مقال مقتطف من كتاب الدكتور محمد الأحمري، فتح كابل (إسطنبول: مكتبة وسم، 2021).
يأتي هذا الانسحاب الكبير على رأس عشرين عامًا من تاريخ غزو أفغانستان ومن حادثة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. وما كنا نتخيل أن الغازي الغاضب الذي صب غضبه على مسلمين فقراء بعيدين جاهلين بما حدث وبعلاقاته بما يحدث لهم، سوف يأتي عليهم يوم يخرج فيه الغازي مهزومًا، نادمًا على أفعاله ندمًا يبلغ حد الاعتراف الضمني بالخطأ وبالمأساة العظيمة لشعب بريء لم يشارك في أحداث سبتمبر ولم يكن طرفًا فيها، وكان عليه أن يدفع دمًا ورعبًا ثمن أمر لم يأمر به ولم يسانده. غير أن “الظلم مرتعه وخيم”. هذا على المستوى الفردي، وهو أسوأ على المستوى الأممي.
هذا الفتح الذي شهدناه قد لا يقل أهمية عن ما سبقه في تاريخ الأفغان. وقد أطلق عليه أحد الأصدقاء الفتح الثالث لكابل، أي بعد الفتح الإسلامي الأول ثم الفتح الثاني يوم خرج الغزاة الروس عام 1989، ليكون الثالث هو هذا الفتح أو الاستعادة من الغزاة، في منطقة يصعب فيها تتبع التاريخ وضبط أحداثه؛ بسبب أن كابل تعرضت لغزوات عديدة منذ الفتح الإسلامي، مما أكسب هذا المكان مكانة وسمعة ومنعة في نفوس أهل تلك البلاد وفي التاريخ الإسلامي وتواريخ الغزاة عبر القرون.
ونحن لا نقصد استعادة عبارات الفتح التاريخية التي ترن في أذن كل مسلم ومؤرخ أو مطلع على تاريخ المنطقة. ورغم تعلق المسلمين التاريخي بكلمة فتح فإنها ارتبطت تاريخيًّا بعدد من الأماكن والأبيات الشعرية. ولا شك في أن افتتاح قصر الرئاسة في كابل من قبل طالبان وإخراج عملاء الاحتلال منه كان فتحًا، وقراءة القارئ الطالباني من سورة الفتح: “إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا” كأول بيان يصدر من قيادة الحركة كان لافتًا وله ما يبرره، ومن هنا جاء عنوان الكتاب (فتح كابل). وعندما نصف فعلهم بهذا الوصف فليس تزكية لهم ولا تكفيرًا لغيرهم، ولكن ما حدث كان ظاهرة نادرة في عصور المسلمين الأخيرة التي غلب عليهم فيها الاستسلام والضعف وتكالب المحتلين، وقد أصبحوا مغانم قسمت أرضهم ومواردهم بين الأقوياء من أعدائهم. لكن دخول طالبان كابل منتصرين على المحتل وعملائه المنافقين كان حالة كسرت المسيرة الجارية في زماننا، وتوحي بتاريخ قادم يختلف عن سابقه. وفي هذا النص أردت تسجيل بعض ما عرفناه وما عنّ لي تجاه هذا الحدث الكبير الذي قد يكون له تأثير كبير في تاريخ ذلك الإقليم، إن لم يتجاوزه.
أسباب الانتصار
كثيرون تساءلوا: كيف تم ذلك؟ فأما الخائبون اليائسون من الأمة ومن البأس ومن المنعة فقد كتبوا كل تعليل يبعدهم عن الحقيقة ويبعد ضحايا أفكارهم عن الوعي والعقل. صحيح أن هناك مفاوضات واتفاقات ولكن ليس لأن طالبان أصبحت صديقة. والمتحدثة باسم البيت الأبيض كانت صريحة عن طالبان، فهم ليسوا أصدقاء ولا حلفاء، ولكن الهزيمة التي لا يحب أن يقبل بها المأسورون بالقوة الغاربة لا يتخيلون غروبها، وكذلك أتباع الإمبراطوريات لا يتخيلون سقوطها. أما طالبان فجيش على الأرض وقوة ضاربة استعادت أغلب الأرض، ولهذا كانوا قادرين على المفاوضات، والضعيف لا يصنع صلحًا ولا سلمًا مع الغرب، فالغرب لا يحترم الضعفاء بل يسحقهم ويبيدهم إن وجد فرصة. أما من يعاملهم بطريقتهم فسيكونون معه متفهمين وعقلاء ودبلوماسيين.
