ما يهمني، كباحث، يتجاوز الانتصار لطرف من بين طرفي الصراع في الحرب الدائرة، الآن، على الأراضي الأوكرانية أن أعي جيدا التوجه الغربي الكولونيالي الخشن الذي تطور إلى نزوع نيوكولونيالي ناعم لكنه حافظ على انسجامه ولم يتغير، وفي نفس الآن أن أعي جيدا النزوع الفاشي للبوتينية الروسية الذي يجمع، بشكل مؤدلج، بين الانتماء القومي السلافي والطموح الاستراتيجي السوفييتي.
هذا الوعي الاستراتيجي المُطعَّم بنزعة وطنية مغربية، عربية-إسلامية الروح، يمنعني من التخندق الإيديولوجي، لكنه في نفس الآن يفتح لي المجال للتفكير بشكل حر يستلهم المنطق المعرفي. واعتمادا على هذا الوعي الاستراتيجي والنزوع المعرفي، أجدني أقرب إلى منطق “التحليل الملموس للواقع الملموس” بشكل يجنبني السقوط في شراك البروباغندا المتصارعة على الساحة الدولية. ولذلك، فإنني أفضل قراءة وتحليل المرجعيات الفكرية المؤسسة للإيديولوجيات السياسية، وهذا يساعد على فهم الممارسة انطلاقا من استيعاب التصور النظري الذي يتحكم فيها ويوجهها.
وهنا، يجب أن نقرر أن طرفي الصراع على الساحة الأوكرانية ينطلقان من تصورين فكريين متناقضين على مستوى بنية الأطروحة، لكنهما متطابقين على مستوى شروط تكوين هذه الأطروحة.
- من جهة أولى، ينطلق الغرب الأور-أمريكي من أطروحة “هجتنجتون” حول صراع الحضارات، ساعيا إلى ترسيخ نزوع غرب-مركزي كنموذج يمثل نهاية التاريخ، بتعبير فوكوياما، بحيث لا يُسمح لأي نموذج حضاري مغاير منافسته على هذه الريادة/المركزية.
- من جهة أخرى، تنطلق روسيا البوتينية من أطروحة “ألكسندر دوجين” الذي صاغ مذهب “الأوراسية الجديدة” الذي يقوم على أساس محاولة إحياء النزوع الفاشي من منظور سلافي مطعم بطموح استراتيجي سوفييتي.
يقسم “ألكسندر دوجين” المذاهب السياسية الكبري، منذ بداية القرن العشرين، إلى ثلاثة مذاهب: الليبرالية التي تركز على الفردانية، والاشتراكية التي تركز على الطبقية، الفاشية التي تركز على الأمة. ومن أجل نقل روسيا إلى موقع استراتيجي متقدم ومنافس للغرب الأور-أمريكي، يقلب ” دوغين” أطروحة “هجتنجتون” لتمشي على رأسها مؤسسا، بذلك، لشكل جديد من صراع الحضارات، مركزه روسيا السلافية التي يجب أن تدخل في صراع مفتوح مع الغرب الأور-أمريكي من أجل إنهاء التاريخ على طريقتها القومية السلافية، كما حاول الفاشيون، من قبل، هتلر وموسوليني، على الطريقتين الجرمانية والرومانية.
نحن، إذن، أمام صراع استراتيجي مفتوح لا مجال فيه لثنائية الضحية-الجلاد، صراع بين أطروحتين فكريتين متصارعتين على مستوى بنيتهما، لكنهما متطابقتين على مستوى تكوينهما. ولذلك، بدل أن ندعو إلى التخندق ضمن أطروحة فكرية/إيديولوجية ضد الأخرى، يجب استحضار المعطيات الاستراتيجية والتسلح بمبحث تاريخ الأفكار، من أجل التموقع الجيد ضمن رقعة هذا الصراع الاستراتيجي الممتد.
ومن أجل فهم أفضل لما تمثله الإيديولوجية البوتينية، كفاشية سلافية جديدة، لابد من استحضار المآسي التي خلّفتها الفاشية القديمة، في لباسها الجرماني والروماني، لكن قد تسألون: وهل كان البديل الليبرالي النيوكولونيالي الغربي أفضل؟! لقد دمر الكثير من الدول وأعاد صناعة الخرائط باسم نشر الديمقراطية، كما فعل سلفه الكولونيالي الذي استعمر العالم باسم نشر الحداثة؟!
وجوابا عن هذا التساؤل، نقول: هما وجهان لعملة واحدة، وهذا أكيد! فقد كان العالم العربي الإسلامي الذي أنتمي إليه، وطنيا، ضحية النموذج الليبرالي الغربي بوجهيه الكولونيالي/الحداثي والنيوكولونيالي/الديمقراطي أكثر مما كان ضحية للفاشية الهتليرية والموسولينية! وهذا قد يشجع بعضنا على دعم الفاشية السلافية نكاية في الغرب الأور-أمريكي، أو ظنا منه بأن محاولة التحالف مع الفاشية السلافية بإمكانه أن يحد من وطأة النيوكولونيالية الغربية على امتدادنا الجغرافي/الحضاري العربي الإسلامي !
هذا النزوع البرجماتي، لا يرقى إلى مستوى التفكير الاستراتيجي بل هو نوع من رد الفعل ليس إلا! يجب أن نقر، أولا، أن الغرب يمثل حلقة أساسية ضمن التطور الحضاري الإنساني، وأي تفكير في التقدم/التطور يجب أن يستحضر هذا المعطى الأساسي، و لسنا استثناء في ذلك، فقد انطلقت ثورة الميجي في اليابان من هذا المعطى، وكذلك فعلت ثورة ماو تسي تونغ في الصين، فكلاهما انطلق من قناعة استلهام النموذج الحداثي الغربي كمنطلق للتطور/التقدم، و سر نجاحهما أنهما استوعبا دروس التاريخ ولم يتوهما تحقيق النجاح من منظور قومي فاشي، و قد كانت لهما معا تجارب مريرة مع هذا النزوع القومي الضيق الذي انتهى بهلاكهما، لولا سرعة الاستدراك و النجاح في الاندماج ضمن التاريخ الإنساني العام، من منظور معرفي يستحضر الخصوصية الحضارية كمدخل للاندماج و ليس كذريعة للانزواء.



