبلنا وأكثرها إثارةً للفزع”. وأدى تعيين شوكروس المثير للجدل (في مهمة مراجعة استراتيجية منع التطرف المشار إليها أعلاه) إلى مقاطعة جماعية لتلك المراجعة التي تأخرت كثيرًا، من قبل كل من جماعات حقوق الإنسان والمجموعات الإسلامية.
استنتاجات شوكروس، حتى في مراجعته، تمثل إشكالية واضحة، إِذ مَثّلت إنكارا مذهلا للواقع. شهدت المملكة المتحدة هجمات إرهابية ومؤامرات يمينية متطرفة أكثر من أي دولة في أوروبا. ويأتي ثلث التهديدات الإرهابية المحلية تقريبًا الآن من اليمين المتطرف، وذلك وفقًا لرئيس المكتب الخامس (MI5) (الاستخبارات البريطانية)، الذي قال أيضًا إن الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 13 عامًا يتم تجنيدهم من قبل المتطرفين اليمينيين.
تشمل الأحداث الأخيرة مراهقا من النازيين الجدد تم ضبطه وهو يخطط لشن هجمات على الكنائس اليهودية؛ وخلية من أربعة أشخاص تستخدم طابعة ثلاثية الأبعاد لصنع مكونات سلاح ناري؛ ورجل هاجم “ستانويل ساري” (منطقة حيوية بجوار مطار هيثرو) مهاجمًا السيارات وصاح “المتعصبون يحكمون البيض. سأقتل مسلما”، قبل طعنه مراهقا بلغاريا.
إرهابيونا المحليون ملهمون من الانتشار العالمي للدعاية اليمينية المتطرفة. ما يسمى بمانيفستو المتطرفين اليمينيين مثل باتريك كروسيوس (الذي قتل 23 شخصًا في إل باسو، تكساس في عام 2019)، وبرينتون تارانت (الذي قتل 51 شخصًا في كرايستشيرش، نيوزيلندا، في عام 2019 أيضًا) وأندرس بريفيك (الذي قتل 77 شخصًا في عام 2019 في أوسلو وأوتويا في النرويج عام 2011) ينتشر بحرية على الإنترنت.
الثلاثة كانوا مدفوعين بالاعتقاد المشترك بأن العالم “الغربي” (أي الأبيض) يتم ابتلاعه عن عمد من قبل أعراق أخرى، وأن هذه “الإبادة الجماعية للبيض” يتم تدبيرها من خلال مؤامرة عالمية لليهود. ادعى بايتون جيندرو، الإرهابي البالغ من العمر 18 عامًا والذي قتل عشرة أشخاص في 15 مايو في سوبر ماركت في بوفالو، نيويورك (في بيان آخر على الإنترنت) أن اليهود هم وراء حركة “حياة السود مهمة” (Black Lives Matter)، و”الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين “NAACP))، والنظرية العرقية النقدية (نظرية في العلوم الاجتماعية توظف النظرية النقدية في العلوم الإنسانية والاجتماعية (مدرسة فرانكفورت) لدراسة المجتمع والثقافة من حيث صلتهما بتصنيفات العرق والقانون والسلطة).
“نظرية الاستبدال العظيم” مترسخة في وسائل الإعلام الأمريكية. يتحسر مضيف قناة فوكس نيوز تاكر كارلسون بانتظام على الاستبدال السكاني الجماعي للأمريكيين والمكائد المزعومة لفاعل الخير (اليهودي) جورج سوروس. يزعم كريستوفر روفو، وهو مفكر جمهوري مؤثر، أن التعليم الأمريكي قد أصيب بعدوى النظرية العرقية النقدية، وهي مؤامرة مزعومة من قبل المثقفين الماركسيين اليهود.
انتشار نظريات المؤامرة اليمينية المتطرفة لا يقتصر على الولايات المتحدة. انتقادات شوكروس قانون (Prevent) (منع التطرف) لـوسمه “المفاهيم[[2]] السائدة لليمين المتطرف” على أنها “يمينية متطرفة” – لها منطق فاسد: لأن لغة[[3]] اليمين المتطرف أصبحت بالفعل سائدة بشكل متزايد في المملكة المتحدة.
جوهر نظريات المؤامرة المختلفة تلك هو أن الغرب طغى عليه الأجانب، وبطريقة ما نخب مركزية غامضة تسهل لهم ذلك. هذه الفكرة مألوفة لأي شخص في المملكة المتحدة قرأ صحيفة شعبية أو استمع إلى سياسي أو شاهد التلفزيون. بالكاد يمر يوم دون اتهامات بأن المهاجرين “يجتاحون” البلاد، بتسهيل من “المحامون اليساريون” و “النخبة الليبرالية في شمال لندن” (هل من قبيل المصادفة أن شمال لندن كان منذ فترة طويلة مركزًا للجالية اليهودية في المملكة المتحدة؟).
