المقالات السابقة في سلسلة “مجاهدات في التجديد الديني”
إن الأسرة – كما يعلم الجميع- هي نواة المجتمع وركنه الأساس، وتعاني في وقتنا الحالي من مجموعة من التحديات والصعوبات..، التي بدأت تثير الشكوك والتساؤلات حول مستقبلها، من قبيل: هل مستقبل الإنسانية لا زال للأسرة فيه مكان، أم أننا مقبلون على مستقبل اجتماعي يقوم على الأفراد، ويتجاوز الأسرة؟ هل الأسرة مجرد مؤسسة تاريخية يعرض لها ما يعرض لسائر المؤسسات الاجتماعية التاريخية من تحول وتطور أم أن لها معنى أخلاقي يتجاوز التاريخ وفوقه؟ ثم أي مفهوم للأسرة في ضوء هذا التحول؟
إن الأسرة في الاجتماع الإسلامي لا تخلو من معنى أخلاقي، فهي ليست خلية اجتماعية طبيعية بالأساس، ونتيجة مباشرة للرغبات والغرائز بالدرجة الأولى، بل هي خلية أخلاقية، فالزواج هو مطلوب أخلاقي، واتخاذ الأبناء هو واجب واختيار أخلاقي، والنفقة على الأسرة من طرف الزوج هي صدقة ونفقة شرعية وأخلاقية، وكراهية الطلاق والحرص على استمرار الأسرة ومؤسسة الزواج هو اختيار أخلاقي… إلخ.
لكن التحولات الاقتصادية والاجتماعية العنيفة التي دخلها المسلمون في العقود الأخيرة، بدأت تؤثر على هذه الخلية الاجتماعية الأخلاقية أي الأسرة، فتَغَيُّر النظام الاقتصادي وانتقاله من اقتصاد الأرض إلى الصناعة والخدمات..، وانتقال العمران من البادية إلى المدينة..، أثر على الأسرة بشكل عام، وأثر على عادات وتقاليد الزواج، وغيَّر من مفهوم الباءة التي هي القدرة على النفقة وتوفير منزل الزوجية، فبعدما كان هذا الأمر سهلا في الإطار القبلي، وفي نمط العيش الفلاحي، حيث كان الشاب عادة ما يبدأ حياته الزوجية والعائلية داخل بيت العائلة، ويعمل بعملها في الفلاحة أو الحرفة.. أمسى هذا الأمر متعذرا اليوم.
إن الأوضاع الاجتماعية التي تسود بالمدينة العصرية، وهيمنة الاقتصاد الرأسمالي، وتراجع المنسوب الأخلاقي في المجتمعات الإسلامية، جعلت الكثير من الشباب يختارون حياة العزوبة، كما أن الاستقلال المادي للمرأة والفتاة جعلها في كثير من الحالات غير قادرة على الزواج من رجل يعتبر من مقومات الرجولة التصرف في المرأة وما تملكه من مال.. وهو ما شجع الكثير منهن على العزوبية أو التوجه نحو الطلاق رغبة في حفظ ممتلكاتهن..، بل الأسوء من هذا كله هو اتجاه الصناعة والتجارة إلى توفير دمى وآلات جنسية توفر اللذة، وتغني كلا من المرأة والرجل عن الزواج، وتوفر لكليهما المتعة دون حاجة إلى الاقتران..
إن هذه التحولات – أيضا – جعلت الكثيرين ينظرون إلى الأطفال ككلفة مالية، ونفقة غير متحملة، وبالتالي اتجهوا إلى تحديد النسل وتنظيمه، وفي بعض الأحيان اتجهوا إلى الاستغناء عن الأطفال..
إن هذه التحولات أيضا، جعلت الإنجاب بالنسبة للمرأة نيلا من قوامها وجمالها، وبالتالي فضلت الكثير منهن الاستغناء عن الإنجاب أو التفريط في بعض واجبات الأمومة من رضاعة وغيرها..
ربما قد تكون بعض هذه المتغيِّرات ضعيفة في أوساطنا لكنها ما فتئت تكبر وتزداد مع رسوخ الثقافة والاقتصاد والاجتماع الجديد.
إن هذه الظروف الجديدة تدعو المسلمين إلى إعادة بناء أخلاقية الأسرة المسلمة وتجديدها بما يتوافق مع التحولات العصرية العميقة التي يشهدها الاجتماع الإسلامي، وفي صلب هذه المراجعة تقع مسألة شروط الزواج.. والحفاظ على استمراره كأساس لبناء الأسرة.
