تعود الذاكرة بالمرء إلى صغره وصباه في الأزقة وبين الدروب، ويتأمل حال من عداه ممن أقبرت الحياة وتغيراتها طفولته، ليرى حجم البون الآخذ في الاتساع. ففي الوقت الذي كان الطفل فيه ينعم بالحرية ويتمتع بالأشياء من حوله، يلاعبها وتلاعبه، ويستمتع مع الأطفال من أقرانه، يشاكسهم ويمازحهم ويخاصمهم، فيتحرر عقله وجسده، وينطلق خياله، ليكسر رتابة يومه، ويمتع نفسه، ويبرز للمحيط ذكاءه، ويحفز غيره على التفكر والتأمل، والتنافس في السبق للاكتشاف والاستكشاف، وتجاوز حدود الواقع، نجد طفل اليوم قنوطا عجولا كئيبا، قلَّت الأشياء من حوله، وتفرق الأصحاب من أقرانه، فكل واحد يخلو بهاتفه أو تلفازه، أو يلتف على نفسه وأسرته، ويحمل هَمَّ دراسته، التي تتطلب واجبات بليله ونهاره، ولم يشتد بعد عوده…
فيما مضى كانت مساحة اللعب متسعة في الصغر، وتأخذ في الانحسار مع البلوغ، لتترك حيزا لما يساعد على الانخراط في المجتمع، وكل واحد وإمكاناته واستعداداته… يبدأ اليوم باللعب وينتهي باللعب، ولتتخيل ما شئت من أشكاله وألوانه، فالبنات لهن صنع العرائس، والتحايل على الحبل بالنط أو الشد، والقفز على الخيط المطاطي عبر مراحل، وكل مرحلة أصعب من التي قبلها، والضرب على أوراق صغيرة بها رسومات بديعة ملونة لتنقلب على وجهها..، والقفز بين مربعات ترسم بالطبشور أوالجير على الأرض (الحجلة)، والتفرق بين الدروب ووراء الجدران للاختباء (الغُمَيضة)، ورميُ الحجارة الصغيرة إلى الأعلى والتقاط أخرى على الأرض في نفس الوقت (لعبة الحجر)، واللُّعب الإنشادية المصحوبة بالحركات (افتحي ياوردة، إغلقي يا وردة)، واللَّعب بالأيادي وبالورق، وغير هذا من الألعاب اللطيفة والأنيقة والهادئة التي كانت ديدن البنات في البيوت والأحياء والمدارس.
وللذكور ما تتخيل من الجري والركض والقفز، والكرة والضرب والجرح، والألواح والمسامير، والعجلات والاعتداءات، والكرات الزجاجية والطين، والحجارة والقطعة الخشبية المخروطية الشكل (الطرومبة)، وغيرها مما طابعه الشراسة والقوة والتحدي.
هي ألعاب متعددة متنوعة، القاسم المشترك بينها في الجملة، التفاعلية والبساطة وعدم التعقيد، ومجانية لعبها وبَخس ثمن أدواتها، واعتمادها على مهارات وقدرات بدنية وذهنية، ومراوغة ومناورة، وذكاء وخفة، في إطار من المنافسة والتسلية، والرغبة في الفوز، وربح بعض أدوات اللعب، أو الاحتفاء بالذات وانتصارها في معارك الحياة اليومية بالزقاق، واستدعاء الهيبة وفرضها، فالغلبة للأذكى أو للأقوى، أو لهما معا. وفي الليل لعب مع الإخوة، ومشاهدة لحلقات من رسوم متحركة تسبح بخيال الطفل ليكمل رحلة النهار، وينعم بليل ملئ بانتظارات الغد، للسفر إلى عالم ملئ باللعب والتحدي، والصداقات والعداوات، وبنوم عميق يريح الجسد الذي أتعبته انفعالات يومه. وهو بهذا يمارس ضرورة من ضرورات حياته، ويستخدم خبراته ومهاراته لخلق عالم خاص به. تقول الطبيبة النفسية الأمريكية والمؤلفة كاي ريدفيلد جاميسون: “يحتاج الأطفال إلى الحرية والوقت للعب، اللعب ليس رفاهية، اللعب ضرورة.”