حتى هذه النوعية من أنصار نظريات الاستبدال العظيم الأكثر تطرفاً لديها منصات منتظمة في وسائل الإعلام الرئيسية. دوغلاس موراي (كاتب صحفي بريطاني ناقد للإسلام)، الذي يشتكي من أن أوروبا المنحلة قد “انتحرت” من خلال دعوتها عددا كبير جدًا من المهاجرين، قد تمتع بإعلانات تلفزيونية، وعمود في مجلة “ذا سبيكتاتور” (The Spectator)، ومنصب في مركز أبحاث مرتبط بالحكومة باسم Henry Jackson Society (شوكروس، من قبيل الصدفة، مدير سابق لنفس مركز الفكر).
تم الاستشهاد بعمل ميلاني فيليبس الذي يروج لنظرية المؤامرة “أورابيا” Eurabia (نظرية مؤامرة كارهة للعرب والإسلام) (سلف الاستبدال العظيم) في بيان أندرس بريفيك. بالتأكيد لا يمكن اتهام فيليبس بمعاداة السامية. عوضًا عن ذلك، تلقي فيليبس باللوم على مجموعة من الأهداف اليمينية المتطرفة الأخرى: المثليون جنسياً وقراء الجارديان والمثقفون والمتحولون جنسياً. على مر السنين، تم إعطاء فيليبس أعمدة في صحيفة الجارديان نفسها، وذا سبيكتاتور، وديلي ميل، لتقدم وجهات نظرها من خلالها.
في الأسبوع الماضي، انضم نايجل فاراج، صاحب الرقم القياسي في الظهور في البرنامج التلفزيوني السياسي الرائد في بي بي سي، “كويتشن تايم” Question Time))، إلى الزعيم المجري اليميني المتطرف فيكتور أوربان وتاكر كارلسون من فوكس في مؤتمر محافظ رفيع المستوى في المجر حيث شرح المتحدثون نظرية الاستبدال الرائعة. وحضر أيضًا اللورد وارتون، رئيس مكتب الطلاب (المسؤول عن مراقبة امتثال جامعات المملكة المتحدة لواجباتهم في برنامج منع التطرف)، حيث ألقى كلمة أشاد فيها بسياسة أوربان.
يبدو أن السياسيين البريطانيين سعداء بشكل متزايد باحتضان خطاب اليمين المتطرف. تحدثت المدعية العامة، سويلا برافرمان، عن “الماركسية الثقافية” (إحياء معاصر لنظرية المؤامرة النازية، التي تشير إلى أن المثقفين اليهود يهاجمون الغرب). نشرت (على مواقع التواصل الاجتماعي) نادين دوريس (عضوة البرلمان البريطاني) رواية خيالية يمينية متطرفة مفادها أنه يُسمح للمسلمين بالمطالبة بمزايا “عدة زوجات”. وذلك اقتباسًا عن جاكوب ريس موغ عن زعيم الحزب السياسي الألماني المتطرف البديل فور دويتشلاند.
في عام 2020، حذرت شرطة العاصمة، وزيرة الداخلية، بريتي باتيل، من أن شكاويها بشأن “فاعلي الخير” و”المحامين اليساريين” قد تكررت من قبل إرهابي يميني متطرف عندما هاجم شركة محاماة في لندن. وقد كررتها لاحقًا في مؤتمر حزب المحافظين. في الآونة الأخيرة، ألقى كل من باتيل وبوريس جونسون، بينما كانا يهتفان بمقترحات لشحن المهاجرين إلى معسكرات في رواندا، باللوم على “المحامين المتخصصين” و “المحامين ذوي الدوافع السياسية” لفشلهم في القيام بذلك. وقد أفاد “المكتب الخامس” MI5 أن المجازات العنصرية – مثل تلك التي روج لها رئيس الوزراء – تغذي إرهاب اليمين المتطرف.
هذا لا يعني أن مجلس الوزراء مليء بالفاشيين السريين. لكن السياسيين يسعدون بتبني مجازات اليمين المتطرف إذا ساعدتهم على قضايا تخلق إسفينا، لكسب الأصوات. مثلما يسعد الإعلام بإعلان اليمين المتطرف لإثارة الجدل وتحقيق النجاحات. لا يصبح اليمين المتطرف آمنًا لمجرد أنه يرتدي بدلة جميلة أو يصف نفسه بأنه “مضاد لليقظة” (anti-woke) وليس “فاشيًا. (woke: مصطلح نشأ منذ عام 2010 في الولايات المتحدة يقصد اليقظة والتنبه إلى التحيز والتمييز العنصريين).
إذا أردنا أن نتصدى حقًا لتهديد الإرهاب اليميني المتطرف، فنحن بحاجة إلى التساؤل عن سبب تضمين مجازاته الأيديولوجية في خطابنا السائد.
[[1]]https://www.opendemocracy.net/en/far-right-mainstream-conspiracy-theory-uk/
[[2]] ترجمة بتصرف لكلمة commentary التي تعني (تفسير أو شرح، أو تعقيب، تعليق)