أما التشكي وتسول العدل من مؤسساتهم المنظمة للهيمنة على الضعفاء، كالأمم المتحدة، فهذا عندهم حال مهين لا يستحق شحاذو العدل عندهم عدلًا. حتى داخل أمريكا لو لم تتحول تظاهرات السود (حركة الحقوق المدنية) إلى خطر عليهم لما اعترفوا بإنسانيتهم ولا حقوقهم في المساواة، ولو كانت شكلية في بدايتها.
كان الحوار في الدوحة ووفد طالبان يجلس على المقاعد الوثيرة، ولكن على الأرض كانت القوة تضرب وتستولي على مديرية إثر أخرى، ولهذا أمكن الوصول إلى اتفاق. أما لو كانت عليهم ملابس غربية منشاة ومطيبة، وخدود لامعة تنافس المحتل في الشكل، والقلوب خاوية والأيدي لم تمس السلاح ولم تقتل يومًا أحدًا لما احترموهم. ولعلنا نذكر وصف شارون لمحمود عباس رئيس منظمة فتح الفلسطينية وسر احتقاره له، وعدم تقديره لأي اتفاق معه بقوله: “إنه لم يقتل أحدًا”. وشارون طرف الغرب الغازي، وهكذا يفهمون العالم ويرونه. فقومنا يرون الغرب من خلال مباني الأمم المتحدة وهي أملهم الوحيد، والغرب يعرف العالم من خلال فوهات المدافع والبنادق ومنصات الصواريخ، ولا يرى أي قيمة لمن لا يمتلكها ولا يستعملها، ثم يرسل مفاوضين يظهر عليهم اللطف والرقة والتحضر.
إنما يمكننا إجمال ما حدث فيما يلي:
- القوة الأخلاقية الموروثة لطالبان من الماضي جعلت الشعب يلتف حولها، فهم أهل البلاد ومن دينهم ومن الأغلبية السكانية، وليسوا مع الأجانب ولا عملاء للغزاة، فكان الشعب يؤمنهم ويؤويهم طوال زمن المقاومة الطويل.
- انتشار الفساد في الحكومة التي نصبها المحتل. فالرئيسان كرزاي والذي تبعه أشرف غني، وكانا الأكثر فسادًا في تاريخ البلاد وقد اختارهما الاحتلال لحكم أفغانستان، أزكمت روائح فسادهما الأنوف عبر العالم[1]. وهذه عقدة لازمت الفاسدين والليبراليين المتغربين (أكسب وأذهب – دمر واكسب)، فقد بلغ ثمن جواز السفر قبيل الفتح آلاف الدولارات، يسمونه بخشيش. أما الموظف الأفغاني فقد كان يشتري منصبه من الفاسدين في الإدارات، حتى بلغ ثمن منصب رئيس الشرطة في بعض الأقاليم مئات آلاف الدولارات. والشرطة أنفسهم يستفيدون من تجارة الهيروين. كان الفساد موجودًا قبل الاحتلال الأمريكي، ولكن الاحتلال قوى هذه الظاهرة من خلال الرشاوى التي يدفعها لأمراء الحروب. حتى إن مؤسسة الشفافية[2] التي أنشئت لمحاربة الفساد كانت تسخر لمطاردة الخصوم السياسيين، وأصبحت وجهًا آخر للفساد. أما منظمات النفع العام غير الحكومية والجمعيات الخيرية ونحوها فقد كانت فرص الوظائف فيها تباع بآلاف الدولارات. هذا إضافة إلى أن سيطرة المسؤولين على تجارة الهيروين وانتشار الفساد في الجيش المحلي كان هائلًا على شتى المستويات. وكانت المعدات تباع، وقيادات الجيش والحكومة يسجلون أعدادًا وهمية من العساكر لا وجود لها ويأخذ الفاسدون مرتباتهم؛ مما ساعد على تصاعد التضخم بنسبة 17.5 سنويًّا وجعل الحياة أصعب على الناس، حيث تفقد العملة قيمتها مقابل السلع. وهذه الدولارات الفاسدة بأيدي فاسدين لا تصنع فقط حكومة فاسدة وإنما حكومة مزورة أيضًا، كما أشار تقرير عن الفساد في أفغانستان[3]. هذه الحكومة الفاسدة كان الفساد فيها متجذرًا، والروح المعنوية لعساكرها هابطة وبلا هدف، تركت موظفين ومجندين حقيقيين في الأشهر الأخيرة دون مرتبات، وهذا الفساد ساعد في انهيارها السريع[4].
- عانت حكومة المنافقين من فشل سياسي واستراتيجي حاق بها. ومن ذلك أن تلك الحكومة المنصبة من قبل الأمريكان كانت فاشلة في العلاقات الدولية، وقبل ذلك فشلت في كسب الثقة بجوار أفغانستان، فلم يبنوا علاقات ودية إلا بمن نصّبهم، وصنعوا علاقات سيئة بالدول المجاورة، فلم يكن لتلك الحكومة قبول في الإقليم كما قال أحد الإعلاميين الأفغان[5].
