بعد عصر النهضة في الغرب والخلاص من الدوغمائية المسيحية دأب فلاسفة الحداثة (الفلسفات: التحليلية/اللغوية، الفينومينولوجيا (علم الظواهر)، الهرمنوطيقا) ولاسيّما في القرنين الأخيرين على إقناع المجتمع الغربي أنّ تخلف البشر على مرّ التاريخ كان نتيجة الفكر الجزمي الدوغمائي. لم يتمكن الإنسان في الغرب بعد عصر النهضة من التطور في العلوم الطبيعية إلا بعد أن نفض يديه من يقينياته العتيقة، وأعاد النظر في كثير من اعتقاداته الدينية والفلسفية، ومواجهة الجزم الديني المتشدد، الشيء الذي أدى إلى ظهور فكر مغالٍ في الفلسفة يقول بعدم اعتبار أيّ يقين؛ بل إنّ اليقين أمر غير ممكن الحصول، وبناء على مثل هذه النظرة أعلن الفلاسفة أنّ اليقين الوحيد الذي يمكن أن يصل إليه البشر هو أنّه “لا يمكن الوصول إلى أيّ يقين”.
يقول راسل: على البشر تعلم العيش مع الاحتمالات، وأعلن كارل بوبر عبر نظرية “إمكانية الإبطال” أنّ جميع النظريات والأفكار العلمية والفلسفية للبشر على مرّ التاريخ كانت وسوف تبقى عرضة للنقض والإبطال، وفي هذا الصدد أبان المفكرون الإسلاميون المعاصرون عن أفكار ومقولات كثيرة تقليداً لفلاسفة الغرب لا يسعنا نقلها ومناقشتها في هذا البحث الموجز.
وربما كان الفلاسفة الغربيون محقين إلى حد بعيد في محاربة الفكر الجزمي والدوغمائية إلى هذا الحد؛ وذلك لأنّهم قد دفعوا أثمانا باهظة بسبب المسارعين إلى اكتساب اليقين من المتدينين المسيحيين على مدى قرون طويلة، وهي ذات الأثمان التي تدفعها المجتمعات الإسلامية اليوم بسبب كثير من العقائد الخرافية. لقد عمد الفلاسفة في الواقع إلى رفع معايير حصول اليقين والوصول إليه ساعين بذلك إلى تحقيق هدفين؛ أولهما الإبقاء على باب النقاش والحوار مفتوحا دائما في المجتمع، والثاني محاربة أصحاب اليقين الذين يصلون عبر يقينهم الرخيص والسهل وبلا عناء إلى الثبات والاستقرار الفكري، ولكن في ذات الوقت يسلبون المفكرين الآخرين الطمأنينة والأمان.
يودّ البشر عادةً الوصول إلى اليقين والاعتقاد بأيسر السُبل وأخفّها مؤونة، ويكتفون بقبول ما يتناهى إلى أسماعهم من أقوال دون بذل الجهد وتجشم العناء في التحقيق والتمحيص والدراسة المعمقة، وفي بعض الأحيان يودون أن ينقادوا مع أكثرية الخلق فيسيروا أينما ساروا ويؤمنون بما آمنوا به، وبمشاركة الآخرين في الاعتقاد يتخلصون من عبء مسؤولية أيّ خطأ محتمل.
وبعد أن يعيشوا دهرا مع عقائدهم الرثّة تراهم ينتفضون في مواجهة من يحاول مخالفة يقينياتهم وينكرون كلّ من ينتقد هذه العقائد ويشنعون عليه تشنيعا، وكأنّ أفكارهم هديّة إلهية اجتباهم بها الباري تعالى دون سائر الخلق، في حين أنّ مثل تلك العقائد ليست قائمة على أيّ أسس عقلية صحيحة، وإذا ما أنصتَ أصحابها بتعقل إلى كلام الآخرين وبراهينهم لتحولت تلك اليقينيات سريعا إلى مجرّد شكوك.
يصف القرآن الكريم هذه الفئة على هذا النحو :(وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ). (ملک: ایه 10)
وتتمايز أنواع اليقين ويختلف اعتبار بعضها عن بعضها الآخر في كلّ فرع من فروع العلوم البشرية، وذلك بحسب موضوع وطبيعة مسائل كلّ واحد من تلك العلوم، ويكون لذلك اليقين درجات من الشدة والضعف، وفي العموم يعدّ علم الرياضيات رمزاً للعلم اليقيني، فهو ينتج نوعا من اليقين يجعل احتمال إبطال فرضيات ونظريات الرياضيات في حدوده الدنيا.
