حين ولجتُ باب المقبرة الكبير الذي يتّسعُ لكلّ المُهروِلِين قبلَنا إلى الحقيقةِ الوحيدة
نزعتُ الكِمامة وألقيتها في أوّل وعاءٍ وجدتُه وتنفّستُ عاليا
عاليا حتى أنّي رأيتُ السماءَ تفتحُ بابها لي وتضحك
والأرواحُ تسبحُ غماماتٍ ناعمةً وخفيفة
زهراتِ لوتس في بركةٍ زرقاء،
بجعاتٍ بيضاء تفتح أجنحتَها وتمضي..
في نقاء أرضِ الموتِ سرتُ بلا خوفٍ بلا حذرٍ بلا ارتياب
حتّى أني مررتُ قريبا من حفار القبور وهو يمدُّ الحفر عميقا بوجهِ سافر وحيّيتُه دون أن أخشى عدوى الوباء
لا موتَ هنا
كل شيء نقيٌّ إلى حدّ مريع
الأرضُ والسّماءُ والهواء
الموتى والأحياء
حفّارو القبور ومتعهّدو الدفن والقرّاءُ وأحبابُ الموتى والمتسوّلون والسّقاة الذين يوردون الماء
لا موتَ هنا
على عتباتِ القبورِ يجلس الموتى متلاصقين
يتحدّثون بهدوء دون أقنعة ويقولون بيقين نهاياتهم التي وصلوا إليها بعد انتظار عمرٍ طويل
ويضحكون من ذكريات حياة بعيدة
ويروون نكاتٍ كثيرة
ويسْعَلون دون أن يضَعوا أفواهَهم على مرافِقِهم
ويدهَشون لخوفِ البشر غير المبرّر في الضفّة الأخرى للوجود
ويمدّون أيديَهم أحيانا لرفع أغصان زيتونة ثقُلت بحبّاتها عليهم
أو وردةٍ عجزت عن أن تكون
فيهَبونها من أجسادِهم الخِصبةِ بعض السّمادِ الخفيف
فيتفتّحُ في الحين وردُها
ثمّ يتصافحون ويتعانقون طويلا
بحرارةِ الموتِ الأبديةِ يتعانقون
ويقولون كلماتِ حُبٍّ كثيرةً غَفَلوا عن قولِها في الزَّمان القديم
ثمّ يَمضُون إلى رحِم الأرض
يمضُون ليناموا هانئين ..
وأمضي أنا
خفيفةً
شفيفةً
كأنّما أصابتني نقاوةُ مفاجئة
وأغفلُ وأنا أعود عن وضعِ كمامةٍ ثانية
فأغادرُ بابَ المقبرة الكبير إلى أرضِ المهرولين إلى أوهامِنا العديدة
عاريةَ الوجه
وأتنفّس عاليًا حتى أنّي أرى السماءَ المملوءةَ بخطايا الأحياء
والخفافيشِ الموبوءة
والأنانياتِ المريعة
والأرواحِ التائهة
والغربانِ التي تنعق
أراها
ولا أخاف
وأمضي
سافرةً
لأعانقَ أوّلَ عابر سبيل
أعانقه
..
بكلّ نقاوةِ الميتِين.
مقبرة رادس
الجمعة 9 أكتوبر 2020



