يكتسي كتاب “رسالة راهب فرنسا ورد القاضي أبي الوليد الباجي عليها: دراسة تحليلية تاريخية مقارنة بين عقائد الإسلام والنصرانية” لمؤلفه يونس إمغران أهمية بالغة في مجال الحوار والجدل الديني، وهو كتاب جدير بالقراءة والنظر، ويمكن قراءة هذا الكتاب/ الدراسة من عدة أبعاد أو مداخل، سأقتصر منها على الآتي:
المدخل الأول: إن هذه الدراسة قام بإنجازها باحث متميز من طينة الأستاذ يونس إمغران الذي درس علم مقارنة الأديان واهتم بتاريخه وتطوره المنهجي والعلمي، وقد شهد له بذلك الدكتور يوسف الكلام، وهو أستاذ علم مقارنة الأديان بدار الحديث الحسنية، فأشاد بهذا العمل في تقديمه له.
وقد اعتمد مؤلف الكتاب في دراسته على أزيد من مائة مصدر ومرجع تنتمي إلى حقول معرفية متنوعة، فجاء بحثه مكتمل البناء، مستوي الأركان، تام الغرض والهدف.
وانطلق المؤلف في دراسته من مشكلة أساس وهي البحث في الجدل الديني، والتي يتفرع عنها جملة من الأسئلة: ما هو الحوار والجدل الدينيان؟ وهل نحن في حاجة إلى هذا الحوار وهذا الجدل؟ وما هي أهميته؟ ولماذا تم التركيز، قديما وحديثا على الجدل الديني الإسلامي / المسيحي؟ وما هي انعكاسات هذا الجدل على حركة الواقع؟ ودينامية الإنسان في صناعته للاجتماع الإنساني؟
وللإجابة عن تلك التساؤلات توسَّل المؤلف بمنهج المقارنة لتفكيك نص رسالة راهب فرنسا وجواب القاضي أبي الوليد عليها، بالإضافة إلى منهج الوصف والتحليل، والمنهج التاريخي.. مما ساعده على بلورة نتائج هامة ومفيدة في هذا الحقل المعرفي الواسع والمتشعب.
فانتظم الكتاب في مقدمة وبابين، فأما الباب الأول فخصصه الكاتب لبيان الجدل بين التاريخ والدين، وقسمه إلى تمهيد وثلاثة فصول، تحدث في الفصل الأول عن مفهوم الجدل عموما، وعن الجدل في المفهوم الإسلامي، وفي الفصل الثاني تطرق إلى الجدل الديني في الأندلس خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، وفي الفصل الثالث تحدث عن أوربا المسيحية في القرون الوسطى ونظرتها إلى الإسلام.
وأما الباب الثاني فخصصه لموضوع الكتاب وهو تحليل رسالة راهب فرنسا ورد القاضي الباجي عليها، وجعله في تمهيد وثلاثة فصول، تطرق في الفصل الأول لرسالة راهب فرنسا موضحا المصادر الدينية والمعرفية التي اعتمد عليها الراهب في رسالته، ومنهجه العام في كتابة متنها ومضامينها ومقاصدها، وذكر أيضا المنظومة العقدية للديانة النصرانية بتحديد أهم المفاهيم العقدية: الله في النصرانية، وإبليس، وعقيدة التجسد والالتحام، والصلب والفداء، وعقيدة البعث ومحاسبة المسيح للناس..
وفي الفصل الثاني تناول الباحث تحليل رد الباجي على رسالة الراهب، فقدم ترجمة مختصرة للقاضي الباجي، وتطرق إلى منهجه العلمي في الفقه والجدل ونقد العقائد النصرانية من خلال جوابه على رسالة راهب فرنسا، مبينا المصادر التي اعتمدها الباجي في جوابه وكذلك مضامين هذا الجواب ومقاصده. وخصص الفصل الثالث للحوار الإسلامي المسيحي وآفاقه في الحاضر والمستقبل وبين فيه تعدد الآراء والمواقف، – بإنصاف وموضوعية- بين من يرفض هذا الحوار ومن يؤيده ويشجع عليه.
وختم بحثه بجملة من النتائج والتوصيات الهامة، من أهمها: أهمية رسالة الراهب الفرنسي ورد الباجي عليها ومقاصدهما في الانتصار لهذا الدين أو ذاك، وتحدث عن جدوى الاهتمام بعلم مقارنة الأديان والدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من مقاربة الجدل الديني في ظل تطوره اليوم منهجا ورؤية وغاية وعن الآفاق التي ينبغي للعالمَين الإسلامي والمسيحي التفكير فيهما لإنهاء حالات التوتر والمواجهة بينهما فكريا ودينيا وعسكريا.