وعليه كانت الرياضيات على مرّ التاريخ أقل العلوم من ناحية تعرّض فرضياتها ونظرياتها للنقض، أمّا العلوم التجريبية فتُبنى على أساس اليقين الاستقرائي؛ فالعلماء التجريبيون يقومون بإجراء تجارب ويعيدونها مرارا وتكرارا، وبعد الحصول على نتيجة واحدة يصدرون قضيّة كليّة على صيغة معينة، ومن ثمّ يحوّلون فرضيتهم إلى نظرية، ومع ذلك يمكن أن تتعرض كثير من نظريات العلوم التجريبية إلى النقض مع مرور الزمان، ولكنّ عدد النظريات الثابتة غير المنقوضة وإيجابيات المنهج الاستقرائي هي في المستوى الذي يعطي الإنسان نوعا من اليقين المقنع، ومن المؤكد أنّ اليقين الحاصل في العلوم التجريبية لا يرقى إلى قوة ومستوى اليقين الحاصل في العلوم الرياضية؛ ومع ذلك يصنّف فلاسفة العلم العلوم التجريبية تحت نوع الاستدلال بالاستقراء المنطقي.
أمّا في العلوم الدينية فيغدو حصول اليقين أمراً أكثر صعوبة وتعقيدا، وتعدّ الروايات أهم وأوسع مصدر للعلم والمعرفة في الإسلام بشقيه السني والشيعي، والتي من خلالها نتعرف على السنّة القولية والفعلية للنبي والأئمة المعصومين عليهم السلام([1])، وبناء على اتفاق غالبية علماء علم الحديث يكون هذا المصدر للمعرفة الإسلامية سببا في حصول اليقين عندما يبلغ حد التواتر.
طبيعة اليقين في علم الحديث هو من سنخ الاستقراء التاريخي، ولكنها كما بقية العلوم “عقلانية وليست شرعية”، بمعنى كثرة وتكرر وصول الرواية إلينا من طرق مختلفة للرواة بحيث يصبح من المحال عقلا أن تكون هذه الرواية موضوعة، مثل هذا اليقين ليس من سنخ اليقين في الرياضيات أو في العلوم التجريبية، ولكنّه من نتاج حكم العقل لا الشرع، ولأنّ العقل حكم بمثل هذا الحكم فيحكم الشرع بحجيّته واعتباره، بتعبير آخر لم يصدر عن الشرع هنا أيّ حكمٍ ولكن باعتبار أنّ الشارع هو رئيس العقلاء فإنه يحكم بالضرورة واستنادا إلى حكم العقل بقبول حكم العقلاء في اعتبار وحجيّة هذا المصدر المعرفي.
والجدير بالذكر أنّ اليقين الحاصل للمؤمنين عبر الأخبار المتواترة مشروط فقط بوجود سلسلة الرواة إلى المعصوم، وعليه إذا ما نقل الإمام واقعة تاريخية على سبيل المثال، ووصل هذا النقل بالتواتر إلى شخص يعتقد بعصمة الإمام فإنّه سيقبل الرواية من دون الفحص في صحة محتوى الرواية من عدمه، ولن يحصل نقد تاريخي لمضمون كلام المعصوم، ومثل هذه الثغرة؛ أي التحقق من صحة نقل المعصوم وكلامه قد سُدت في العلوم العليا؛ أي علم الكلام عبر الاعتقاد بعصمة الإمام.
حجيّة خبر الواحد
تقسّم الروايات عادةً إلى متواترة وأخبار آحاد، والخبر المتواتر هو الذي وصل إلينا مكررا من طرق مختلفة، وهذا التكرار يكون بحد يصل معه الإنسان إجمالا إلى اليقين باعتبار الخبر ونفي احتمال الكذب فيه، فمثلا كثير من الناس لم يطالعوا الوثائق التاريخية حول وجود أفلاطون، وما اتصف به من حكمة، أو حول كوروش وعدالته، ولكن الأخبار الواردة في هذا الشأن كانت كثيرة بحيث يتيقن الإنسان بوجود هاتين الشخصيتين مع الصفات التي اشتهروا بها.