كانت الأحياء الشعبية، تعج بالحركة والحياة، صخب وصراخ هنا وهناك، وضحكات تعلو وتتوالى، وبكاء وعويل، وخصومات ووساطات صلح بين الكبار وبين الصغار، وبينهما معا. تضيق البيوت بأبنائها، فتتسع حياة الحارة لهم، وتمدهم بموارد الانطلاق. لقد كانت الحياة بالحارة تزهو، ومعها الطفل ينمو… ينمو اجتماعيا وجسميا وعقليا ووجدانيا…
في الجماعة أمن وأمان، والذئب يرعى من الغنم القاصية…فلا وساوس ولا هواجس تقض مضجع الآباء والأمهات، خوفا على أبنائهم، ولا حرصا يشل حركتهم، بل تحرر وانطلاق، مع رقابة ومتابعة من الأهل والجيران، ولا تلفاز ولا حواسب ولا هواتف، تزج بهم في عوالم من التطلع إلى دنيا مزيفة عنوانها الاستهلاك وتسويق الأوهام
في الجماعة حفاظ على منظومة القيم والمثل العليا الناظمة والرابطة للماضي بالحاضر في نسق دافع رافع، واستواء النفس وسلامتها، فلا مكان لأمراض العزلة والتوحد وضعف التركيز، وفرط الحركة ونقص الفيتامينات وما يستتبعها من آلام وأعطاب كما هو حال أبناء اليوم.
إن الغاية من تقديمنا وعرضنا للألعاب الشعبية مع ما تحمله من حفظ للذاكرة والموروث الجماعي، إنما هي تنبيه الأذهان إلى تأمل ما وراء اللعب من مساحات للتخفف من ضيق البيت إلى رحابة الحي، ومن حياة العزلة والهواجس إلى حياة الجماعة والاندماج والاستئناس، ومن الجمود إلى الحركة، ومن هجر العادات والقيم والتقاليد إلى تناقلها عبر محاكاة الكبار أو عبر تصريفها في الحوارات والمواقف المتضمنة في اللعب. ولا شك أن الأبناء زينة الحياة في الأزقة كما في البيوت، وهم ملحها وأعمدتها، إذا لم نرغب فيهم رغبوا عنا، وإذا لم نفكر في تجويد حياتهم شقوا وأشقوا، وملوا منا ومللنا منهم. والمتأمل في أبناء اليوم وأسرهم، وبالنظر إلى ما ذكرناه من حال أطفال الأمس، يصدمنا ما يعيشه أبناؤنا من انكماش في الأجساد وفقر في المتع الحقيقية وعلى رأسها اللعب، باعتباره أساسا من أسس البناء النفسي الطبيعي للطفل.
إن الفطرة السليمة لدى الأطفال تنحو منحى الجماعة، وتكره الانفراد والنأي بعيدا، لكن العالم من حولنا، بالشمال أو الجنوب، بما فيه من تزايد انشغالات الآباء اللامتناهية، وتراجع الأسر الممتدة، مع نوويتها وقلة أفرادها، وقصف المواقع والهواتف، وقهر العالم الرقمي، وضغط الحياة المدرسية، والتضحية باللعب لأجل الأنشطة المنتظمة والداعمة، وانكسار الحياة الشعبية بعلاقاتها وشغبها وشغفها، يأتي على سلامة أبنائنا واستوائهم. الشيء الذي يدفعنا إلى مساءلة القائمين على تدبير الشأن العام وتصريف الأعمال، عن وعيهم بالمتغيرات التي طالت حياة أطفالنا، واستيعابهم لما آل إليه حالهم، وجعلهم الطفل ولَعبه ضمن مشاريعهم وهواجسهم، فغابات الإسمنت الآخذة في تجميد حياة أبنائنا، وغياب الأحياء الآمنة، وضعف المرافق الرياضية الملائمة، والمناطق الخضراء الرحبة، تجعل أبناءنا يرتمون قسرا في أحضان الشيخوخة المبكرة، أو الألعاب الأنيقة النظيفة في المنتزهات والمنتجعات بالنسبة “للمترفين”، والتي لا تغني ولا تسمن من الجوع للآخر القرين. وزائر المصحات وعيادات الطب النفسي والعلاج السلوكي سيقف على تنامي ظواهر القلق والاكتئاب والتوحد وما يماثلها من الأعطاب التي تأتي على محصولنا من الحاضر ومعه المستقبل المخيف المفتقد لحيوية ساكنته وسلامتهم.
إن الوعي بما عليه أطفال اليوم من الهدر الخاص باللعب، يستدعي لزاما تحمل الآباء لمسؤوليتهم، والاتجاه صوب تأمين حياة أبنائهم، والنضال لأجلهم، وتأهيل الآباء لاحتضان أبنائهم، وتعميم العلاج السلوكي وعيادات الطب النفسي الطفولي، وتوفير الدعم اللازم للمؤسسات الأهلية المختصة في الطفولة، وتأسيس النوادي المجانية، والاهتمام بمرافق الأحياء الترفيهية، وإحياء الألعاب الشعبية، لانتشال الأطفال من براثن الهواتف والمواقع، وشرح صدورهم للحياة، وإعدادهم لخوض غمارها.