المدخل الثاني: ويتعلق بموضوع الدراسة التي تنتمي إلى علم الجدل الديني، هذا العلم الذي يعد من أهم العلوم التي أنتجتها العقول الإسلامية، والذي يقوم بالأساس على المواجهة العقدية بين أصحاب الأديان والملل المختلفة، والذي يسعى إلى بناء تصور مخصوص مؤداه أن الجدل والمجادلة هي الخصومة والشدة في مقارعة أتباع الأديان المغايرة، ولا سيما النصرانية منها أو هي الحوار الذي يقتضي المقارنة بين معتقدات ونصوص الأديان بقصد الوقوف على دلالات الائتلاف والاختلاف فيما بينها.
وبناء على ذلك، فالجدل ضرب من ضروب المناظرات التي لا تقر بعقائد الآخر، ولا تتأمل محتواها إلا لدحضها، وهو ما أدى إلى تعدد وتنوع القضايا والمقالات التي دار حولها الجدل النصراني/ الإسلامي، على أن جميع الموضوعات الجدلية هي في تقديري، بمنزلة الفروع التي ترتد إلى الأصول المتمثلة في مسائل الألوهية والنبوة والوحي (القرآن والتوراة والإنجيل).
ويمكن القول، إن تلك المجادلات والمماحكات بين المسلمين وأهل الكتاب، لم تخل من الصراع والتعصب، وتعاظم النزعة الاقصائية التي رامت إثبات صحة معتقدات كل طرف بالإساءة إلى مقدسات ومعتقدات الطرف الآخر.
ومن الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها التعريف بالدين والدعوة إليه الحوار مع المخالفين، فليست الدعوة عرضا جافا يبتغي القبول أو الرفض في صمت، وإنما هي دعوة حوارية – جدلية، تقبل الاستفسارات والاستبيانات، بل الاعتراضات والتعقيبات، ليكون الأمر تدافعا في الرأي يقوم على الحجة، لتستبين الحقيقة لمن يطلبها، وهي دعوة تنضبط بقواعد الحوار وآداب الجدل والمناظرة
ولا يخفى على الدارسين والباحثين والمهتمين بدارسة الأديان قديما وفـــي العصر الحديث، دور الجدل العقدي والديني وعلم مقـــــارنة الأديان في مـــد جســـور التواصل بين الثقافات والحضارات المتباينة والمختلفة والمتصارعة أحيانا، وقدرته على إرساء أرضية صلبة للحوار، وأهميته أيضا فـــــي ترسيخ قيم العفو والتعارف والتعايش والسلم والحرية والعــــــــــدل، و ثقافة الاعتراف بالآخر والدفاع عن حقوقه وتقدير واحترام مقدساته ومعتقداته، وثـــــوابته الدينية وشعائره التعبدية ومشاعـــره الإنسانية، ونبذ كـــــل أشكال التعصب والعنف.
وقد اتكأ الجدل والحوار بين مفكري الإسلام ومعتنقي الأديان الكتابية على الاستدلالات المنطقية، والحجج الكلامية، والشواهد النقلية لإبراز ما في عقيدة الآخر من تحريف وفساد وترد، واهتم الجدل العقدي كذلك، بدراسة ما انطوت عليه النصوص المقدسة لأهل الديانات الأخرى، والتنقيب في تراثها الديني لاستجلاء المعتقدات والآراء والرؤى بخصوص الكون والإنسان والحياة والمصير، بغرض تفسيرها وتحليلها وتقويمها ونقدها.
ولم ينشأ علم الجدل العقدي الإسلامي دفعة واحدة، بل سبقته تطورات كثيرة، ولعل الأساس الذي كان بذرته الأولى، يكمن في نصوص القرآن التي تحض على الجدال بالتي هي أحسن …
وفي هذا السياق يأتي كتاب الباحث يونس إمغران “رسالة راهب فرنسا ورد القاضي أبي الوليد الباجي عليها دراسة تحليلية تاريخية مقارنة بين عقائد الإسلام والنصرانية“، هذا العمل الذي يتطلع إلى منح المكانة اللائقة لعلم مقارنة الأديان والحوار الإسلامي مع الغير، وكذلك، الإسهام في إعادة الاعتبار له، والمشاركة في إحيائه وبعثه وتجديده، والعمل على تثمينه وتقييمه وتقويمه، وإبراز مدى أثره وتأثيره فــي الواقع الإنساني بأبعاده المختلفة، ومستوياته المتباينة، وجوانبه المتعددة الثقافية والحضارية والسياسية..
