الذاكرة كملكة أو كهيئة أو كجوهر هي ذاكرة الإنسان، ذاكرة شعب، وذاكرة أمة ووطن. إذا لم تحظ باستمرار بصيانة وترميم فإن ملامحها تتلاشى وتندثر وهو ما يفيد موتها الأكيد.
للذاكرة الجماعية والوطنية محطات في حياة كل شعب وهي مجموع نضالاته وطموحاته، ما تجسد منها وما ينتظر التجسيد. لذا يحرص كل شعب على الاعتناء بذاكرته ليس بتبجيلها فقط بل الوعي بضرورة العمل على صيانتها باستمرار وترميمها والتجديد في طرق صيانتها، لأنها كباقي الأشياء يعلوها الغبار والصدأ والنسيان.
تعُج ذاكرة البلد بوقَائع منسّية وأخرى مهملة لا تكفي سجلات التاريخ لتدوينها ولا تزال تبحث عن مثمّن لها ضمن مسار الذاكرة الوطنية، وليست هي الأحداث التي تنقص ذاكرة هذا الوطن الحية كي تستعاد بشيء من الأنفة والافتخار لتاريخ شعب تظل أرضه في كل شبر منها تنادي بأسماء الشهداء. ففي كل شهر بل في كل أسبوع وفي كل يوم تمر ذكرى من هذا القبيل (مجازر الاستعمار الفرنسي في الجزائر في 8 ماي 1945)، من شأنها أن تردم الهوة التي ما فتأت تتسع بين السلطة والمجتمع بفعل فقدان الثقة بين الطرفين والناجم عن تعامل فج مع الذاكرة التي احتُكِرت من قبل السلطة في الوقت الذي كانت فيه الذاكرة الوطنية بحاجة إلى ترميم لأنها كباقي الأشياء يعلوها الغبار والصدأ والنسيان.
وفي الوقت الذي كان يفترض أن يساهم الشعب في الحفاظ على ذاكرته وجد نفسه مستبعدا بفعل احتكار السلطة وأطراف أخرى حليفة لها (أحزاب، جمعيات، نقابات، اتحادات وغيرها) لملف الذاكرة وعدم إدماج المجتمع المدني في مشروع ترميم الذاكرة. هكذا كان تعامل السلطات سياسيا مع كل حدث من أحداث الذاكرة بعد الاستقلال وقبله، من نوفمبر إلى ديسمبر، ومن مارس إلى جوان، الكيفية واحدة في النظر للأحداث وإحيائها بما يشبه القطيعة بين سلطة تستغل محطات الذاكرة لتمرير خطابها بصور باهتة مجترة مكررة، تكاد تفقد كل معنى ولا توحي بأي رسالة وبين مجتمع بفعل تعوده على هذا الاستبعاد، صار غير آبه بمحطات ذاكرته، إن لم يكن قد نسيها أو هو في الطريق إلى ذلك كلما تماسفت ذاكرته مع الأحداث. إن كثيرا من شباب اليوم لا يرى في الأيام الوطنية سوى أيام عطلة وراحة ولا تحمل بالنسبة إليه أي قيمة أو رسالة.
إن تجديد كيفيات ترميم الذاكرة وإشراك المجتمع المدني بقوة في هذه العملية هو ما سيعزز أواصر اللحمة الوطنية بين أفراد المجتمع ويجعلهم يندمجون بحق وصدق في النهوض ببلدهم ويمنحهم المناعة الوطنية الكفيلة برفع التحديات، عدا هذا، وإذا استمرت السلطة في النظر والتعامل مع الذاكرة الوطنية بهذه الممارسات الشكلية والفجة والفولكلورية، فإن مصيرها الانكماش والاضمحلال، وعندها لن يكون بمقدور التاريخ الاستناد إلى ذاكرة واهنة تلاشت ملامحها وسيعوضها بسردية أخرى.
لا زلنا أبعد ما نكون عن مقابلة تضحيات من صنعوا مجد هذا البلد بما يليق بمقام تضحياتهم ولم ننجز حتى ما يعيد إلى أرواحهم الفرح في أيام هم من صنعوا أحداثها… يا له من فشل ذريع!!!



