المقالات السابقة في سلسلة “مجاهدات في التجديد الديني”
“الإصلاح الديني”؛ كثيرة هي الأحاديث والنقاشات اليوم في إعلامنا التي تتعلق بهذا الموضوع، وتدعو بحماس إلى الإصلاح الديني في المجال الإسلامي، وأن سبيلنا إلى الحداثة والنهوض هو النجاح في مهمة الإصلاح الديني، فإزاء هذا النقاش، تطرح عدة أسئلة، من قبيل: ما معنى الإصلاح الديني في المجال الإسلامي؟، وما هي مدياته وحدوده؟، ثم قبل كل هذا: هل الإسلام باعتباره تنزيل من رب العالمين محتاج إلى إصلاح؟
إن هذه الأسئلة التي يطرحها عدد من المسلمين اليوم عندما يستمعون إلى نقاش، أو يقرؤون مواضيع حول الإصلاح الديني، لا تخلو من وجاهة، وتحتاج منا إلى تدقيق وتفصيل للقول حتى يخرج هذا الموضوع من الالتباس الذي يحيط به. بمعنى آخر نحن بحاجة إلى بيان ما الذي يجب أن يُصلح؟ وهل قبولنا بالإصلاح في الإطار الديني يعني بصورة غير مباشرة إقرارنا بفساد الدين أو بعضه؟، وبالتالي ما المقصود بهذا المفهوم؟ وما حاجتنا إليه؟
بداية يجب الإقرار أن الدعوات الأولى إلى الإصلاح الديني بالعالم العربي يرجع ظهورها إلى أواخر القرن 19م، واستمرت إلى النصف الأول من القرن 20م، وذلك عندما برز مجموعة من المفكرين والمجددين في العالم الإسلامي، نادوا بمراجعة عدد من المفاهيم، والأحكام، والتقاليد الإسلامية بما يناسب الطموحات النهضوية للمسلمين آنذاك، وحاجات المعاصرة. وفي سياق هذه الدعوة تندرج أعمال رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، والإمام عبده، وقاسم أمين، والطاهر حداد، وابن باديس، والحجوي، وعلال الفاسي… إلخ.
ولم تختلف في هذا الموضوع التيارات النهضوية الإسلامية وفرقاء الإصلاح في الدعوة للإصلاح الديني وحاجتنا الماسة إليه، فالهزات العنيفة التي تعرض لها التقليد الإسلامي الراسخ عبر قرون أحالت السؤال مباشرة إلى الدين، فعلى سبيل المثال الخروج من الدولة السلطانية إلى الدولة الحديثة، والخروج من النظام الاجتماعي التقليدي إلى النظام الاجتماعي العصري وفي صلبه مسألة التعليم ومكانة المرأة والاقتصاد العصري.. إلخ، ومكانة الإنسان.. كل ذلك شَكَل نوازل وتحديات جديدة بالنسبة للعقل الديني التقليدي.
إننا – اليوم – بحاجة إلى تأمل حصيلة الإصلاح الديني، وإعادة تعريفه بما يرفع اللبس عنه وعن نوايا القائمين عليه، ثم أيضا – وهذا مهم – تحديد إطاره العام.
إن الحديث عن “الإصلاح الديني” في المجال التداولي الإسلامي – كما أسلفنا القول – ينطوي على قدر من الغرابة، وقليل من الناس من يتحمس لهذا المفهوم، ذلك أن الدين في المعتقد الإسلامي يجسد مطلق الصلاح، لا يدركه الفساد بالمعنى العام، وبالتالي هو مستغن من حيث المبدأ عن الإصلاح، ومن ثم راجت وعلى نطاق واسع في الثقافة الدينية الإسلامية قديمها وحديثها مطالب التجديد الديني أكثر من مطالب الإصلاح…، ويحبذ الكثير من الناس في هذا السياق استعمال التجديد الديني بدل الإصلاح الديني، وهو أمر من حيث المبدأ سليم، غير أن مفهوم الإصلاح في هذا السياق والمقصود به يخفف من هذا الاعتراض.
والواقع أن لفظ الإصلاح الديني هو لفظ غير أصيل في الثقافة الإسلامية، ودخل علينا من التثاقف الذي حصل بيننا وبين الغرب منذ القرن 19م، ويعكس في الجوهر تقديرا فكريا ساد لدى كثير من المسلمين مفاده أن المسلمين وهم على عتبة الحداثة، وهم يعملون من أجل النهضة والتقدم، تشبه أوضاعهم الأوضاع الدينية التي مرت بها أوربا خلال القرنين 15 و16، ومن ثم فالتعديلات التي أدخلها الغربيون على ديانتهم المسيحية، والتي سهلت لهم مأمورية التحديث والنهوض، يمكننا – نحن المسلمين – أن ندخل ما يشبهها على ديانتنا الإسلامية، وهو ما قد يسهل لنا العبور من الانحطاط والتخلف إلى التقدم والنهضة.