ويكون تواتر الأخبار إمّا لفظيا أو معنويا؛ في التواتر المعنوي لا تكون هناك ألفاظ واحدة، بل يكون هناك اتفاق في المضمون الذي وصلنا بألفاظ مختلفة، على سبيل المثال أجمع الفقهاء على أنّ صلاة الصبح ركعتان، ولكننا لا نجد مثل هذا الحكم في القرآن الكريم، كما أنّه لم يتكرر في الروايات بلفظ واحد، ولكنّ الفقهاء يجدون أمامهم كمّاً هائلا من الروايات التي توصل إلينا هذا المضمون بطرق متعددة وألفاظ مختلفة، أما التواتر اللفظي فيعني اتفاق الناقلين في ألفاظ الخبر وعباراته؛ من قبيل رواية “من كنت مولاه فهذا علي مولاه” ورواية ” إنما الأعمال بالنيات”، في هذه الأمثلة تكررت الألفاظ بعينها في الأخبار بحيث أنّ الإنسان يتقين أنّها صدرت بهذا الشكل وبهذه الكلمات عن النبي الأكرم (ص)، النقطة المهمة هنا هي أنّ الروايات المتواترة سواء منها اللفظية أو المعنوية قليلة جدا، لدرجة أنّها لم تجمع في مجموعة واحدة حتى اليوم.
وفي مقابل الخبر المتواتر يأتي خبر الواحد، وهو مجرّد تعبير اصطلاحي؛ فكلّ رواية لم تصل حدّ التواتر يطلق عليها اصطلاحا خبر الواحد؛ سواء وصلت إلينا من طريق واحد أو طرق متعددة، وعلى أيّ حال وخلافا للمتواتر لم يبلغ عدد طرقها حدا يحصل منه اليقين بصحة صدورها، ومعنى هذا الكلام ووفقا لإجماع العلماء المتقدمين والمتأخرين هو أنّ أخبار الآحاد في حال صحة سندها، وعدم مخالفة مضامينها لصريح حكم العقل ولظاهر آيات القرآن؛ فإنّ أقصى ما يمكن أن تفيده هو إيجاد نوع من الظنّ عند الشخص، أي أنّها لا تؤدي إلى اليقين.
وتثبت حجيّة الأخبار المتواترة بحكم العقل، ويؤيد الشارع _وهو رئيس العقلاء_ هذه الحجية بسبب ثبوتها عند العقلاء، والسؤال هنا أنّ الفقهاء بحاجة إلى آلاف المستندات الفقهية في عملية استنباط الأحكام، وهي كثيرة العدد؛ فهل جميع الروايات التي بين أيديهم هي روايات متواترة؟ الجواب بالتأكيد هو النفي.
ولا يمكن للشيعة في زمن الغيبة التواصل مع الإمام المعصوم ليأخذوا منه مباشرة أحكامهم الفقهية خالصة من أدنى شكٍ أو خلل (في وثاقة السند ووضوح الدلالة). إنّ أكثر ما وصل إلينا من روايات في أبواب الفقه هي أخبار آحاد، وكما قلنا سابقا خبر الواحد ظنّي الدلالة، وإنّ صريح حكم العقل وصريح آيات القرآن الكريم يقول بأنّه لا قيمة للظنّ، فكيف يمكن الحصول على مصدر موثوق لاستنباط أحكام الشريعة؟
وبتعبير آخر في زمن غيبة الإمام “عليه السلام” يكون باب العلم بواقع أحكام الشريعة “مسدودا”، وقد ناقش الأصوليون هذا الموضوع في كتبهم الأصولية تحت عنوان “انسداد باب العلم”، وكأنّ ذلك الحرمان من إمكانية الاستفادة من العلم اليقيني من جهة، وضرورة معرفة الأحكام الإلهية والعمل بها في زمان عدم حضور المعصوم من جهة ثانية قد دفع الأصوليين لإيجاد حلّ مناسب لهذه المعضلة، والحل المقترح هو القول بحجيّة خبر الواحد الواصل إلينا عن طريق العادل أو الراوي الثقة، على أن تنحصر هذه الحجية في علم الفقه، ولإثبات صحة الحلّ المقترح جاء الفقهاء بأدلة مختلفة من القرآن والسنة، وخصصوا جزءً من كتبهم الأصولية لبيان أدلة حجيّة خبر الواحد، ونحن نصرف النظر عن ذكرها هنا تجنبا لإطالة الكلام.
أمّا هدف العلماء من القول بحجيّة خبر الواحد فهو فتح باب جديد للمعرفة يكون بديلا للعلم اليقيني، وسمّوا هذا المصدر الجديد “باب العلمي” في مقابل “باب العلم”، وعليه تأخذ المعرفة الظنّية الحاصلة عن أخبار الآحاد مكان المعرفة اليقينية في استنباط الأحكام الشرعية، وهذا النهج طريق عملي لاجتناب تعطيل أحكام الشريعة، في الزمن الذي يكون فيه الطريق إلى العلم اليقيني مسدودا.
