في مقاله المنشور تحت عنوان «Justice and Mercy on the Scale» (العدالة والرحمة في الميزان) [[1]] يشير الباحث والأكاديمي البريطاني رامون هارفي إلى أن نداءات العدالة في التاريخ السياسي الحديث، كان لها صدى شديد الإلحاح، في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وعلى امتداد العالم العربي.
يتوقف هارفي في بداية المقال عند الحملة التمهيدية الاستثنائية والملفتة للنظر للمرشح الديموقراطي بيرني ساندرز في الولايات المتحدة، ويشير إلى أن الأخير قد نادى بالعدالة الاجتماعية عددا لا يحصى من المرات في بلد تمزقه عدم المساواة؛ ويعاني من الفشل في توفير الاحتياجات الأساسية مثل: الرعاية الصحية والفرص التعليمية لجميع المواطنين. ويشير الكاتب في سياق آخر إلى أن الدعم الذي تلقاه الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية التي جاءت به إلى مقعد السلطة، قد جاء من قبل الناخبين من ذوي الياقات الزرقاء[[2]]، حيث استند هذا الدعم جزئيًا على الأقل، إلى شعور هؤلاء بأنهم عوملوا بشكل غير عادل ومنصف من قبل الحزب الديمقراطي.
يشير هارفي إلى أن جيريمي كوربين، زعيم حزب العمال تحدى في الانتخابات السابقة التي أجريت في المملكة المتحدة، كلا من استطلاعات الرأي وإجماع وسائل الإعلام، من أجل زيادة حصة حزبه في التصويت وفي مقاعد البرلمان؛ مما حرم حزب المحافظين المنافس من أغلبيته. وقد استند برنامج كوربين في هذا السياق إلى فكرة العدالة الاجتماعية أيضًا، وقد قدم كوربين على هذا الصعيد مواقف أكثر راديكالية من ساندرز، كدعوته على سبيل المثال إلى العودة إلى تأميم قطاعي الطاقة والسكك الحديدية.
علاوة على ذلك، لا يقتصر التعاطف الشعبي مع الحركات السياسية القائمة على إدانة الظلم بحسب هارفي، على الغرب. إذ يعكس الربيع العربي، من نواحٍ عديدة، التوق كذلك إلى مجتمع أكثر عدلاً. تلك الرغبة العامة في العدالة تجعل الادعاء بأن العدالة هي بمعنى ما صفة أخلاقية طبيعية، أمرًا معقولاً، على حد تعبيره. مع ذلك، لا يزال من الصعب تعريف العدالة بدقة وفق الكاتب، ويستدل الأخير على ذلك بالتاريخ الطويل للتساؤل والبحث الأخلاقي والسياسي داخل التقليد الفلسفي الغربي، الذي تم وصفه من خلال عبارة الفيسلوف وعالم الرياضيات الإنجليزي ألفريد نورث وايتهيد التي لا تُنسى، والتي تصف هذا التقليد بأنه ليس إلا: “سلسلة من الحواشي على أفلاطون”.
جزء من هذه المشكلة أيضًا بحسب هارفي، هو أن فكرة العدالة تتسيد على مجموعة من الظواهر الأخلاقية. وأنه يجب أن يكون الميل إلى العدل متوازنًا مع الرحمة. ويشير الكاتب إلى أنه عندما نوجه انتباهنا إلى المجتمع ككل ونتخيل حالة عالم عادل يسكنه بشر غير معصوم من الخطأ، يتضح أمامنا أن الرؤية الشاملة يجب أن تهدف إلى العدالة، دون إهمال الرحمة. هذا يعني أن القانون الأخلاقي والقوانين التي يجب أن يتوافق معها الفعل البشري على المستوى الاجتماعي يجب أن تعبر عن حكمة قادرة على توحيد هاتين الفضيلتين، تمامًا كما يجب أن يتحدوا داخل حدسنا حول الخيارات الأخلاقية في حياتنا الشخصية.
بحسب هارفي يستخدم القرآن كلمتين متوازيتين للعدالة هما: العدل والقسط. ويقول إنه يتم التعامل مع المصطلحين ككلمتين مترادفتين. ومع ذلك، تظهر الدراسة المتأنية أن هاتين الكلمتين تستخدمان بشكل مميز في المعجم القرآني للدلالة عن جوانب محددة من العدالة. فالقسط بحسبه هو كلمة مشتقة من مفهوم الحصة الممنوحة، لذلك غالبًا ما يكون له دلالة على شكل ملموس ومادي من العدالة؛ بينما يشير مصطلح “العدل” إلى الإنصاف، فإن كلمة “القسط” تشير إلى عدالة التوزيع. ففي القرآن، وفي حين يميل العدل إلى أن يكون وصفًا شخصيًا ومعياريًا للسلوك، فإن القسط يعبر عن تجسد العدالة في الساحة المجتمعية. وعلى هذا المستوى لا تصبح العدالة مجرد فضيلة وصفة تتجسد بشكل خاص داخل الأفراد، ولكن تصير جزءا حقيقيا من العالم الاجتماعي والأخلاقي. وهنا يستشهد هارفي في هذا السياق بقوله تعالي في الآية 25 من سورة الحديد:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٢٥﴾)
يشير الكاتب إلى أن الرؤية أو الصورة القرآنية هي بالأحرى صورة يظل فيها الفعل البشري الداخلي دائمًا في اختبار أخلاقي، ويكون التمييز الدقيق بين العدل والرحمة جزءًا مهمًا من كمالها. هذا لأن العدل والرحمة ينبعان من حكمة الله – ويعودان إليها، في استلهام من الكاتب لكلمات الشاعر جون ميلتون في قصيدة “الفردوس المفقود” على لسان المسيح في خطابه إلى الله: “حتى أعظم الأنهار على الأرض تتدفق في النهاية إلى البحر”.
في ختام مقاله يشير هارفي إلى أنه غالبًا ما يتردد صدى المطالبات السياسية المقدمة من أجل العدالة داخل العالم المعاصر بين مجموعات كبيرة من الناخبين على اختلاف معتقداتهم السياسية، ويؤكد على أن هذه ليست حقيقة مفاجئة، لكنها أمر يعكس طبيعة العدالة – بمعنى القسط، كمشروع اجتماعي تعاوني ورحيم. وبالتالي، غالبًا ما يكون من السهل على النشطاء الدينيين، المحافظين والليبراليين على حد سواء، تكوين تحالفات مع حركات أوسع تدعي محاربة الظلم المجتمعي. وفي هذا السياق يظل مفهوما العدل والرحمة أساسيين للغة التي ينخرط بها البشر على صعيد البحث النظري المشترك، وعلى الصعيد العملي. ويؤكد هارفي في النهاية على أن التوازن بين هذه الفضائل قد حدده الخالق في القرآن من قبل لتحقيق عالم أفضل للبشر، جميع البشر.
[[1]]https://renovatio.zaytuna.edu/article/justice-and-mercy-on-the-scale
[[2]] الياقات الزرقاء: مصطلح يقصد به العاملون في مجال الأعمال اليدوية التي تحتاج إلى جهد بدني مثل عمال المصانع وسائقي الشاحنات وغيرهم، ويقابله من جهة أخرى مصطلح ذوي الياقات البيضاء الذين يعملون في المكاتب، ويقومون بأعمال ذات طبيعة ذهنية مثل المحاسبين والمديرين.



