أسدل الستار على النسخة العاشرة من التظاهرة الرياضية الكبرى كأس العرب لكرة القدم بدولة قطر، والتي انتهت بفوز منتخب الجزائر بالكأس عقب المباراة النهائية مع تونس، وقد حظيت المباراة بمتابعة عربية ودولية لافتة، وفي ظروف اختلطت فيها الجائحة بالسياسة والاقتصاد. وعلى بعد أيام معدودة سيتابع العالم من جديد وقرابة الشهر، مباريات كأس الأمم الإفريقية المقررة تنظيمها بالكاميرون ما بين تاسع يناير والسادس من فبراير، وقد بدأت حرارة الجماهير في الارتفاع باكرا مع تصريحات وتوقعات صادرة من هنا ومن هناك.
عموما هي بطولات لا تنتهي، فإما دولية أو قارية أو وطنية أو جهوية أو محلية، تسري بين الأرجل القوية باحتراف وتستسلم للضعيفة في الأحياء وبين الأزقة بحب ودون انصراف. والقنوات الإذاعية والمحطات التلفزيونية على قدم وساق، وعلى مدار أربع وعشرين ساعة في متابعات مستمرة وتحاليل مباشرة واستطلاعات رأي…
كثيرا ما استرعى انتباهي اهتمام الناس وهوسهم بلعبة كرة القدم مع اختلاف طبقاتهم الاجتماعية والثقافية، وسواء كانوا من ساكنة الشمال أو الجنوب، فمنذ أن وعيت وأنا أشاهد مباريات ومتابعات على الشاشات وبين الأزقة وفي الفضاءات الخضراء، بل حتى في الشوارع التي تمر منها السيارات. لاعبون كبار وصغار، لا يأبهون لنَهر مارين أو جيران، ولا لصراخ أب أو توعد أم، متحدين العقبات والعقوبات، فلا شيء يحول بين المرء ومداعبته لمعشوقته، يراوغها وتراوغه، يهم بها وتهم به، يهيم بها وتهيم به… تهوى الشريك في حبها بل الشركاء، تراها تتدحرج وتتأرجح من عاشق إلى آخر، فمرات تتمنع ومرات تطاوع..
تُرى ما قصة هذه الكرة الملتهبة بين الأرجل؟ وما سرها؟
الإنسان نسيب اللعب والمرح، فمنذ أن وجد وهو يبحث في أوقات فراغه وبعد خلو ذهنه من أسباب الكسب، عما يجلب له المتعة والتسلية، فداعب الحجر والشجر ولاعب أخاه من البشر، وراقب وجهه على ماء النهر، دائم السفر والترحال عبر خياله، باحثا عن أشياء تحرر جسده وتملأ روحه قوة ورشاقة، وقد قادته رحلته في إبداع ما يمتعه ويسليه إلى صنع كرة من الكتان وتغطيتها بالجلد، أو حشوها بالريش، ، بل تحكي بعض الحكايات والأساطير أن الإغريق كانوا يتخذون من رؤوس أعدائهم محلا للركل والرمي، لكن تطور كرة القدم عُرف مع إقبال الإنجليز على لعبها، ورأوا فيها سبيلا لإخراج الطاقة السلبية عن طريق الركض وراء الكرة وتسجيل الإصابات، ولعبا جماعيا يستدعي قيم الأدب واللطف، وما لبث أن استقر الأمر وفق قواعد وقوانين، وانتشر وشاع حتى انتقلت لعبة كرة القدم من مجرد لعبة ترفيهية مسلية للاعب والمتفرج، إلى لعبة تزدحم فيها السياسة والاقتصاد والإيديولوجيا، ويتناسل من خلالها الصراع والعنف والتوتر على مستوى الأفراد والجماعات.
تعتبر كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية والأكثر شهرة بين جميع الألعاب، لم تنل منها مضي السنوات وانصرامها منذ ظهورها، بل زادتها توهجا وحضورا لافتا، يتقوى مع الزمن، ويزداد نفوذها في دوائر السياسة وحلبات الاقتصاد، وتستأثر باهتمام شعبي وإعلامي يومي متواصل، فلا شيء من الألعاب يعلو على كرة القدم. وصارت مجالا خصبا لمزاولة العديد من المهن الطبية والتعليمية والاقتصادية. لقد عرفت تطورا كبيرا، وأضحت مصدرا للاستثمار وتراكم الثروة، ومسلكا من مسالك النجومية والشهرة، فمشاهيرها تتابع حركاتهم وسكناتهم، أثمنتهم وألبستهم وقصات شعورهم، فتجدهم على أغلفة المجلات وصفحات الجرائد، وتسمعهم أو تراهم عبر المحطات الإذاعية والقنوات التلفزية التي تخصص الكثير منها في أخبارها وأسرارها وعلومها ونجومها. وهم قد يكونون سفراء لمشاريع إنسانية أو خيرية أو حقوقية…
لقد استطاعت كرة القدم بسحرها، أن تفرض قوتها وتبسط نفوذها، ومعها العديد من الرياضات، ولا أدل على ذلك من إنشاء مكتب الأمم المتحدة للرياضة في مايو 2011، وقد صرح الأمين العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة أثناء افتتاحه “بأن الرياضة أصبحت لغة عالمية، وقاسما مشتركا يكسر كل الحواجز، وصناعة عالمية يمكن أن يكون لممارستها تأثير واسع النطاق، وأنها أداة قوية للتقدم والتنمية”. ويؤكد ما ذهب إليه بان كيمون، ما شهدته إسبانيا من نمو طيلة خمس وعشرين سنة عقب تنظيمها لكأس العالم سنة 1982 وانضمامها للاتحاد الأوروبي سنة 1986.