ويبدو جليا أن الغرض من هذه الدراسة، بسط جملة من الإشكاليات والموضوعات التي تتعلق بالحوار الحِجاجي بين الإسلام والمسيحية، وبخصائص البحث النقدي، الجدلي، المقارن في المدونات الجدالية الإسلامية/المسيحية، من خلال تحليل ودراسة رسالة راهب فرنسا ورد القاضي أبي الوليد الباجي عليها، باعتبارها أنموذجا للمدونات التي تناول فيها مؤلفوها النظر في المعتقدات من خلال الفحص الدقيق لمضامينها، الأمر الذي أدى إلى تعميق السجالات والمجادلات بين أتباع تلك الأديان وتوسيع دائرة المناظرات بينهم.
ورسالة راهب فرنسا هي رسالة بعثها راهب دير كلوني Cluny بجنوب فرنسا إلى المقتدر بالله حاكم سرقسطة، أحد ملوك الطوائف بالأندلس، ذكر فيها أسس العقيدة المسيحية، من تثليث وتأليه للمسيح، وصلبه وفدائه، كما ذكر فيها إنكاره وأهل دينه لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأنها من تلبيس إبليس على بني إسماعيل، ليكفروا بالمسيح، ومن ثم فهذه النبوة المحمدية خطأ جسيم، وشقاء للإنسان.
فقام بالجواب والرد على تلك الرسالة، القاضي أبو الوليد الباجي الأشعري، وضمن رده انتقادا لأقوال الراهب واعتقاداته، وبيَّن تناقضها، ثم أبان له محاسن الإسلام. وأما منهج الباجي النقدي، فيُظهر رؤية إسلامية صحيحة وعميقة، للعقيدة النصرانية، وذلك ببيان ما انطوت عليه العقائد المسيحية من مجافاة للعقل، موظفا في ذلك أسلوب الحوار والمجادلة بالحسنى والتلطف بالراهب وحسن التأتي له، والحرص على تأنيسه وتأليفه وهدايته إلى الحق.
ورغم الاختلافات الكثيرة التي تطالعنا في تلك المناكفات الكلامية والمدونات الجدالية، بيد أنها اشتركت في ذات الأغراض والمقاصد، فراهب فرنسا (على اختلاف العلماء في تحديد هويته) كانت رسالته بمثابة دعوة لاعتناق المسيحية والإيمان بالرب يسوع المسيح مخلِّصا وفاديا، وأما جواب القاضي أبي الوليد فهو دعوة إلى الإسلام، وإلى إثبات صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والدفاع عن عقائد الإسلام بالحجة و البرهان وإظهار محاسن الإسلام العظيم، وهو أيضا جواب لدحض العقائد النصرانية وإثبات تهافتها وزيفها، ولأجل ذلك سلك القاضي أبو الوليد في رده مسلك علماء الأشاعرة بتوظيفه أساليب النقد والمقارنة وقواعد الاستدلال الحجاجية كآليات و مقومات جوهرية لإفحام خصمه المناوئ.
ويمكن القول، إن علماء الإسلام وخصوصا علماء الأندلس أظهروا تميزا استثنائيا ونوعيا في هذا المجال، سواء من حيث إسهامهم في التأسيس لعلم الجدل الديني الإسلامي، أو من حيث ممارسة وتفعيل ما يمكن أن نطلق عليه علم الأديان العقائدي، فالمجادلون والنقدة المسلمون ما انفكوا يحددون المقالات الجدالية، ويضعون المناهج العلمية الرصينة لهذا العلم، حتى أضحت نبراسا لكل المهتمين من المسلمين وغير المسلمين من الملل الأخرى.
المدخل الثالث: إن قيمة هذه الدراسة تتحدد بقيمة جواب أبي الوليد على رسالة الراهب الفرنسي، فإذا أردنا أن نعرف حقا قيمة رد أبي الوليد الباجي، وما أودع فيه من حكم علمية وأسرار منهجية، فلا بد من التعرف عليه وعلى شخصيته، عبر كل مراحلها، وفي كل أبعادها الاجتماعية والنفسية والدينية والعلمية، ذلك أن سِيَر العلماء تختصر للباحث دروسا شتى ومناهج شتى، خاصة إذا كانت الشخصية المدروسة من العبقريات النادرة، ولا شك أن أبا الوليد الباجي هو من القلائل في تاريخ الأمة ممن كانوا منارات في طريق تجديد الدين، ونهضة العلم والعلماء، وقد امتد تأثيره من الأندلس إلى المشرق فسارت بعلمه الركبان ونفع الله به خلقا كثيرا ولا يزال .
ولأبي الوليد الباجي تآليف مشهورة منها كتاب “الاستيفاء في شرح الموطأ” وكتاب “المنتقى في شرح الموطأ” وكتاب “السراج في علم الحجاج” وكتاب “إحكام الفصول في أحكام الأصول” وكتاب ” المنهاج في ترتيب طرق الحجاج”.