- ويرى بعض المحللين أن من أهم أسباب فشل أمريكا في أفغانستان ذلك التناقض الذي قامت عليه خطة وتنفيذ الحكومة الأمريكية في أفغانستان، وساد عملها التناقض. فقامت بالتحالف مع أمراء الحرب وأنفقت عليهم الأموال وأعطتهم السلاح وأسست لهم أو زورت لهم حكومة، وأقامت حكمًا لعصابات من المفسدين المجرمين الذين ينهبون أموال الحكومة الأمريكية، في وقت تركت مجالًا لباكستان أن تكون مأوى لطالبان[6].
- كما يرى بعض المراقبين أن الحكومة الأمريكية أنشأت حكومة كابل لا لتكون حكومة لأفغانستان، ولكن لتقوم لأمريكا بما أسموه “محاربة الإرهاب”[7]. إذ لم تحقق شيئًا مما أقيمت له، ولم تر في نفسها أنها حكومة للبلاد ولا رآها الشعب حكومة لهم، بل كانت حكومة المنافقين عبئًا على المحتل وعلى الشعب. عبء يعلم أنه بلا مشروعية من الداخل، ويعتبره الاحتلال وسيلة قهر وتنفيذ لمشاريعه، فلجأ هذا الجسم المصطنع إلى نهج الفساد والأنانية بلا رادع، وكانت هذه الحكومة كما وصفها أحدهم حكومة “سراب”[8].
- اشتكى الرئيس الأمريكي بايدن من أن الجيش المجهز بكل تلك التجهيزات الحديثة لا يريد أن يقاتل، وذكر هو نفسه أن الرئيس غني الذي انتهى هاربًا كان متشددًا ضد التفاوض مع طالبان. أما جيشه فكان لا يستطيع أن يقوم بعمليات ضد المقاومة الطالبانية إلا بدعم جوي وبري من جيوش الاحتلال. كما أن من الطريف أن الكولونيل جوني إرنست قالت: “كيف نستطيع أن نجعل الأفغان يقاتلون لأنفسهم؟ يبدو أن ذلك لن يحدث”[9]. وفعلًا لم يحدث. ولعل هذا القائد أخفى عن نفسه حقيقة أن هذا الجيش لم يوجد بنفسه ولا لبلده، فهو يرى أنه لا يدافع إلا عن محتل. وكان القادة الأمريكان لا يتورعون عن مدح هذا الجيش المصطنع بكل الأوصاف الإيجابية مثل: “إنه جيش ماهر يقاتل بجرأة وشجاعة”، و”إنهم يثبتون أنهم جديرون”، و”إنهم يعرفون كيف يدافعون عن بلدهم”… إلى آخر تلك الأكاذيب التشجيعية. علمًا أنه قد بلغ عدد قوات الأمن 182,071 مجندًا في الشهر الرابع من عام 2021[10]. ويلخص فلكنز رؤيته لعمل الأمريكان في أفغانستان بأنهم كانوا: لا يسمعون ولا يفهمون البلد ولا يقومون بتغيير طريقتهم… وأنهم كانوا فاقدين للإرادة السياسية ويحمون مشروعًا خاسرًا مرذولًا[11].
- التكاليف الهائلة على الغزاة. فقد قال الرئيس الأمريكي إنهم أنفقوا تريليوني دولار على الحرب، منها 88 مليار دولار للتدريب والمعدات لتجهيز الجيش الأفغاني الموكل بالدفاع عن الاحتلال[12]. ومن المهم معرفة أن هذه الأرقام المالية الهائلة أكثرها صرفت داخل أمريكا ولم تنفق في أفغانستان، فأكثر من ربع المبلغ صرف تكاليف ربوية لقروض مالية لبنوك أمريكية، كما حسبوا تكاليف العلاج والمعدات، وهذه سلمت لشركات أمريكية في أمريكا نفسها. أما القتلى فألفان وخمسمئة قتيل أمريكي، وأكثر من أربعة آلاف من المتعاقدين[13] [متعاقد اسم ملطّف لمن يعمل مرتزقًا في الجيش الأمريكي، أما حين يخدم مع غيرها فهو مرتزق]. ورغم كل التمويل والحماية الأمريكية والتسليح غير المحدود للحكومة المنصبة، فإنه في الواقع لم تكن الحكومة الأمريكية تثق بهم[14]، ولم تفاوض الحكومة الأمريكية طالبان إلا حين تأكدت أنها تصطنع ما لا يمكن اصطناعه.
