في دراستها المنشورة حديثًا تحت عنوان « Understanding the Impact of Plague Epidemics on the Muslim Mind during the Early Medieval Period» (فهم تأثير أوبئة الطاعون على عقل المسلمين خلال بدايات العصر الوسيط ) تسعى الباحثة مسفرة محفوظ من جامعة كومساتس بإسلام أباد إلى تسليط الضوء على كيفية استجابة المسلمين عبر التاريخ، لانتشار الأمراض المعدية، والاستراتيجيات التي تم تبنيها للحماية أثناء تفشي تلك الأمراض، وطبيعة الإجراءات الوقائية المعمول بها في هذا الشأن، وكيف أثر ذلك في استجابات الدول الإسلامية للأمراض في العصر الحديث.[[1]]
في مقدمة دراستها تشير محفوظ إلى أن المصادر الأولية لدراسة الطاعون في التاريخ يمكن أن نجدها في العديد من المراجع والمصنفات الإسلامية التاريخية كمؤلفات: ابن قتيبة (المتوفى 276 ه)، وابن أبي الدنيا (المتوفى 281 ه)، ومحمد بن جرير الطبري (المتوفى 310ه)، وابن الوردي (المتوفى 749 ه)، وابن أبي حجلة التلمساني (المتوفى 776 ه)، والمقريزي (المتوفى 845ه)، وابن حجر العسقلاني (المتوفى852 ه).
تشير محفوظ إلى أن الأخير (ابن حجر العسقلاني) كتب في أطروحته عن الأوبئة وصفًا تاريخيًا موجزًا للأدب الوبائي في التاريخ الإسلامي، وأنه جمع بعض الكتب والمخطوطات والأطروحات عن الأوبئة من فترة صدر الإسلام حتى عصره وقام بمسح 33 مخطوطة عن الأوبئة من التاريخ الإسلامي. وتشير كذلك إلى أن لسان الدين بن الخطيب (الشاعر والفيلسوف والمؤرخ الأندلسي المتوفى 776 ه) ألف رسالة طبية موسعة عن الأوبئة، في سياق تعرض المسلمين في اسبانيا إلى نوع من الطاعون في القرن الرابع عشر؛ وأنه كتب تلك الأطروحة ردًا على استفسارات الناس عن الأوبئة في عصره.
تعرض العالم الإسلامي بحسب محفوظ إلى ويلات الطاعون أكثر من مرة خلال القرون الوسطى، وتناولت الدراسة في هذا السياق عدة طواعين من بينها طاعون يزدجرد (نسبة إلى يزدجرد الثالث آخر ملوك الساسانيين) وطاعون عمواس في سوريا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، الذي تشير الروايات التاريخية في تسببه بمقتل حوالي 25000 جندي مسلم من بينهم بعض كبار الصحابة مثل معاذ بن جبل وزوجته وابنه، وأبو عبيدة بن الجراح، وصحابه آخرين مثل يزيد بن سفيان شقيق معاوية. والحارث بن هشام، وأبو جندل ووالده سهيل بن عامر، وآخرين كثر قضوا في ذلك الوباء الذي انتشر في الشام ووصل إلى العراق ومصر. وتشير محفوظ إلى أن ذلك الطاعون تحديدًا قد سبقته مجاعة شديدة في سوريا وفلسطين، قد تكون هي السبب في إصابة السكان بالمرض. وقد تلا ذلك الطاعون طاعون آخر سمي بـ “الجارف” في عهد ابن الزبير في شوال (69-70 / 688-689)، وأطلق عليه هذا الاسم لأنه اجتاح البصرة كالسيل وجرف الناس اجترافًا.
تشير محفوظ إلى أن المبادئ التوجيهية الإسلامية عملت على أكثر من مستوى على الحفاظ على الحياة الصحية، من خلال مراعاة النظافة في جميع الظروف من خلال الوضوء على الأقل خمس مرات يوميا، والوصاية بتنظيف الأسنان بالمسواك. أما بخصوص الأوبئة فقد كان هناك ثمة نصائح وتعليمات واضحة بهذا الشأن، مثل دعوة النبي (صلي الله عليه وسلم) لاتقاء المجذوم كما يتقى من الأسد [[2]]، ودعوته كذلك إلى التعامل مع المصاب بهذا المرض المعدي من مسافة رمح أو رمحين [[3]]، وتشير في هذا السياق إلى أن هذا يمثل بالضبط فكرة التباعد الاجتماعي، وتشير كذلك إلى أن تعاليم النبي امتدت أيضًا لتشمل الحيوانات، من خلال نهي النبي لأصحاب الجمال المريضة من الرعي والشرب مع الجمال الأصحاء. هذا فضلا عن تعاليم النبي (صلي الله عليه وسلم) التي تمثل نموذجًا مبكرًا لفكرة الحجر الصحي كما في حديث عبد الرحمن بن عوف (رضي الله عنه) قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ_ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ يَقُولُ: “إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ (يعني : الطاعون) بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْه”. (البخارى ومسلم).
في ختام دراستها تؤكد محفوظ على أن الإجراءات التي اتخذت في القرن الحادي والعشرين لمنع انتشار الأمراض المعدية تتوافق بشكل وثيق مع ممارسات النظافة ومكافحة العدوى المطبقة خلال فترة العصور الوسطى في المجتمعات الإسلامية التي استطاعت تطوير نهج لمواجهة للأمراض المعدية، وتشير أخيرًا إلى أن المبادئ الإسلامية في هذا السياق لا تزال قابلة للتطبيق استجابة لتفشي الأوبئة الحالية.
[[1]]https://www.mdpi.com/2077-1444/12/10/843
[[2]] كما جاء في الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في الطب في حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: (اتقوا المجذوم كما يتقى الأسد)
[[3]] كما جاء في الحديث الذي أخرجه ابن السنى وأبو نعيم في الطب. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بزيادة: (كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمح أو رمحين)



