وأيًّا عايَشَتِ الفلسفةُ من صروف بؤسٍ وعِوَزٍ علائقيٍّ ومُشاحناتٍ بين أهلها، مِن آل بيتِها: بدءًا بتلك المُحاجَّةِ بين أرسطو ومعلّمه أفلاطون، لمّا رفعَ أرسطوطاليس من صداقته للحقِّ، شأوًا، مُستهجِنًا في المقابل صداقتَهُ لأفلاطون؛ مرورًا بالحرب الضروس بين أبي الوليد بن رشد والغزاليّ ضمن كتابيْ تهافت الفلاسفة و تهافت التهافت، وعلى نحوِ ما نال الفارابيَّ وابن سينا على يد أبي حامد الغزالي اعتراضًا على قصورِ فهمهما، نالَ هو نصيبَه، فائضًا، من ابن رشد تجريحًا وسُخريةً وإهاناتٍ يشيبُ منها الوِلدانُ؛ وانتهاءً بما آلَ إليه الحال مع فلاسفة الغرب، فها أنّ الصُحبةَ والوِدّ والأُلفة بين سارتر ومارلوبونتي تتحوّل إلى ضربٍ من العِداء التاريخيِّ صارَ مضربًا للأمثال في فنون مُراسلاتِ الاستهزاءِ بين الحكماءِ، فيُواجه جان بول سارتر كبرياءَ وتَعَنُّتَ موريس مارلوبونتي واستعلاءَه بسخريةٍ لاذعةٍ نادرةٍ، قائلاً:
“لستَ فيلسوفًا يا مِرلُو ولا أنا ولا يسبرز (ولا أيّ شخصٍ آخرَ)، فالمرء يكون فيلسوفًا عندما يموت ويردّه الباقون إلى بضعةِ كتبٍ… لم يكن درسك بمجمع فرنسا (ويقصد الدّرس المُقدّم عام 1953) مُقنعًا أبدًا، إذا كنتَ تأمل منه تعريفَ الفيلسوفِ…”. فيردُّ مارلوبونتي: “لم أكن في حاجةٍ أبدًا إلى أن أفصلَ الفلسفةَ عن العالَم حتى أبقى فيلسوفًا، ولم أعمد إلى ذلك أبدًا، لا بدَّ أن تكونَ قد استمعتَ إلى الدّرس الافتتاحيِّ بكثيرٍ من التجنّي حتى تفهمَهُ كما فهِمتَهُ…”.
ولا تخلو الجامعات العربيّة والغربيّة، قديمًا وحديثًا، من مثل هذه الحروبِ الصامتةِ والمُعلَنَةِ، حتى كدنا نعتقد أنّ الفلسفةَ لا تَينعُ ولا تنمو ولا تستمرّ، على نحوِ الوجودِ المُعاندِ والمُشاكسِ والمُغالبِ، إلاّ ضمنَ هذه المُناكفاتِ والمُشاحناتِ التي تبلُغُ حدَّ الاستهتار بكرامة الخلقِ، فتستحيلُ الفلسفةُ قرينةً في وُجودِها لمأساةِ البشرِ ولصراعاتِ آل بَيتِها.
قلتُ: وأيًّا عايَشَتِ الفلسفةُ هذه الصروفَ من البؤسِ القيميِّ فإنّها تظلُّ فكرًا تأمُّليًّا ونقديًّا وحيويًّا، في التاريخ، يسري في قلب الوجود، منبعًا وإزرًا لكلّ معرفةٍ سِواها، ولكلّ سلوكٍ يبحث عن استقامةٍ أو عن اعوجاجٍ يُبيحُهُ العقلُ ويبرّره. حتى إنّ العالَمَ ينتهي من دونها فيضًا من العبثِ. والحال هذه، فلا غنًى للوجود والموجود عن الفلسفة وإنْ أساءَ أهلُها وأفرطوا.
ولمّا كانت الفلسفةُ مقيمةً راسخةً في الأرض فاعلةً، مع علوِّ همّةٍ وشأْوٍ، فلمَ الحرجُ من لقبِ الفيلسوفِ؟ ولمَ الإيلامُ بسياطِ الحروفِ لمَن يَرتدي لبُوسَ الفلاسفةِ ويتّصفَ بصفتهم؟ لمَ لا نُعايِشُ حرجَ إطلاقِ صفاتٍ من مثل “الشاعر” و”الفنّان” و”الأديب” و”السّاحر” و”العالِم”، في حين يفيضُ الحرجُ كلّه من إطلاقِ صِفةِ “الفيلسوفِ”؟
هل لأنّ الفلسفة تحتملُ، فعلًا، شيئا من هالاتِ القداسةِ حتى لا يُطلقَ اسمُ الفيلسوفِ إلاّ على نزرٍ من بشرٍ كُثرٍ، على نحوِ ما يصطفي الله أنبياءَه والرُّسُلَ؟
ليس هذا الإشكالُ حديثًا وإنّما هو قديمٌ قِدَم الفلسفة، ذاتَها، إذ انكَشَفَ الفيلسوف – السفسطائيّ على جِهةِ الادّعاءِ، ثمّ سرعان ما انزاحَ إلى جهةِ التواضعِ السقراطيِّ: “كلُّ ما أعرفُ هو أنّني لا أعرفُ شيئًا”، ثمّ حُمِّلَ على جِهةِ قدرة مُمارسِ الفلسفةِ على الإبهارِ لِسِعَةِ اطّلاعِهِ وذكائِه الخارقِ الاستثنائيِّ.
لا شكّ أنّ الفيلسوفَ إنسانٌ كسائرِ النّاس يُقاسِمُ البشرَ مُعاناتهم ومآسيَهم وهوانِهم، ويُشاركهم أفراحهم ومسرّاتهم ووَلعِهم بالحياة وإقبالِهم عليها. ولا شكّ، أيضا، أنّ الفيلسوفَ غريبٌ عن سائر الناس لِمَا أهَّلَته له ملكاتهُ الطبيعيّة من كِفايةِ المقدِرةِ على تَصدُّرِ الحكمةِ، دون غيره، وعلى إحكامِ زوايا النظرِ، تمييزًا بين ما هو كائنٌ وما يجبُ أن يكونَ.
ليس لنا، إذًا، أن نخجلَ ونتحرّجَ من إضفاء صفة الفيلسوف على من هُوَ أهلٌ لها، وليسَ لنا أن نغبِطَهُ حقَّهُ فيها، ولا نُحمِّلَهُ، أيضًا، ما لا يحتمِلُ من بهرَجِ النعتِ الذي لا يستحقُّهُ. عَظُمَ ما كان عجيبًا حضور الفيلسوفِ! وعَظُمَ ما هو نبيلٌ مشهد الفلاسفةِ الأجِلاّءِ!
إنّ كلّ عصرٍ هوَ عصرُ الفلاسفةِ. وكلّ زمنٍ هو الزمنُ الذي لا يَستحي من حُضورِهم حُكَماءَ على تواضُعٍ، وسِعَةِ نظرٍ، ونُبلُ شرَفٍ ليسَ مُتاحًا لأكثر الخلق.