لقد استعمل الإصلاح الديني في الغرب للدلالة على الجهود التي بذلها عدد من رجال الكنيسة الكبار في أوروبا أمثال الألماني مارتن لوثر (1546م)، والفرنسي جون كالفن (1564م)، ورجال الكنيسة الأنجليكانية في إنجلترا ، والتي كانت تهدف إلى إعادة تأويل الدين المسيحي تأويلا جديدا يخرجهم من الظلمات الدينية للعصر الوسيط إلى نور العصر الحديث، وراجعوا في هذا السياق أصل العقيدة الكاثوليكية ومكانة الإنسان في إطار هذه العقيدة، ومجموعة من الأحكام الأخرى..، بمعنى آخر عملوا على إعادة موقعة الدين المسيحي في الحياة سواء في علاقته بالدولة أو بالاقتصاد أو بالمجتمع والحياة العامة.. إلخ.
إن المفكرين المسلمين وهم يتحدثون عن موضوع الإصلاح الديني كان كثير منهم يستحضر تجربة الأوروبيين مع ديانتهم المسيحية، ويحاول أن ينسج على منوالها في بلاد المسلمين، بمعنى آخر حاولوا إعادة ترتيب علاقة الإسلام بالواقع بكل أبعاده.
وهكذا، فالإصلاح الديني في المجال الإسلامي هو جملة الجهود الفكرية التي بذلها أئمة الفكر الإسلامي على مدى قرن من الزمان تقريبا بهدف تحرير إرادة الإنسان المسلم، وتنوير عقله وقلبه، حتى يمسي قادرا على العطاء الحضاري، ومتكيفا مع عصره. ذلك أن القيود والأغلال التي تقيد إرادة الإنسان المسلم اليوم من حيث الطبيعة هي مجموعة من المفاهيم والعادات الدينية والأنسجة الثقافية… التي أفرزتها تجارب المسلمين عبر التاريخ. والجدير بالذكر في هذا السياق أن حكمنا على هذه المفاهيم والعادات كونها قيودا وأغلالا هو حكم مرتبط بمآلها في الحاضر، ولا علاقة له بدورها ومكانتها في الماضي، فلربما كانت في سالف العهد مفاهيم وعادات تحررية.
إن الاجتهاد في تحرير إرادة الإنسان المسلم اليوم هو في العمق اجتهاد في تحرير المسلم من الماضي بكل خصوصياته التي انقرضت وذهبت، وإدماجه في الحاضر والتاريخ. ولا يكتمل معنى الإصلاح الديني في هذا السياق إلا بتنوير العقل والقلب معا، وذلك بإخصابهما بأفكار وإشارات ولطائف جديدة ناشئة عن الحوار بين التاريخ الواقع وبين الوحي.
فموقف الإصلاح الديني في السياق الإسلامي هو شكل من أشكال عرض “الرسالة” على الواقع المعاصر حتى يُسلم لله؛ فعدد كبير من مكونات هذا الواقع البشرية والثقافية والاقتصادية… لا تعتنق في الحقيقة الإسلام بقدر ما تعتنق التاريخ الإسلامي، أو بعبارة أدق تعتنق الإسلام كما انتهى إليها ملفوفا في ثوب التاريخ. وكثير من أنماط التدين الفردي والجماعي والاجتماعي السائدة اليوم في العالم الإسلامي شاهدة على ذلك، ففي جزء كبير منها هي استمرار لأشكال تاريخية في التدين. وهذه الظاهرة لا يمتاز فيها المتدينون عن غيرهم، فإقرار بعض النساك –مثلا- باتباع “السلف” والاقتداء بهم هو من أحد الوجوه إقرار “باتباع التاريخ”، ذلك أن السلف من الناحية الزمنية هو تجربة تاريخية خاصة، ومستوى حضاري معين، تمثلوا الإسلام وفق ما هو متاح لهم من حيث تقدم المعارف الشرعية، ودرجة تعقد الواقع من حولهم…، وبالتالي يصبح اتباع السلف لدى الكثيرين – في العمق – ركون إلى التاريخ، وإلى مستوى من الحضارة هو أٌقرب إلى البداوة أكثر منه اتصال بمصادر التدين ونبعه النقي.
