في دراستهما المنشورة حديثًا تحت عنوان « Religion and Populism in the Global South: Islamist Civilisationism of Pakistan’s Imran Khan » (الدين والشعبوية في الجنوب العالمي: الحضارة الإسلامية لدى الباكستاني عمران خان) يسعى الباحثان إحسان يلمظ وكاينات شكيل إلى دراسة التداخل بين المثل الإسلامية مع الشعبوية في الخطاب السياسي لرئيس وزراء باكستان الحالي عمران خان، وتقدم ورقتهما فهماً لكيفية تعريف “الشعب” و”النخبة” و”الآخرين” في باكستان في الوقت الحاضر من منظور حضاري مناوئ ومعادٍ للغرب.[[1]]
يشير الباحثان إلى أن الشعبوية اليوم تُفهم على أنها أكبر من مجرد ظاهرة تقتصر على الديمقراطيات ذات الأداء الضعيف أو كظاهرة استبدادية يسارية. ويشيران إلى أنه بين عامي 1990 و2018، زاد عدد الشعبويين في السلطة في جميع أنحاء العالم، وامتدت الظاهرة إلى ما هو أبعد من أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، لتصل إلى الديمقراطيات الرائدة في الغرب وإلى مناطق جديدة نسبيًا في آسيا. ويشيران إلى أنه على الرغم من تصاعد الشعبوية، فإنه لا يوجد اتفاق على تعريف دقيق لذلك المصطلح، إلا أن هناك اتفاقًا على بعض السمات الرئيسية له مثل: ثنائية “الشعب” مقابل “النخبة”، وفي بعض الأحيان ينضم إلى تلك الثنائية “الآخر” الثقافي والديني باعتباره جزءا من “المشكلة” التي يواجهها المجتمع. ويقولان إنه بالنسبة إلى هذه الورقة فـ”الشعبوية” هي الرؤية السياسية التي تنظر إلى المجتمع ككيان منقسم إلى مجموعتين متجانستين ومتعاديتين في نهاية المطاف، هما “الشعب النقي” مقابل” النخبة الفاسدة” “.
على الرغم من أن الشعبوية تبدو أحادية البعد، إلا أنها شديدة التنوع أيضًا بحسب الباحثَين، فهي للوهلة الأولى، تبدو ضعيفة و “تفتقر إلى التطور الأيديولوجي في مقابل الأيديولوجيات الأخرى مثل الاشتراكية أو الليبرالية”، ولكن في الحقيقة يمكن للشعبوية أن تندمج بسهولة مع معتقدات وأفكار سياسية أخرى، وهو ما يجعلها جزءًا من الطيف السياسي لليمين واليسار على حدٍ سواء.
يؤكد الباحثان أن الشعبوية الثقافية هي واحدة من أكثر الظواهر تنوعًا وانتشارًا. ففي شمال الكرة الأرضية، أسهمت الموجة الأخيرة من الهجرة، لاسيما من اللاجئين من البلدان الإسلامية، في تنامي الشعبوية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. وتجلى ذلك في صعود دونالد ترامب، وفي صعود الهولندي خيرت فيلدرز زعيم حزب الحرية (PVV) صاحب الخطاب المعادي للإسلام، بالإضافة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست).
يتوقف الباحثان لدى “القومية الدينية” عند ترامب، ويشيران إلى أنها تمثل وجهًا آخر للشعبوية المرتبطة بالدين والقومية، حيث ترتبط خلالها ممارسة الإيمان المسيحي بالهوية وبالمفهوم القومي، وهو اندماج تم منذ فترة طويلة كجزءٍ من السياسة المحافظة في الولايات المتحدة، ويشيران إلى أن أحد أسماء هذا المفهوم هو ما يطلق عليه “الدين المدني الأمريكي”، وأنها في شكلها الشعبوي الحالي، وبدعم إنجيلي، زعمت استهداف “المؤسسات الفاسدة للحكومة الأمريكية”. وجمعت بين النزعة القومية والدين لخلق هوية محددة للشعب الأمريكي. وقد انعكس ذلك في خطاب وسياسات ترامب التي اعتمدت على استرضاء “الأمريكيين المسيحيين”. ويقول الباحثان إن هذا بالتحديد هوما يميز الشعبوية الأمريكية عن النسخة الشعبوية الأكثر علمانية في أوروبا الغربية.
يشير الباحثان إلى أن عمران خان بدأ حياته السياسية بعد تقاعده من احتراف لعبة الكريكيت دوليًا. وأنه جرى التعامل معه كبطل قومي كونه كان قائد المنتخب عندما فازت باكستان بكأس العالم للكريكيت للمرة الأولى والوحيدة في عام 1992، ويشيران إلى أنه ينتمي أيضًا إلى الطبقة العليا، وأنه أمضى معظم شبابه يعيش “أسلوب حياة غربي”. وأكسبه نمط حياته صورة الـ “بلاي بوي” (الفتى اللعوب) في الثمانينيات بسبب تناول الصحافة الشعبية حياته الشخصية بشكل ثابت. ولكن بمجرد دخوله السياسة، “أعاد اكتشاف تراثه الإسلامي وغيّر تدريجياً أسلوبه ووجهات نظره وتصريحاته. ويشيران كذلك إلى أنه دخل الحياة السياسية رسميًا في عام 1996 من خلال إنشاء حزب PTI الذي قام على أيديولوجية شعبوية تنتقد سياسات “النخبة” المترفة في باكستان وحرمان معظم الشعب من حقوقه الأساسية. وقدم نفسه كمحارب للفساد وللمافيات السياسية.
ختامًا، يشير الباحثان إلى أن باكستان الجديدة” تحت حكم خان هي بناء شعبوي، وأن اتكاءه الشعبوي على المفردات الإسلامية هو “مرهم” أو علاج مؤقت يهدئ الشعب الباكستاني الذي يعاني من الحرمان، كما أن السياسات التي ينتجها تعمق الانقسامات الموجودة مسبقًا في المجتمع وتوسعها على المستويين المحلي والدولي.



