إذا زرت هولندا فربما لفت انتباهك عدم وجود ستائر على النوافذ الكبيرة للبيوت الجميلة والمتراصة بنظام دقيق فكأنها بيوت دمى. وإذا صادف أن تجولت أو مررت ليلا في بعض المدن الصغيرة وفي بعض الأحياء فسترى الضوء الهادئ يتسرب من المنازل ليضيء الأزقة حيث ضوء الإنارة العمومية جد خافت، وستقع عيناك على تفاصيل من حياة الناس الذين لا يبدو عليهم في سكونهم وحركتهم أي حرج من انكشاف عالمهم الخاص، فهذا يشاهد التلفاز وهذه تقرأ وآخر واقف في مطبخه يرتبه قبل الخلود للنوم وفي ركن من الأركان ينزوي طفل بهاتفه وبالقرب منه يجلس كلب العائلة!
يعطيك هذا المشهد إحساسا بالحميمية والدفء والأمان ولكنك لا شك ستستغرب مثلي، أنت العربي المسلم، لرؤية البيوت هكذا مباحة لأنظار المارة ولعيون الفضوليين والعامة فبيوتنا، نحن، عورة ولها حرمة ودخولها يكون بعد الاستئذان ويتم بأدب وحشمة وبغض للنظرة!
ذات يوم تجاذبت أطراف الحديث مع صديقة بلجيكية وتحدثنا عن هولندا وخصوصياتها مقارنة ببلجيكا، فذكرت لها استغرابي ودهشتي من عدم وجود ستائر على النوافذ، فقالت هي رسالة من صاحب البيت للجيران والمارة أن “ليس لدي ما أخفيه!” أما الشخص المار أمام المنزل فعليه أن يغض بصره ويتجنب الفضول! ابتسمت وقلت لها:” كيف يا صاحبتي لعيني ألا تسترق النظر لبيوت بهية قد رتبت ومن حسنها أدهشت فكأنها لمتعة عيون المارين زينت ولجلب فضولهم هيئت!”
إن فكرة “الشفافية” هذه مرتبطة بالبروتستانتية وبالكالفينيزم خاصة، الذي نشأ في القرن السادس عشر الميلادي. فالمواطن الصادق والنزيه ليس لديه ما يخفيه عن أنظار الجيران والغرباء والمارة، فإذا ما أغلقت الستائر فإن ذلك قد يوحي بالشك والريبة وإخفاء أمور قبيحة! والآن ورغم تقادم الزمن وتراجع التدين عند الهولنديين فلا زالت هذه العادة من العادات التي يتوارثها الهولنديون ويتميزون بها.
إن البيت الهولندي يجب أن يكون منظما ونظيفا، إذ لا يخطر على بال الهولندي أن يُري الآخرين والمارين من ذاته عالما غير منظم يوحي بفوضى شخصية وأخلاق مريبة. كل واحد عليه أن ينظف زجاج نوافذ بيته وكذا أمام باب داره. كل فرد يعتني اعتناء خاصا بما يريه للآخرين وبما يبرزه من بعض جوانب شخصيته. فكأنها عملية إخراج بديع وعرض لبعض العوالم الداخلية للفرد (مدخل الدار، تمثال بوذا، اختيار أشكال النباتات والزهور المنسقة بذوق رفيع في الحديقة الأمامية للبيت …)، إضافة إلى بعض الأشياء الموضوعة بعناية على جنبات النوافذ والتي قد تمنع بصرك من أن يمتد بعيدا وأكثر من اللازم! ووسط هذا المشهد يراقب الجيران بعضهم بعضا ولا يتحرجون ولا يجدون غضاضة في إبداء ملاحظاتهم إذا رأوا عدم اهتمام الجار ببيته، كما أنهم يراقبون البيت في غياب صاحبه!
هذا وإن هناك تفسيرا آخر لعدم وجود ستائر على نوافذ البيوت، فهولندا معروفة في تاريخها بالملاحة وبتطور أسطولها بشكل كبير ابتداء من نهاية القرن السادس عشر الميلادي مما جعل عددا مهما ولا باس به من الرجال بحارة تمخر بهم السفن عباب البحر ويغيبون عن بيوتهم لأشهر طويلة فكانت نساءهم لا يضعن ستائر على النوافذ دليلا على عفتهن وإخلاصهن لأزواجهن الغائبين! وهذا نوع من الرقابة الاجتماعية تُحفظ بها سمعة الأسر ويصان بها شرف الرجال!
لا أخفي عنك أيها القارئ الكريم أن موضوع غياب الستائر هذا شغلني لمدة وأدهشني تلك الدهشة التي تصيبنا عندما نكتشف عالما إنسانيا بعيدا ثقافيا ودينيا عن عالمنا الذي نشأنا فيه فنحاول أن نفهم كيف يتداخل الديني والثقافي فتُبنى الأنساق الثقافية والاجتماعية للمجتمعات البشرية التي تشكل عالمنا الإنساني المركب والمعقد والمتنوع، وكيف تَرسم المجتمعات الإنسانية الحدود بين ما هو عام وما هو خاص، وكيف تتشكل عوالمنا الداخلية وترسم، كما ترسم معها تلك الحدود الفاصلة بين ما نحتفظ به لأنفسنا من أمور لا يعلمها إلا الله وبين ما يعرفه ويراه منا أقاربنا وأحبابنا وبين ما يراه العامة أو ما نُري العامة منا.
في عصر الشبكات الاجتماعية والعولمة تنشأ أجيال تدخل العوالم الافتراضية منذ نعومة أظافرها وربما تسكنها وتتفاعل معها أكثر مما تتفاعل مع محيطها القريب فيتضاءل تشربها للأنساق الدينية والثقافية والاجتماعية الموروثة، فتنفصل وجدانيا وثقافيا ودينيا عن تاريخ طويل تشكلت فيه أعراف وتقاليد وعادات تناقلها الأجداد، منها ما حفظت بها أسرار وأسر وخصوصيات في كشفها للعامة خرم للمروءة وقد يكون في تعريتها وزر وخطر على النفس والبشر هكذا ذكر في الأثر! وفي عالم مفتوح يجنح نحو الفردانية ويبهت فيه النفس الجماعي وتتآكل فيه نماذج الرقابة الاجتماعية التقليدية وتذبل، هل ستصبح بيوتنا بيوتا بدون ستائر يدخلها كل عابر وللعوالم الافتراضية زائر؟



