ذلك الرجلُ الذي يعترضُني كلَّ صباح على درّاجته القديمة التي تئِنّ تحت ثِقل جِسمه الطيّب
فتراوغُه أحيانا وتكاد تسقِطُه
يهتف كلَّ مرّة من بعيد بحماسٍ عجيبٍ وهو يلمحني:
صباح الخير صباح النور صباح الفل
ويرسُم على وجهه ابتسامة عريضة تتّسع لكل الشارع الطويل
فأرى أسنانَه المصابة بالدخان وفلَجات الزَّمان
ويقول لي بنفس الابتسامة وأنا أسأله عن أحواله بعد رحيل زوجته التي صارعت سرطان الثدي دهرا ثم رحلت:
أنا بخير.. وبناتي بخير.. كوني بخير..
تلك المرأةُ المصابةُ بالزهايمر والتي وجدتها في مركزِ البريد تسأل عن طريقِ العودة إلى بيتها..
والتي نظرت إليّ مبتسمة وظلّت تتأمّل وجهي زمنا وكأنّما تستحضر من ذاكرتها المظلمة وجها تألفه
قالت لي بحنان عجيب وبابتسامة رائعة وهي تضع يدها النحيلةَ على خدي:
ـ عودي بي إلى بيتي
البائعُ في المغازة المبتسم دوما والذي سألني إن كانت لي بطاقة وفاء للمغازة، فأجبته بالنَّفي
ابتسمَ ابتسامةً عريضةً وربّما
فكّرَ مثلي أنّه لا يمكنُ أن نكونَ أوفياءَ لرأسماليةٍ تأكُلنا على مهلٍ وراء ابتسامةٍ دعائيةٍ خاوية
الطفلُ الذي شرَّدَتْهُ الأرصفةُ والذي مدَّ لي يوميّةً قديمةٌ ثمّ تدارك مسرعا وهو يضمّ يوميّاته إلى صدره قائلا: إنها لسنة ألفين وتسعة عشرة..
فأقول له: سأقتنيها.. ربّما هي سنة أفضل.. أليست ألفان وتسعة عشر سنة أفضل؟ فيجيب بحماس: نعم
ويبتسم.. فتظهر غمازتيه اليمنى واليسرى ويبين حَولٌ بسيطٌ في عينيه يمكن أن يعالَج، وشحوبٌ في وجهه بسبب فقر الدم.
ويمضي مبتسما.. وأمضي..
صديقتي التي نجَت وكُتِبَت لها حياةٌ جديدة والتي تهاتفتني صباحا لتقول:
صباح الفرح.. لا شيء يستحق أن نحزنَ من أجله.. كوني سعيدةً..
فأرى ابتسامتَها محمولةً على دفءِ صوتِها الجميل
هؤلاء جميعا..
أتذكرهم كلَّ صباحٍ وأنا أنظرُ إلى وجهي الضائعِ في المرآة
وبقلمي الأحمرِ أكتبُ أسماءَهم على صفحتِها:
صاحبُ الدرّاجة الذي فقد زوجتَه
امرأةُ الزهايمر التي فقدت ذاكرتها
بائعُ المغازة الذي أكلته الرأسمالية
الطفلُ الذي أكلته الأرصفة
صديقتي النّاجِية
أكتبُ أسماءَهم كاملةً وأُمضِي في الأسفل:
جمهوريةُ المبتسمين
وأَمْضِي إلى يومي
إلى أبعد مدًى من السَّعادةِ أَمضِي.