لم تعد كرة القدم للتسلية وتحقيق المتعة وتحرير الطاقة السلبية إذن، بل تحولت إلى صنعة وفن وعلم برعاية دولية، ولها السحر والنفوذ.
لقد تنامت مؤخرا الدراسات الخاصة بالرياضة، وتعددت وتنوعت العلوم المرتبطة بها ومجالات البحث والدراسة، فنجد الحديث عن سوسيولوجيا جماهير كرة القدم وسيكولوجيتهم، وعن إدارة الفرق وتدريبهم، وعن غذائهم وتمريضهم وتطبيبهم، ونقلهم وتنقلهم… إنها مجال خصب لتحقيق التنمية المحلية، وسبب من أسباب الحصول على المكانة الوازنة في المجتمع الدولي، وعنوانا للاندماج فيه ، وتعزيز التواجد السياسي محليا ودوليا. يقول ميكيافيلي في كتابه “الأمير”: “ليس أمام الأمير من طريق إلى الحكم أو إلى تأسيس الدولة، سوى القوة، ولا مناص أمامه من أن يكون مرنا بما فيه الكفاية ليلتف حول كل عرض يعرض وكل ريح تهب”، ولا عرض أفضل ولا ريح أطيب من عرض وريح حشود الجماهير الرياضية المسلوبة، والتي ترى في كل من يخدم معشوقتها ويحوم حولها بطلا مغوارا أو يهملها فتراه عدوا لدودا.
إن الساسة على اختلاف مواقعهم ومهامهم، لا يفوتون فرصة الظهور في المناسبات الرياضية عامة والكروية على وجه الخصوص، وتوظيفها في تعزيز مواقفهم وتقوية مواقعهم واستمرار نفوذهم، من خلال الحضور المباشر أو تقديم الدعم بسخاء، يظهر هذا مثلا في زمن حسني مبارك حيث كان حريصا على حضور المباريات وعلى تواجد ابنيه علاء وجمال بين الجمهور والهتاف معهم ووسطهم، وتحرص الألمانية أنجيلا ميركل على حضور المباريات الكروية للمنتخب الألماني، ولقبتها إحدى الصحف الألمانية ب”مشجعة ألمانيا الاتحادية” على غرار “مستشارة ألمانيا الاتحادية، ومثلها صديق الأسطورة الكروية مارادونا الرئيس البوليفي إيفو موراليس، بل حتى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ذو التوجه الإسلامي كان لاعبا مدافعا في العديد من الأندية، لكنه باق على العهد حبا وولعا، وإن دفعته الحياة وإكراهاتها بعيدا عن نواديها وملاعبها.
حلبات الكرة ومدرجاتها صارت لسانا ينطق بالمواقف ويمرر الرسائل، من ذلك ما قام به المنتخب التركي سنة 2020 خلال كأس أمم أوروبا، حيث أدى التحية العسكرية تزامنا مع الهجوم العسكري على مواقع مسلحين أكراد شمال شرق سوريا، ورفع لاعب النادي الأهلي المصري أبو تريكة قميصه لتظهر عبارة تفيد التعاطف مع غزة إثر تسجيله الهدف الثاني في مرمى الفريق السوداني خلال مباريات كأس الأمم الإفريقية المنظمة بغانا. وتفرض كرة القدم نفسها شريكا في مناهضة العنصرية والإقصاء، وتكسر حاجز الصمت وترفع الصوت بالرفض والإدانة، وإعلان الانتفاضة من داخل الملاعب، ضدا على كل قهر أينما كان مكانه وأنى حل زمانه، فبعد وفاة المواطن الأمريكي ذي الأصول الإفريقية جورج فلويد على يد الشرطة الأمريكية، لم يفوت لاعبو الدوري الإنجليزي الفرصة ليجثوا على ركبهم في المباريات إدانة وتضامنا.
وفي المغرب، وبالضبط سنة 2017، ردد مشجعو الرجاء البيضاوي “الألتراس” خلال إحدي مباريات الفريق في كأس الكونفدرالية الإفريقية، وبشكل جماعي تقشعر له الأبدان، لأغنية “في بلادي ظلموني”، والتي تعبر عن واقع بئيس لشباب صار فريسة للمخدرات، فاقدا للأمل، طالبا للإنصاف، منددا بالإهمال، منبها الساسة إلى الاحتقان الحاصل، محذرا من مآلاته.
إن كرة القدم باعتبار حشودها ومناصريها، وقوة تأثيرها ونفوذها، وتجاوزها لحدود الزمان والمكان، صارت تملك من الكونية والعالمية ما يجعلها تتجاوز حدود الضبط والسيطرة، ولا أدل على ذلك تناسل أعمال العنف والشغب بالملاعب وانتقاله خارجها، وهو ما يستدعي لزاما الحكماء والعقلاء من ساسة ومفكرين ومثقفين، لإعادة بناء لعبة بدأت ترفا وانتهت سرفا وسفها تارة وعقيدة منحرفة تارة أخرى، وإن لم تعدم الفضل والخير، ولكن الجدوى فيما غلب خيره شره، ولم يسلب المرء رشده.
يقول الباحث والروائي والصحفي الأوروغواني إدواردو غاليانو: “كلما تحولت هذه الرياضة إلى صناعة، يتم استبعاد الجمال الذي يتولد من متعة اللعب لمجرد اللعب.”
ربما فسادها في دورانها وعدم استقرارها.