لقد اعتنى الإسلام عناية شديدة بموضوع الأسرة وخصتها مصادره الأساسية بالحديث والتفصيل، ولا أدلَّ على ذلك ما ورد في سور النساء، والطلاق، ولقمان… من أحكامٍ، وتنبيهٍ، وإرشادٍ، بالإضافة إلى هديه صلى الله عليه وسلم الذي نقله المحدثون وعكسته السيرة النبوية.
ولن أبالغ إذا قلت إن الأسرة تمثل الخلية الاجتماعية الأساسية للإسلام؛ فضعفها أو تفككها أو عجزها عن القيام بوظائفها… يعني بصورة مباشرة تدهور الإسلام في مهده الاجتماعي الأول. ومما يؤكد هذا المعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري ومسلم، الذي جاء فيه: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، والذي يدل دلالة قاطعة على المعنى الأخلاقي للأسرة، ودورها الحاسم في استمرار الإسلام ونمائه، وأيضا تركيز الخطاب القرآني على الجسور الاجتماعية للشرك والكفر والظلال، والعمل على هدمها، من خلال رده على دعوى المشركين باتباع الآباء والأجداد التي تحضر في مناسبات عديدة في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ءابآءنا، أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير﴾ (لقمان، 20).
فالأسرة على الحقيقة هي “مملكة الإسلام” الأولى، موضوع الشريعة ومنبعها، وتستأثر بجانب واسع من الشريعة الأخلاقية والقانونية؛ فالتكاليف التي تعني الأب، والأم، والابن، والرحم عموما، وأحكام الزواج والطلاق والإرث.. تشكل قسطا عظيما من شريعة الإسلام نصا وفقها، وكذلك هي المسئولة (الأسرة) قبل أي جهة أخرى عن التنشئة الاجتماعية عليها. وتختلف الأسرة المسلمة كثيرا عن أشكال الأسر السائدة اليوم، فهي “أسرة ممتدة” أوسع من الأسرة النووية (الأب والأم والأبناء)، ويتجلى هذا بوضوح من خلال خريطة القرابة التي تحددها أحكام الإرث، التي تبين الحدود الطبيعية للأسرة المسلمة، كما أن إلحاح الإسلام من الناحية الأخلاقية على حقوق الرحم يؤكد هذا الامتداد ويكرسه، يقول تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولائك هم الخاسرون﴾ (البقرة، 6).
فالأسرة المسلمة بهذه الأبعاد والوظائف، وبهذه الأهمية التشريعية والأخلاقية تواجهها اليوم تحديات حقيقية تهدد طبيعتها الأخلاقية، وتفكك بنيتها الداخلية، وتعطل وظائفها ورسالتها التربوية. ولم تعد هذه التحديات من الواردات الخارجية التي ينفع معها صد الأبواب، والتضييق عليها بكونها “غربية” المصدر وما إلى ذلك من وسائل الممانعة، بل أصبح الكثير منها إنتاجا محليا وبلسان عربي فصيح، فالكثير من قادة الرأي والفكر من النساء والرجال في عالمنا العربي لم يعودوا مقتنعين بتقدم النموذج الاجتماعي الإسلامي، وخاصة في بعده التاريخي، فالذي يسود ثقافتنا الاجتماعية اليوم هو انعكاس طبيعي للثقافة الاجتماعية التي كانت سائدة في الماضي ومنذ نزول الوحي، وبالتالي لا يتردد الكثير من المسلمين اليوم في الدعوة إلى مراجعة هذا النموذج التقليدي بما يناسب حاجات وتحولات العصر. وقد شهدت البلاد الإسلامية نقاشات عميقة وطويلة حول أحقية النموذج الاجتماعي التقليدي في الاستمرار، وفيما إذا كنا بحاجة اليوم إلى تعديله وتطويره أخلاقيا.