ويتكشف هذا المعنى في بعض العادات والأحكام الدينية التي تنسب إلى هذا الفريق من الناس والتي تتعلق باللباس، والاختلاط، والموسيقى، والفنون التعبيرية، وعمل المرأة وشغلها لبعض المناصب…
وأما أولئك الذين فروا من “الانغلاق في الماضي” فلم يكن حظهم أفضل، ففاز بهم التقليد، وأصبحوا أسرى الصياغة المحلية والتاريخية للإسلام، التي تنضح بالتناقضات مع الواقع المتجدد والمتطور، بحيث لا يجد التقليديون حرجا في إتيان أفعال متعارضة مع أحكام الإسلام المتوارثة، ويستعملون للتعايش مع هذا التعارض قواعد الاستثناء في الشريعة الإسلامية من قبيل: للضرورة أحكام، والضرورات تبيح المحظورات، وقوله تعالى «إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان» (النحل، 106)، بحيث تمسي كل التصرفات والوقائع تصرفات استثنائية من الناحية الشرعية، ومجموعة من الإكراهات..
وعلى النقيض من هذا كله توجد بعض المكونات في الواقع الإسلامي خلطت بين حقيقة الإسلام والتمثلات التاريخية للإسلام، وجعلت الأمران شيئا واحدا، وهو ما دفعها إلى تبني أطروحة أن لا إصلاح ديني بعالمنا الإسلامي سوى بإخراج الإسلام من معادلة التقدم والنهوض، وهي أطروحة – مهما كانت مبرراتها – فإنها متشنجة اتجاه الإسلام تشنجا يضع أمام رغبات التقدم والإصلاح عراقيل لا حصر لها.
إن مهمة المصلح الديني في سياقنا العربي والإسلامي عامة تبدو شاقة، ومسالكها صعبة، ففي جانب أساسي منها تحيل على العودة إلى “النص الأصلي” وتخليصه من أثقاله التاريخية وحواشيه الزمنية التي ألحقت به، حتى يصبح قادرا على الحلول فينا وبيننا، وممارسا لوظيفته في الهداية والترشيد، ومن ناحية ثانية تحيل على مسئولية تحليل نوازلنا العامة الجديدة والحكم عليها، ومن هذه النوازل: أسلوب الحياة الحضرية، والنظم الاقتصادية، والنظم السياسية، والظاهرة الإعلامية، وثورة المعلومات…، وتحكيم الإسلام فيها. فبهذه الطريقة تزيد حظوظ الإسلام في التكيف والسيادة في الحاضر.
ومهمة بهذا الحجم، وبهذه الحساسية والخطورة تحتاج إلى علماء ونظار من العيار الثقيل…، لهم من الكفاءة والمصداقية الأخلاقية والطاقة الإبداعية والاجتهادية ما يؤهلهم لمثل هذه المهمة.
إن الإصلاح الديني من منظور إسلامي في المحصلة النهائية هو قراءة جديدة لمصادر الإسلام الرئيسة القرآن والسنّة، قراءة إنسانية، تتجاوب مع عصرنا الذي هو عصر الإنسان بامتياز، قراءة تعيد الاعتبار للإنسان المسلم باعتباره كائن، عاقل، حر، ومسؤول على أفعاله، ومسؤول عن مصيره، ومقرر له. قال تعالى: «وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ» (النجم، 39- 41).
إن هذه القراءة يجب ضرورة أن تربط خلاص الإنسان وفوزه بالجنة يوم لقاء الله بالإنجاز والعمران في الدنيا، والانخراط في الحياة، وليس العكس، أي الانسحاب من الحياة، والاشتغال على الخلاص الفردي بحيث يكون قوله تعالى «وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا»، فالفوز في الآخرة مرتبط بحسن السعي في الدنيا، والفعل الإيجابي في الحياة.
من المؤكد أن مثل هذه القراءة الإنسانية للإسلام، القراءة التي تتوافق مع متطلبات هذا العصر، تطرح علينا مواقف وتأصيلات وأحكام جديدة، تتعلق بالمساواة بين المرأة والرجل، تتعلق بحقوق الإنسان، بالقيم الإنسانية والكونية، بحقوق الطفل… إلخ، وكلها قضايا وأحكام جديدة، يجد التأويل التقليدي للإسلام صعوبة في استيعابها.
