قبل ست سنوات كنت في أيامي الأخيرة بنيويورك، وكان باراك أوباما أيضا في عامه الأخير في البيت الأبيض، انطفئ بريق المدينة في عيناي، وبدا لي كل الذين ارتطمت بهم في الشارع في تلك اللحظة يشبهونني منهكين وضائعين، ضاقوا بسطوة كل النماذج والأنساق والأسئلة والأجوبة التي لا تكف عن ملاحقتهم إلى كل مكان.
غادرت أكاديمية فنون الإخراج (New York fil) حيث كنت أدرس، وأطلق الباب صؤيؤا موجعا، بعد أن انتهت حصة مادة السيناريو مع منتج الأفلام الأميركي غيلبرت شيلتون بسؤال غير متوقع، فجأة وجدت نفسي أشتبك من جديد مع ورطة خلت أني قد تجاوزتها أو على الأقل طبعت معها، باغثني غيلبرت متسائلا: سارة لم ترتدين الحجاب؟، شعرت بوخز حاد دس في جوفي، كان السؤال صادما ومربكا ومحرجا في آن معا، لأنه ذاته الهاجس الذي ظل يحفر عميقا في جمجمتي الصغيرة أخاديد في كل اتجاه كلما غطيتها بقماش، إنه شيء يشبه القدر صنعته لنفسي بيدي ومازلت أقلبه على أحوال ومواضع كثيرة دون أن استقر على جواب، سوى أني أملك فسحة الاختيار وفسحة أخرى للتفكير وحقا أصيلا في أن لا يكون جسدي وسيطا بيني وبين الناس.
سريعا داهمني السؤال، وبالسرعة نفسها التمعت في رأسي كل الردود الممكنة، أكثرها صراحة ربما، هل تملك يا غيلبرت أصلا حق السؤال؟
أنا يا غيلبرت بارتدائي الحجاب أستهلك رمزا ثقافيا أشهر عبره للعالم حولي هويتي وانتمائي، عالم بالقدر الذي انمحت فيه كل الفروق بالقدر الذي ارتفع فيه الطلب على الاستهلاك وأنا هذه المرة أستهلك رمزا دالا على الهوية، فما رأيك؟
ليس بهذه البساطة يا غيلبرت اخترت أن أقلص انتمائي إلى إثنية يجب أن تظهر وتبرز، ولا أن أتنكر لكل طبقات هويتي المركبة لأعرف نفسي بمعالم هويتي الدينية فحسب، لأنها هوية يراد لها أن تشيع، ولأنها محض ذرع نتوهم أننا نتحصن به في مواجهة العدو الخارجي الذي يتربص، أو مجرد هوية صمدت إلى الآن فيما الهويات الوطنية تشظت وتحللت تحت عسف الاستبداد..
لكن دُلني يا غيلبرت ماذا أفعل وكل شيء حولي ينهار، كل شيء يدفعني لأصير كائنا مقتلع الجذور، هل أذعن أم أقاوم؟
وهذا الرمز يا غيلبرت على كل حال يجعلني بطريقة ما مرئية قادرة على المعاندة، على الصراخ عاليا على الأقل ليدرك الجميع بمن فيهم أنا أننا في ورطة حضارية كبرى، لعل أحدهم يخبرنا ماذا تريده ثقافتنا من النساء وأي صورة في مخيالها تصنعها لهن، كيف سنتحرر ونقبل على العالم بصورة تشبهنا، تشبه توقنا للكرامة والحرية واحتقارنا للظلم والاستبداد في هذه الجغرافيا المغلقة حيث نعيش.. ما رأيك؟؟
هل تسمعني يا غيلبرت هذا صوت امرأة كانت تغالب الصمت كما الكلام، هذه كلمات فتاة مرتبكة تبحث في الكتابة عن اتزانها، أنا أريد يا غيلبرت أن تتحرر كل النساء لكن بإرادتهن، ببحث دائب عن المعرفة، بإطلاق العنان للحالة الثورية التي تسكنهن، لا أن يتحررن بالإقصاء والتمييز والاضطهاد.