وإذا كانت هذه النقاشات في أغلب البلاد الإسلامية قد أظهرت غلبة التفكير المحافظ والتقليدي لأسباب ثقافية بالدرجة الأولى، فإن الذي يجب أن لا يغفل عنه أهل النظر وبالرغم من غلبة المحافظة أن الإشكالية لا زالت مستمرة وتتفاقم، وأن الأجوبة التي قُدمت لحد الآن لم تحسم تحدي الأسرة بعد، ولازال هذا التحدي مستمرا، وتزداد حدته، الشيء الذي يلفت انتباهنا إلى أن التحديات التي تواجه هذه الخلية الاجتماعية (الأسرة) ليست من طبيعة ثقافية وأخلاقية فقط، أو تحديات أيديولوجية ربما تعكس – في نظر البعض – مؤامرة على الأسرة المسلمة، بل هي تحديات حقيقية، موضوعية تتصل بالبنية الاقتصادية والسياسية والتيارات الحضارية الكبرى التي هبت على عالمنا العربي والإسلامي منذ القرن 19م.
ومن ثم فالسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هل الحداثة الاقتصادية والسياسية التي مَسَّت عالمنا الإسلامي بدرجات متفاوتة منذ القرن 19م، والتي تزداد عمقا ورسوخا مع مرور الزمان، هل لا زالت هذه الحداثة مسالمة اتجاه الأسرة، ولا تمسها من قريب أو بعيد، وتحفظ استقرارها واستمرارها أم العكس؟
إن الأسرة الممتدة التي احتفى بها الإسلام وخصها بأحكام وأخلاقيات عديدة، تستند من الناحية الاقتصادية إلى الأرض كقطاع إنتاجي، والريف كمجال جغرافي، والقبيلة كسلطة اجتماعية، فالأرض التي تعيش من إنتاجها الأسرة، لا تتيح لأحد الاستقلال اقتصاديا، إلا بعد وفاة رب الأسرة، وبواسطة الميراث، أما قبل ذلك فالأمر شبه مستحيل، وهذا أحد العوامل الموضوعية والمادية التي تحفظ تماسك الأسرة وامتدادها. كما أن الريف بأجوائه الموحشة، يجعل الناس بطريقة تلقائية ينحاشون إلى بعضهم البعض، حتى لا يغتربوا، والقبيلة هي الإطار الاجتماعي الذي يستجيب لهذه النزعة.
وليس معنى هذا في المجال الإسلامي أن الأسر التي ارتبطت بقطاعات إنتاجية أخرى كالحرف والتجارة وخاصة في المدن كانت مفككة ومنحلة، بل الواقع التاريخي يدلنا على خلاف ذلك، فهي الأخرى دُبرت بأسلوب يحفظ تماسك الأسرة ورسالتها؛ بحيث نجد أسرا تجارية وأخرى حرفية تشمل كل أفراد العائلة ولا تتيح لأحد الاستقلال سوى من خلال الإرث وبعد وفاة كبير الأسرة.
لكن مشكلة الأسرة المسلمة بدأت باجتياح النظام الاقتصادي الرأسمالي للبلاد العربية والإسلامية، هذا النظام الذي نقل مركز الثقل الاجتماعي من الريف إلى المدينة، وانتقل بالمجتمع من الفلاحة و”الحرفة” إلى “الصناعة” والخدمات، التي تُشغل الآلاف من الرجال والنساء، بل وحتى الأطفال، دون أي رادع أو موجه أخلاقي. ومن المضاعفات الاجتماعية الأولى لهذا الانتقال هو تراجع نموذج الأسرة الممتدة وبالمقابل تزايد أعداد الأسر النووية، أو الصغيرة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تطور إلى مظاهر أخرى أكثر تأثيرا في نموذج الأسرة المسلمة، ويتعلق الأمر بالإدماج الاقتصادي للمرأة، ودخولها الواسع إلى سوق الشغل، وهو ما أتاح لها إمكانية الاستقلال الاقتصادي عن الرجل، وبالتالي مراجعة الشكل التقليدي لتقسيم العمل بين المرأة والرجل استجابة لهاته التحولات.
ومن المرادفات الثقافية لهذه البنية الاقتصادية الرأسمالية مفاهيم الحرية والمساواة بين الجنسين، والديمقراطية الأسرية والعائلية… التي تؤدي في النهاية إلى تفجير الأسرة الصغيرة وانشطارها. وقد لوحظ في السنوات الأخيرة في عدد من المدن العربية ارتفاع نسب الطلاق وازدياد عدد أسر المطلقات التي تتكون من الأم والأبناء، وأيضا ارتفاع عدد “أسر العزاب” الذين يعيشون منفردين، ومما لا شك فيه أن هاتين الظاهرتين علامة قوية على بداية تفكك الأسرة التقليدية في عالمنا الاسلامي تحت مطرقة وإكراه “النظام الاجتماعي – الاقتصادي” الجديد.