ويعدّ الشريف المرتضى من المنكرين الأشداء لحجيّة خبر الواحد، وهو مع اعتقاده بانسداد باب العلم عن طريق الأخبار بسبب عدم حجيّة خبر الواحد؛ لكنّه يرى أنّ طريق المعرفة هذا غير مسدود في الفقه “فإن قيل: إذا سددتم طريق العمل بالأخبار في الشريعة فعلى أيّ شيء تعولون في الفقه كله؟ قلنا: قد بيّنا في مواضع من كلامنا كيف الطريق لنا مع نفي القياس والعمل بأخبار الآحاد إلى ذلك“([2]).
ويوضح الشيخ الأنصاري كلام السيد المرتضى بقوله: “على أنه لو فرض الحاجة إلى أخبار الآحاد -لعدم المعول في أكثر الفقه -لزم العمل عليها وإن لم يقم عليه دليل بالخصوص، فإن نفس الحاجة إليها هي أعظم دليل، بناء على عدم جواز طرح الأحكام”([3]).
النطاق المعرفي لخبر الواحد
وبالنظر إلى منشأ وتاريخ اعتبار خبر الواحد فإن أكثر علماء الإمامية يقصرون اعتباره على علم الفقه فحسب، وذلك لأنّ مجال علم الفقه يتعلق بتكليف أحكام الشريعة النازلة من الشارع المقدس الذي أثبت الحجيّة في الظن الحاصل عن الروايات لدليل خاص وهو التعذير وتجنب تعطيل أحكام الشريعة، ولكن إن لم يكن محفوفا بالقرائن المؤيدة فلن يكون له قيمة معرفية ولن يؤدي إلى اليقين في سائر ساحات العلم؛ ومنها الموضوعات الاعتقادية؛ كالتوحيد والنبوة والمعاد، والموضوعات الخارجية، من قبيل خلق السماوات والأرض، والتاريخ، والمسائل العلمية كالطب وغيره.
بالنظر إلى ما وقع على الروايات طوال قرون، من منع الخلفاء لكتابة الحديث في القرون الأولى، إلى التسابق والتنافس في تحريف الأحاديث ووضعها في إطار التناحر العقائدي بين الفرق الإسلامية، والحوادث التاريخية التي أدت إلى ضياع المصادر المعتبرة كالحرائق وغيرها، وكذا التدخل المنظّم للسلطات الحاكمة الظالمة لجعل الأحاديث بما يخدم مصالحها السياسية، كلّ هذه الأمور والعوامل أفضت إلى التقليل من اعتبار الأحاديث وحجيّتها ومكانتها إلى مستوى الظن والاحتمال، وعليه يمكن القول إنّ قصر علماء الإمامية حجية أخبار الآحاد على الفقه ([4]) دون غيره من العلوم يبدو عملا ومنهجا منطقيا وعقلانيا([5]).
يقول الشهيد الثاني في عدم كفاية الظنّ في أصول الاعتقادات: “وأما ما ورد عنه عليه السّلام من طريق الآحاد فلا يجب التصديق به مطلقا وإن كان طريقه صحيحا لأنّ خبر الواحد ظنّيّ قد اختلف في جواز العمل به في الأحكام الشرعيّة الظنّيّة فكيف الاعتقاديّة العلميّة، ولاستلزامه التكليف بما لا يطاق، وإن كان قد يجب العمل بمدلوله في بعض الموارد، لكن لا على سبيل المعرفة”([6]).
ويرى العلامة الطباطبائي فيما يرتبط بدور المعرفة اليقينية أنّ الإنسان بحكم فطرته لا يبغي في حياته إلا إصابة الواقع، يقول: “وفي ذلك إمضاء لما تقضى به الفطرة الإنسانية وهو وجوب اتباع العلم والمنع عن اتباع غيره فإن الإنسان بفطرته الموهوبة لا يريد في مسير حياته باعتقاده أو عمله إلا إصابة الواقع والحصول على ما في متن الخارج والمعلوم هو الذي يصح له أن يقول: إنه هو، وإما المظنون والمشكوك والموهوم فلا يصح فيها إطلاق القول بأنه هو، ولا شكّ أنّ التعبّد بالدليل الظنّي في غير الأحكام الشرعية يخالف الفطرة البشرية.”[7]
ويقول في الميزان حول هذا النوع من الأخبار: “إنّ الآحاد من الروايات لا تكون حجّة إلا إذا كانت محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم؛ أعني الوثوق التام الشخصي، سواء كانت في أصول الدين أو التاريخ أو الفضائل أو غيرها إلا في الفقه…”([8]).