إن الإصلاح الديني في نهاية التحليل هو جملة مواقف أخلاقية وشرعية من الواقع المعاصر، وهو أيضا مجموعة من الاختيارات العملية الجديدة التي يجب أن يسلكها المؤمنون لإخضاع الحياة لله تعالى، وبالتالي فهو يعكس درجة نفاذية العقل الإصلاحي إلى النص الشرعي، وبلوغ جواهره من المعاني والمقاصد مُجردة عن ظروف المتقدمين، وأيضا يعكس صواب تحليل الواقع المعاصر بشتى ظواهره وطبقاته.
ومن الناحية المنهجية، فطريق الإصلاح الديني، ومساراته ليست واحدة، بل متعددة، وغنية، وتحتمل الاختلاف والتعدد حسب طبقة المفكرين والعلماء، وشروطهم الظرفية، فالأشكال التي يتلقى بها المفكر المصلح المعاصر الرسالة المحمدية، والمعاني التي تقع في خلده، ويحاول إذاعتها بين المؤمنين ليست واحدة، كما أن مستويات تحليل الواقع المعاصر مختلفة، وعوائق النهضة وأغلال الإرادة في تصور هؤلاء المفكرين ليست متماثلة. وهو ما يدفع “ببرامج” الإصلاح الديني إلى الظهور بمظهر المذاهب المعاصرة، وتتشابه من الناحية الشكلية مع المذاهب التقليدية الفقهية والعقدية.
لقد نشأت في الماضي المذهبيات التقليدية إثر حوادث سياسية وعقدية مثل حادث الخلافة الراشدة (الإمامة)، وحوادث مواجهة العقيدة الإسلامية لأسئلة الملل والنحل الشرقية…، أو نوازل فردية وعينية مختلفة وجديدة كما هو الشأن بالنسبة للمذاهب الفقهية، أو بحسب طُرق بناء الفتوى والأدلة الفقهية، بينما تتأسس “برامج” الإصلاح الديني ومذهبياته في اللحظة المعاصرة، في جملتها على ثلاث حيثيات ونوازل كبرى: الانحطاط الحضاري الذي عانى منه المسلمون في عصورهم المتأخرة وبنيات هذا الانحطاط الراسخة في الوعي والعادات؛ وواقعة “الحداثة” المجسدة في البنيات والنظم السياسية والقانونية والاقتصادية والإعلامية والثقافية… التي جاءتنا مع الغرب ومن الغرب؛ وعلى الثورة الإنسية أو الإنسانية التي دخلتها البشرية مع عصر الحداثة منذ عصر النهضة الأوروبي.
ومن ثم، فالأعمال ومدونات الاجتهاد التي تفكك بنيات الانحطاط في وعينا المعاصر، وتتوخى تأهيل الذات للتكيف مع معطيات الحداثة تكيفا إيجابيا يحفظ للذات أصالتها من ناحية، ويحرر إرادتها وينور عقلها وقلبها من ناحية ثانية، هي بالضرورة أعمال إصلاحية، وحتى ولو لم يدَّع أصحابها ذلك. فعن هاته الظروف نشأت مذهبية معاصرة وجديدة، معانيها وقضاياها أكثر حضورا في الواقع، وأبلغ أثرا، مقارنة بالمذهبية التقليدية..
إن الطريقة التي نعيش بها الإسلام اليوم هي في جانب منها ترجمة عملية وثقافية لمراجعات “الإصلاح الديني” للمفاهيم الدينية وبنيات الانحطاط، وأيضا هي التمثل السياسي والثقافي للموقف من الحداثة وسبل التحديث الإسلامي…. سواء أدرك المسلمون ذلك أو لم يدركوه، فالتسويات الصغيرة التي يقوم بها المسلم في إسلامه اليومي هي الجزئيات المعبرة عن نظرية في الإصلاح الديني مبثوثة في الواقع كليا وبالقوة، ولو لم تكتمل من الناحية النظرية.
فالإصلاح الديني خارج هذا السياق لا يوجد، ولا معنى له وإن ادعى البعض ذلك. فمؤلفات كبار المفكرين المسلمين، وكل المكافحين من أجل الحداثة والتقدم سواء اتفقنا معهم أو اختلفنا تندرج كلها في باب الإصلاح الديني ذلك أنها في نهاية التحليل تريد أن تعزز المشروعية الدينية للواقع وفي الحاضر.
إن الإصلاح الديني أو التجديد الديني في اصطلاح البعض هو إعادة إنتاج للثقافة والقيم الإسلامية وفق متطلبات العصر، واستنادا إلى ثوابت القرآن ومعانيه اللازمنية، ومن جميل الأثر في هذا المعنى قول أحد الفلاسفة: “لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم“، وهو الكلام الذي امتدحه ابن القيم واعتبره من الحكمة التي تعد ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها.