أنا أرتدي الحجاب يا غيلبرت وأواظب على حضور حصتك ولا أمتنع عن تصوير أي مقترح فيلم قصير، لأني أريد أن أخرج من ضيق الثنائيات التي حُشرنا فيها، ومن بؤس القوالب التي تتعالى على ذواتنا الإنسانية الهشة، لأني أصر أن تتكبد أنت عناء استكشاف ماهيتي التي يواريها عنك حجابي وتلك الأكوام الهائلة من التهم التي يتقاذفها في بلادنا خصوم الحجاب وأنصاره..
أما أنا فنصيرة نفسي لاغير ولم أكن يوما خصمها، ولا أعرف إن كنت أقول لك الحقيقة يا غيلبرت أم أسرد عليك كل الأحكام الثقيلة التي ألقوها في وجهي لسنوات، لكن ما أعرفه أني محجبة لأني غاضبة ولأني مقهورة، ولأني ضائعة، ولأني ابنة حضارة حائرة تضعنا كل يوم في مأزق ولا تتكبد عناء انتشالنا لا من الماضي ولا من الحاضر ولا نعرف فيها شيئا عن المستقبل..
أنا محجبة لظني أني بطريقة ما أقاوم أستاذ الفصل الذي سخر مني وتوقع أن أصبح صحفية في إحدى قنوات الوعظ الديني فعاهدت أن أكون صحفية ومن طراز أرضى فيه عن نفسي صعبة الإرضاء.
أنا محجبة يا غيلبرت لأني بشكل ما مستفزة، وأرفض الاستسلام وأفضل أن أعارض عقولا مستبدة تحاكم جسدي وملبسي وغير قادرة عن تشكيل صورة عني بمعزل عنه..
لا شك أني لم أكن أخبر أستاذي بالحقيقة، بقدر ما كنت أبوح له بكل الأفكار الثاوية في صدري لسنوات.
فعلى هذه الهوامش مجددا في بلادنا كانت تصنع جماعة الرفض، جماعة إضافية من الضحايا، من النساء المقصيات المنسيات، جماعة عالقة في لحظة اشتباك مع ذواتها لأنها لا تجد جوابا عما يمور في دواخلها من أسئلة، لأنها في لحظة تدافع مع الخارج الذي لا يكف عن تسخير لباسها مادة لاستقطاب لا يهدأ.
وأنا ألف الحجاب لم يتلبسني يوما شعور بالانكشاف ولا بالتواري أو التخفي، ولم تكن صورتي عن ذاتي مفارقة لتلك التي أظهر بها للناس بل تتماهى وتتطابق مع تلك التي أكشفها لنفسي أمام المرآة بعد يوم طويل.
لكن لم أستطع إلى الآن تشكيل سردية مقنعة عن تلك القوة الخفية التي حرضت فتاة لم تجاوز الثامنة عشر من عمرها، نشأت في بيت كان يحترم التدين كخيار شخصي ولا يفرضه كالتزام قاهر، عن قوة سحبتها لتتخذ ذلك القرار المفاجئ لوالديها أولا قبل أي أحد آخر.
لا أملك بعد جوابا مقنعا يا غيلبرت لأنني ابنة نسق حضاري أنهكته الأجوبة القطعية وشرخته المسلمات، لكن ما أعرفه يقينا أني عوقبت أكثر من مرة على ارتدائي الحجاب، كنت أفتح أبواب الفرص أمامي بمشقة بالغة، وكنت أنتزع الاعتراف بعد جهد وكد، والأسوء بعد أن أمتحن فيما أضمر وأعتقد، كنت ببساطة إحدى ضحايا بنية قهرية تتسلط على النساء عبر أجسادهن ما يظهرنه منها وما يخفين، وصرت بأسف صاحبة مظلمة لا أستطيع التخفف منها، لقد سلبت أحلامي التي تطاول السماء لأني أرتدي الحجاب.
لكننا نساء نولد من جديد، نولد من وحي هذه اللحظة العربية الثائرة، نقلب بتحد كل العفونة التي تراكمت في تربتنا لسنوات طويلة، نساء لا يكفيهن جواب وحيد عن سؤال لم الحجاب، لكنهن بجسارة وبوعي حاد بالذات مقبلات على الاشتباك مع كل الأجوبة.



