لم يكن التنوير Enlightenment مجرد مفهوم مندرج ومنسجم مع زمن شاع وانتشر فيه، أي في العصر الحديث، بل إنه مفهوم يحمل قيمة إنسانية تنم عن واقع تاريخي وثقافي جديد ولجه الإنسان، لدرجة أصبح معها إسقاطا على مراحل زمنية سابقة على التنوير ذاته.
من اللائق الحديث عن التنوير بصيغة الجمع وليس بالمفرد. لم يكن التنوير واحدا موحدا إنما في داخل التنوير أنوار Lumières، بمعنى أنوار العقل. فالنور المقصور هو نور العقل؛ غير أن هذه الملكة الأساسية في الإنسان وباتفاق الفلاسفة حولها كجوهر بشري واحد، تعددت بشأنها الفهوم منذ القديم. ذلك أن ما أفرزته مختلف الفلسفات منذ سقراط بل وقبله إلى العصر الذي اصطلح عليه بعصر الأنوار ويقصد به القرن الثامن عشر تحديدا، يشير إلى تعدد التأويلات للعقل.
من الخطأ الاعتقاد بأن نقد التنوير نشأ بعد قرنين من ميلاده أو وجب انتظار فترة طويلة كي تلوح في أفق التنوير خصومات وانتقادات، بين منظّري التنوير وصُنّاعه، تجلت التباينات بوضوح، بين تنوير أوربي وآخر أمريكي أو تنوير آخر، بل حتى داخل التنوير الأوربي نفسه وقع الاختلاف. وقد قوبلت طروحات التنويريين ــ بعضها على الأقل ـــ باعتراضات، ظهرت منذ بداية تجلّي المشروع التنويري، إذ يكفي أن نستحضر في هذا المقام موقف موزيس مندلسون Moses Mendelssohn الذي أجاب هو أيضا عن سؤال ما الأنوار؟ Was ist Aufklärung ? في وقت واحد تقريبا مع إجابة كانط Emmanuel Kant (إحداهما في سبتمبر والأخرى في ديسمبر من سنة 1784 وبخمس سنوات قبل الثورة الفرنسية). ولئن كانت إجابة كل منهما، على الرغم من قصرها، مؤكدة على دور العقل وضرورة أن يستعمل بأقصى مداه كما صرح كانط مستوحيا ذلك من عبارة الشاعر اللاتيني هوراسHorace Sapere aude (كن جريئا في استخدام عقلك)، فالتجرؤ على المعرفة والبحث عن الحقيقة كهدف إنساني لن يتم بلوغه دون استخدام جريء وقوي للعقل، بات شعارا للأنوار، يخرج الإنسان وينتشله من قصوره. إلا أن مندلسون ومع اعترافه بما للعقل من وزن في الفعل التنويري يصر في بداية إجابته على وجوب توضيح ما بين التنوير والحضارة والثقافة من تداخل، فالحضارة في تقديره في نهاية القرن الثامن عشر بدت جديدة في قاموس المفكرين والفلاسفة، وهي بمثابة تعديلات وتحويرات للحياة الاجتماعية عبارة عن آثار ملموسة، وجهود البشر لتحسين وضعهم الاجتماعي. وعليه ينظر مندلسون إلى أن التنوير يمثل للحضارة ما تمثله النظرية بالنسبة للممارسة وما تمثله المعرفة للأخلاق وما يمثله النقد للبلاغة. ومن النادر بحسب مندلسون أن يجتمع التنوير والحضارة لدى شعب واحد كما حدث مع الإغريق، الذين كانوا أمة مثقفة مثلما كانت لغتهم تنم عن تنوير أيضا. فاللغة هي الشاهد على حضارة وعلى ثقافة وعلى تنوير شعب ما أيضا. لقد خشي مندلسون أن يتعارض مفهوم تنوير الإنسان مع تنوير المواطن، الأول من باب أنطولوجي والثاني من باب سياسي وبين الاثنين تناقضات وتحديدات على مستوى الحرية.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى نخطئ إذا اعتبرنا أن من اعترضوا على التنوير كانوا دوما مدفوعين بأسباب دينية. ومن الخطأ أيضا أن نعتقد بأن التنوير كان واحدا، والأفضل أن نتحدث عنه بصيغة الجمع وليس بصيغة المفرد وعليه ففي داخل التنوير أنوار Lumières.
المعروف أن أسس التنوير أربع: العقلانية، التقدم، العلمانية، والكونية. وهي وإن كانت في بادئ الأمر محل ثقة إلى حد أن صارت بديهية، فإنها لم تعد كذلك بعد تجارب وممارسات فضحها الواقع السياسي والتاريخي. إذ وُضع التنوير بعقلانيته وكونيته على محك الخبرة. فقد أثبتت هذه الأخيرة أن نتائجها التي انبنت على العقل كانت وخيمة على الإنسان والبيئة، وكانت هذه دليلا كافيا لنقد الأنوار وإدانتها ومراجعة طموحاتها ووعودها، التي وإن تحقق جزء منها إلا أنه أشبه بدواء يحذّر دوما من آثاره الجانبية كالعبودية والاستعمار والطبقية.
إن التنوير الذي رفع شعار التقدم وسيّده على حياة الإنسان الحديث والمعاصر، لم يعد محل إجماع وبداهة ووجب إعادة النظر في منطلقاته ومآلاته. ذلك أن عودة سريعة وخاطفة لنتائج التقدم العلمي المندمج في المشروع التنويري، تبرز مدى ضرورة مراجعة مبادئ التنوير وتطعيمه بمبادئ لم تراع من قبيل المسؤولية والعدالة والتضامن كحل نسبي لتجاوز أزمة الأنوار.




batmanapollo.ru