- أما طالبان فبقيت طوال الوقت شاهدة مشهودة لم تغب حتى عن أسواق كابل، تقبض الزكوات والعشور التجارية منذ هزمها الغزو في كابل حتى استعادته. سمعت من أحدهم يصف الحال بعد الغزو الأمريكي إن بعض المدن الأفغانية يحكمها الجيش الأمريكي نهارًا وتحكمها طالبان ليلًا، فقد كان في طرف السوق في كابل مندوب لطالبان يقبض الزكاة، مقابل مندوب حكومة الاحتلال التي تفرض الضرائب.
- حالة العزة الدينية والوطنية المخلصة من قبل طالبان لبلدهم، ويقابل ذلك مشاعر الدونية والتبعية التي طبعت المنافقين الذين نصبهم المستعمر في واجهة الحكم. فهم نسخة من عبيد المحتلين المنتشرين في المستعمرات وأشباه المستعمرات، يتمتعون بمشاعر تبعية ودونية تجاه المحتل، مع عدم ثقة بالنفس، واحتقار لأنفسهم تجاه حكامهم الغزاة، في الوقت الذي يحتقرون فيه شعوبهم لأنها أبعد منهم من حيث التشبه بالغزاة المحتلين، ويحتقرون أنفسهم لكونهم ليسوا الغزاة، يرون موقعهم موقع عبيد المحتل، ومكانتهم مصطنعة زائلة يسخر منها الرائح والغادي، فتعيش هذه الطبقة حال انفصام مرضي بين أن يكون أحدهم متكبرًا متعاليًا تجاه شعبه، ومتشبعًا بالدونية والنقص تجاه المحتل، يشعر أنه فاقد للشرعية من الجهتين، فلا هو المستعمر الغازي، ولا هو المقاوم الشريف.
- شظف العيش لدى طالبان وقدرتهم على استمرار المقاومة. إضافة إلى كونهم مظلومين؛ فلم تكن لهم علاقة بأحداث سبتمبر في أمريكا، وابن لادن كان مقيمًا ببلادهم وليس منها وقتل في باكستان خارج بلادهم. فضلًا عن مرونتهم الحديثة في المفاوضات، واعترافهم بأنهم قد تعلموا ودرسوا وفهموا، ففي الحرب الأولى لم يكن لهم أصدقاء. وقد لاحظ هذا كثير من الخبراء والصحفيين الذين عرفوهم قبل غزو أفغانستان ثم تحدثوا معهم في الدوحة، وكان أحدهم يشكو من غموض طالبان، فما كان يمكنه معرفة قياداتهم[15]، وهذا كان لمصلحتهم في النهاية.
[1] قال أشرف إنه خرج من أفغانستان بملابسه وصندل يلبسه، بينما علقت الإيكونومست في 28 أغسطس 2021، في مقال بعنوان “الإمارات وأفغانستان، دار تقاعد للمنفيين: لماذا انتهى المسؤولون الأفغان و(أموالهم) في الخليج؟”، ساخرة بأنه عبر السنين أرسل غني مئات الملايين من الدولارات إلى الإمارات وعبر مقربين منه.
[2] نفس الكلمة العربية تستخدم بلغة البشتون.
[3] الفساد الأفغاني، إيكونومست، 28 أغسطس 2021.
[4] بعض قصص الفساد اعترف بها قياديون ومدربون في الجيش الأفغاني خاصة عن أعداد مسجلة لمجندين في الجيش والأمن لم يوجدوا أبدًا:
https://www.politico.com/news/2021/08/13/afghan-army-pentagon-504469
[5] روح الله عمر، برنامج للقصة بقية، الجزيرة مساء، يوم 6\9\ 2021.
[6] مقابلة ديفيد رمنك مع ديكستر فلكنز ، موقع النيويوركر: https://bit.ly/3tQb86e
[7] https://www.newyorker.com/news/q-and-a/how-america-failed-in-afghanistan#intcid=_exp4_control_MAB_tny_1609adbf-7722-4769-9cda-b80de5aa5ccd_cral2-2
[8] ديفيد رمنك مقابلة مع ديكستر فلكنز، السابق.
[9] https://www.politico.com/news/2021/08/13/afghan-army-pentagon-504469
[10] المصدر نفسه.
[11] مقابلة فلكنز، مصدر سابق.
[12] https://www.politico.com/news/2021/08/13/afghan-army-pentagon-504469
[13] Ellen Knickmeyer, “Costs of the Afghanistan War, in Lives and Dollars”, AP News, August 17, 2021: https://apnews.com/article/middle-east-business-afghanistan-43d8f53b35e80ec18c130cd683e1a38f
[14] روح الله عمر، المصدر السابق.
[15] من مقابلة ديفيد منك مع ديكستر فلكنز الصحفي الذي عرف شخصيات من طالبان ولقيهم عدة مرات، ويتابع الأحداث منذ أكثر من عشرين عاما. نيويوركر، مصدر سابق.



