صدرت حديثًا عن مركز نهوض للدراسات والبحوث ترجمةُ دراسة الباحث والأكاديمي المصري أحمد عبد المجيد الصادرة باللغة الإنجليزية منذ عدة أعوام تحت عنوان “Reversing Schmitt: The sovereign as a guardian of rational pluralism and the peculiarity of the Islamic state of exception in al-Juwaynī’s dialectical theology” (في مقابل شميت: الحاكم المُطلق كوصي على التعددية العقلانية وخصوصية حالة الاستثناء الإسلامية في لاهوت الجويني الجدلي) والتي نشرت لأول مرة في ” European Journal of Political Theory “( المجلة الأوروبية للنظرية السياسية) عام 2017 . تقدم الدراسة تصورًا للسيادة في علم الكلام السني من خلال إعادة قراءة كتاب “غياث الأمم في التياث الظلم” لأبي المعالي الجويني الذي يحاول في هذا المصنف استكشاف أسس السلطة السيادية في الإسلام من خلال النظر في حالات الاستثناء وفقًا للمعايير السياسية، والذي يخلص فيه على عكس المفكر الألماني كارل شميت إلى أن حالة الاستثناء التي تحدد جوهر السيادة هي غياب السلطة السيادية نفسها.[[1]]
يقول عبد المجيد إن سيادة “الإمام” الراعي الوظيفي للمجتمع المسلم تتمثل في حماية الطيف التعددي للتأويل العقلاني في المجتمع، وتُعرف حدود هذا الطيف التأويلي بحسبه من خلال: فهم الطرق التي يمكن بها تفسير فكرة واجب الوجود في علم الكلام السني الأشعري بوصفها مجموع كل الكمالات على نحو عقلاني. ويشكل هذا الفهم لجوهر السيادة بحسب عبد المجيد المقصد النهائي للشريعة في فكر الجويني، الذي افترض بدوره عدة حالات استثنائية متتالية، حيث تحدُث الحالة الأولى عندما ينعدم المجتهدون، وتحدُث الحالة الثانية عند انقراض حملة الشريعة (ناقلي المذاهب)، بينما تحدث الحالة الثالثة عدما يغيب العلماء وتراعي العامة أصول الشريعة، وتحدث الحالة الرابعة والأخيرة عندما يُترك العامة لأنفسهم ويكونوا غير ملمين بأمور الشريعة.
يشير عبد المجيد إلى أن هذا التفسير لمفهوم السيادة عند الجويني يقدم بديلاً وسطا بين مثالية الليبرالية الكلاسيكية التي تعد مثالية الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط مثالًا جيدًا عليها، وبين استبداد النموذج الدكتاتوري لدى شميت. ويخلص عبد المجيد أيضًا إلى أنه لا يمكن اعتبار هذا النظام السياسي التعددي العقلاني في الإسلام…
ويخلص كذلك، إلى أن هذه الدراسة تدعم جزئيًا من منظورها الخاص رؤية البروفيسور وائل حلاق في كتابه “الدولة المستحيلة” التي تتمثل في استحالة وضع النظام السُنِّي الفقهي والسياسي في إطار وهيكل الدولة الحديثة. ويشير عبد المجيد أخيرًا إلى أن هذه الدراسة تتفق مع الأدبيات المتزايدة حول الطبيعة العقلانية للحكم السياسي الإسلامي على وجه الخصوص، وأهمية التأويل العقلاني للمفهوم الإسلامي للنظام السياسي بوجه عام، وتوضح طبيعتها المميزة مقارنة بالنماذج الليبرالية الحديثة.
ختامًا نشير إلى أن أحمد عبد المجيد هو أستاذ للفلسفة الإسلامية والأوروبية في قسمي الفلسفة والأديان في جامعة سيراكيوز بنيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة إموري في جورجيا عن أطروحته «هيرمينوطيقا الخيال الجمالي ومعنى الطبيعة الإنسانية عند كانط وابن عربي».
[[1]]بين الجويني وشميت.. حالة الاستثناء الإسلامية. أحمد عبد المجيد، ترجمة: إيمان علاء الدين، مركز نهوض للدراسات والبحوث