إن النظام الاقتصادي الرأسمالي في شكله العربي والإسلامي كما هو واقع، لا يختلف كثيرا عن النظام الرأسمالي الغربي، ولا يخفي نتائجه الاجتماعية المتوقعة، الشيء الذي يدعو إلى الانتباه والالتفات إلى مستقبل الأسرة المسلمة وأخلاقياتها، وأن مآلها لن يكون أفضل من مآل الأسرة الغربية التي انتهت إلى نماذج غريبة، نماذج أسرة الفرد، أو أسرة العزاب أو العازبات…، وبالتالي وحتى نتفادى هذا المصير لابد من المبادرة بتعديلات جوهرية لهذا النظام تصب في دعم استقرار الأسرة وتماسكها، وتدور هذه التعديلات على معنى رئيسي وهو إعادة هيكلة المجتمع، وبناء أخلاقية جديدة مناسبة لهذا التحول الراديكالي الذي دخله الاجتماع الإسلامي خلال عصر الحداثة.
إن هذه الأخلاقية التي يجب إبداعها في مجال الأسرة يجب أن تتجه إلى جهتين:
– الجهة الأولى، وهي التدخل على مستوى بنية نظام الشغل وتخليقه بما يساعد على تعزيز مكانة الأسرة والحفاظ عليها والتشجيع على الارتباط الأسري، ومن الاقتراحات التي نراها ضرورية في هذا الباب والتي من شأنها تحقيق هذه الغاية: صياغة قوانين شغل خاصة بالمرأة تحفظ لها حقها في القيام بوظيفتها الفطرية وهي الأمومة وتربية الأبناء، والرفع من التعويضات العائلية تشجيعا على الزواج، والزيادة في الاقتطاعات الضريبية على العزوبة.
– أما الجهة الثانية وهي الأهم، وتتعلق بمراجعة مفهوم الزواج، فالمفهوم التقليدي للارتباط بين المرأة والرجل، والقائم على مبادرة الرجل، وتحمله مسؤولية الزواج ماديا وأخلاقيا، لا بد أن يراجع في ضوء المكانة التي باتت تحظى بها المرأة. بحيث يمسي الزواج مسؤولية مشتركة بين المرأة والرجل، وفي هذا السياق لا بد من مراجعة مفهوم الباءة والتي تعني عادة قدرة الرجل على النفقة وتوفير المنزل، ففي حديث ابن مسعود في الصحيحين قال صلى اللهُ عليه وسَلَّم: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ.
فالباءة بالمعنى الحديث وفي ضوء التحولات التي عرفها الاجتماع الإسلامي من الناحية السوسيولوجية والاقتصادية تعني قدرة الزوجين معا الرجل والمرأة على النفقة وتوفير المنزل، وليس الرجل وحده، فإذا اتفقا الاثنان معا على الزواج، وتعاونا على النفقة والمنزل، كان الزواج صحيحا ومتينا، وقادرا على الاستمرار والصمود.. والمثير للانتباه في هذا السياق أن الواقع الإسلامي يشهد صعودا قويا لهذا النوع من الزواج، والتخلي الطوعي على الاشتراطات التقليدية في الزواج، وتحملا متزايدا للمرأة للمسؤولية..، غير أن هذا الذي يجري يتم بدون تغطية أخلاقية، بحيث لا زال الكثيرون ينظرون إليه كانحراف أو تخل عن الكرامة وعن الحقوق والمكتسبات الموروثة للمرأة.
إن الزواج هو آية من آية الله، وعنصر من عناصر السكينة، لا يمكن الاستغناء عنه، فإما أن يتم بأخلاقية أو يتم ويقوم بعشوائية وفوضى، مع كل المشاكل التي تصحب الفوضى والعشوائية، قال تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» (الروم، 20). وقال أيضا: «والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا» (فاطر، 11).
فالزوجية التي هي أساس الأسرة، هي بناء طبيعي، أخلاقي، تستحيل الحياة بدونه، وإذا كان الإسلام أطر ونظم هذه الطبيعة في الماضي ومنذ 15 قرنا على نحو معين، فنحن اليوم مطالبون بإعادة تأطير الزواج تأطيرا أخلاقيا يناسب عصرنا، وفي مطلع هذا الواجب مراجعة أشكال الاقتران وتسهيلها بما يساعد على انتشاره وازدهاره وليس العكس.



