ظهرت أولى الحركات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي في بداية القرن الماضي، وناضلت على امتداد قرن من الزمان تقريبا، تدعو إلى إعادة الاعتبار للإسلام في الحياة العامة، والعودة إلى الإسلام، باعتباره المدخل الوحيد والرئيس لاستعادة الأمة لكبريائها التاريخي، ومكانتها الحضارية بين أمم الأرض. ورفضت في هذا السياق كل دعوات اللَّبْرَلَة أولا، ثم الاشتراكية ثانيا.. واعتبرتها تبعية، وأيديولوجيات تغريبية وإلحاقية لا خير فيها.
ولم تكن تجربة هذه الحركات والأحزاب تجربة هادئة ومرحبا بها في السياق العربي والإسلامي الذي أعقب نيل العديد من الدول العربية والإسلامية استقلالها، ونشوء الدول الوطنية، بل على العكس من ذلك اعتبرتها الكثير من الأنظمة تجارب ودعوات ضالة، «انفصالية»، ومؤامرة على الوحدة، والنسيج القومي.. وواجهتها بالقمع والتنكيل، كما أن الكثير من المنتسبين إليها رفضوا هذه المعاملة، وصدرت عنهم ردود فعل عنيفة.. وبالرغم من قساوة هذه التجربة ومنعرجاتها الصعبة، فقد حافظت على التزامها الأيديولوجي، وعقيدتها السياسية التي لم تنل منها إكراهات الواقع وظروفه القاسية.
إن مشكلة الحركات والأحزاب الإسلامية الكبرى من منظور تاريخي تتجلى أساسا في كونها أحد إفرازات ونتائج رياح الحداثة التي هبت على العالم الإسلامي وبشكل قوي منذ القرن التاسع عشر، لكنها في الآن نفسه تشكل كمشروع إصلاحي نقيضا لها، أو على الأقل هكذا ينظر إليها، ومن ثم فقد كان قدرها ولا زال مواجهة معارضتين قويتين، لها من أسباب القوة والعنف ما يجعلها دائما متفوقة على هذه الحركات والأحزاب، وهما القوى المحافظة والمستبدة، التي لا ترى وجها للسيادة خارج إطار الشوكة والتغلب؛ والقوى الخارجية التي ترى في هذه الكيانات تهديدا استراتيجيا لمصالحها ولكل نفوذها في الجغرافية العربية والإسلامية، بل الأكثر من ذلك تنعش ذاكرتها الصليبية والهوياتية.
ومن ثمّ، استحال على هذه الحركات والأحزاب بلوغ السلطة بطرق سلمية وديموقراطية في ظل أنظمة استبدادية منغلقة، وفي ظل معارضة أجنبية ثابتة، وأن المرات التي وصلت فيها بعض هذه الحركات والأحزاب إلى السلطة كانت عن طريق الانقلاب أو الثورة كما هو الحال في السودان وإيران.
لكن، ومع حلول القرن الواحد والعشرين، وأحداث ما عرف بالربيع العربي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، تمكنت العديد من الحركات والأحزاب الإسلامية من بلوغ السلطة والمشاركة فيها بعد انتظار طويل، وقمع مزمن.. وذلك بسبب الانهيار الذي أصاب منظومات الاستبداد السياسي تحت ضغط الشارع، وبسبب نوع من التساهل والتسامح الذي أبدته القوى الغربية مع ظاهرة الربيع العربي ومخرجاتها، وفي مقدمتها وصول الإسلاميين للحكم.
إن تجربة السلطة لدى الإسلاميين كانت تجربة وامتحانا صعبا، تعرضت فيه لاختبار أفكارها الإصلاحية ومدى واقعيتها، وصدقية فهمها للواقع؛ ومدى استعدادها للتفاهم مع الآخر الغربي، والتنازل له، والتجاوب مع مساوماته، والاعتراف بقانون الطبيعة، قانون ميزان القوى، وتصحيح فهمها للعلاقات الدولية باعتبارها علاقات يحكمها قانون الغاب وليس قوانين العدالة والديموقراطية…
لم تمض مدة طويلة على استقرار الحركات والأحزاب الإسلامية في بيت السلطة، حيث سرعان ما عادت القوى القديمة إلى الحكم بأشكال وعناوين مختلفة، ورجع أغلب الإسلاميين إلى عاداتهم القديمة في المعارضة، وإعمار السجون والمعتقلات، وفي أحسن الأحوال إلى شتات من اللاجئين..
لقد ذهب الكثيرون إلى إدانة تجارب الإسلاميين في السلطة، وحَمَّلوهم مسؤولية الخراب الذي حلّ بالدول التي باشروا فيها الحكم، وتجاهلوا في هذا السياق كل العوامل الأخرى التي كانت وراء فشلهم وخروجهم التراجيدي من السلطة، وعلى رأسها تحالف قوى المحافظة السياسية في الداخل مع القوى الأجنبية التي وفرت الغطاء السياسي والدبلوماسي لطرد الإسلاميين من السلطة.
ومن ثمّ، فالجواب عن السؤال المطروح حول إمكانية عودة الإسلاميين مرّة أخرى إلى السلطة في العالم العربي والإسلامي، الذي نفتح النقاش حوله في هذه النافذة، يرتبط –في تقديرنا- بشجاعة وعمق المراجعات الفكرية والسياسية التي ستقدم عليها الحركات الإسلامية في القادم من الأيام والأعوام، ويرتبط أيضا بطبيعة فهمها وتفسيرها للسقوط الكبير الذي أصابها.
ومن وجهة نظري، أظن أن العناوين الكبرى لهذه المراجعات يمكن اختصارها في التالي:
1- التخفيف من طموحاتها الديموقراطية وتطلعاتها التحديثية على الصعيد السياسي، وذلك بإيجاد مساحات للتوافق والتعايش مع المحافظة السياسية بأشكالها العشائرية، والعسكرية، والتقليدية.. والاعتراف لها بالشرعية؛
2- تبني مرجعيات فكرية-إصلاحية قادرة على إمداد التجربة السياسية بحاجياتها الأخلاقية من جهة، وتحريرها من جهة ثانية، فالأطر المرجعية السائدة لحد الآن داخل مختلف الحركات والأحزاب الإسلامية متجاوزة واقعيا، وتشكل عبئا ثقيلا على التجربة؛
3- إعادة النظر في تصورها للعالم، وللعلاقات الدولية، وتبني لغة المصالح في مخاطبة الآخر والتواصل معه، بدل اللغة الأخلاقية والمثالية…
وختاما؛ إن الأفكار ورؤوس الأقلام المعبر عنها في السطور السابقة، ليست الغاية منها الجواب عن السؤال بنوع من الدقة والوضوح، ولكن الغاية الأساسية من ورائها إثارة العقول لطرح المزيد من الأسئلة، والأفكار حول هذا الموضوع، والتي من شأنها توسيع مساحة الوعي الإيجابي في هذا الباب. وفي هذا السياق لا يفوتني في نهاية هذه “اللافتة” أن أعبر لكم عن تقديرنا لاختلافكم معنا قبل اتفاقكم، ومرحبا بوجهات نظركم.




Tetracycline is an antibiotic used in the 60 s to treat infections that caused permanent discoloration in teeth, making them a brownish grey color natural viagra pills
I believe the tamox is causing it propecia walmart