ويقول في محلّ آخر من الميزان: ” قد اتضح في علم الأصول اتضاحا يتلو البداهة أن لا معنى لحجيّة الآحاد في غير الأحكام كالمعارف الاعتقادية والموضوعات الخارجية”([9]).
بداهة هذه الدعوى من وجهة نظر العلامة الطباطيائي هو ذاته دليل الفقهاء الذي يقول إنّ حجية الخبر الواحد ليست إلا بهدف إيجاد منفذ وحلٍّ عندما يكون طريق العقل والعلم اليقيني مسدودا أمام المجتهدين.
يصرّح العلامة أن الفقهاء أرادوا من هذا الطريق الاستفادة من الروايات التي وصلتهم في استنباط الأحكام الشرعية في أبواب الفقه فقط، وعليه فإنّ الاكتفاء بالظنّ والاحتمال في الموضوعات الأخرى ومنها العقائد والتاريخ والموضوعات الخارجية يعدّ أمرا مخالفا للعقل.
كما يتحدث العلامة الطباطبائي حول المكانة المعرفية لأخبار الآحاد في تفسير القرآن الكريم، فيقول: “إنّ روايات التفسير إذا كانت آحادا لا حجيّة لها إلا ما وافق مضامين الآيات بقدر ما يوافقها على ما بيّن في فنّ الأصول، فإنّ الحجيّة الشرعيّة تدور مدار الآثار الشرعية المترتبة فتنحصر في الأحكام الشرعية، وأما ما وراءها كالروايات الواردة في القصص والتفسير الخالي عن الحكم الشرعي فلا حجيّة شرعية فيها”([10]).
ويرى بعض الفقهاء الكبار الذين تعاملوا مع هذه المسألة بمزيد من التعمّق والتمحيص أنّ هذه الأخبار ليست فقط غير مفيدة في أصول العقائد بل هي فاقدة للاعتبار والحجيّة كذلك في المسائل الفقهية المهمة المرتبطة بدم الإنسان، وكان الشيخ الطوسي أول من صرّح بهذا الرأي من بين القدماء، وهو يقول في شرح الاستدلال بآية النبأ التي يُستدل بها كدليل قرآني على حجيّة خبر الواحد:
“إن هذه الآية نزلت في فاسق أخبر بردة قوم، وذلك لا خلاف أنه لا يقبل فيه (حكم الارتداد) أيضا خبر العدل، لأنه لا يجوز أن يحكم بارتداد أقوام بخبر الواحد العدل”([11]).
وتابع المحقق الأردبيلي في كتابه شرح إرشاد الأذهان الشيخ الطوسي في رأيه؛ فقال: “اعلم أن القتل أمر عظيم لاهتمام الشارع بحفظ النفس، فإنه مدار التكاليف والسعادات ولهذا أوجبوا حفظها حتى أنه ما جوزوا الترك ليقتل، بل أوجبوا عليها أن تقتل غيرها ولا تقتل، والعقل أيضا يساعده في الجملة وحينئذ ينبغي الاحتياط التام في ذلك”([12]).
ومن بين الفقهاء المعاصرين طوّر المرحوم السيد أحمد الخوانساري (ت 1985) هذه النظرية ورتّب عليها نتائج فقهية هامة، والسيد أحمد الخوانساري من تلامذة آقا ضياء العراقي والآخوند الخراساني، وأحد أكبر الفقهاء المعاصرين، وصاحب الكتاب الفقهي المميز والفريد “جامع المدارك”، وهو بحق من كتب الطراز الأول في فقه الإمامية في القرن الرابع عشر، ويفصح هذا الكتاب عن “استقلال الرأي” والإبداع والمستوى العلمي المميز لصاحبه[13].
يقول الخوانساري: “ونحن لا نميل إلى العمل بخبر الواحد في الدماء وإن كانت من الفروع لا من الأصول”.
وبعد أن أبطل حجيّة خبر الواحد في الأمور المهمة من قبيل الدماء (إعدام المرتد وما شاكله) لم يُجز إجراء أحكام الحدود مطلقا في عصر الغيبة، وبناء عليه يرى الخوانساري أنّ صلاحيات الفقيه محدودة للغاية، ولا ينكر ولاية الفقيه في الأمور العامة فحسب بل ينكرها في الأمور الحسبية أيضا.
يقول آیة الله الخوانساری: “وفي المقام شبهة أخرى، وهي أن اعتبار خبر الثقة أو العدل مع توثيق بعض علماء الرجال أو تعديله من جهة بناء العقلاء أو الاستفادة من بعض الأخبار لا يخلو عن الإشكال في الدماء مع شدة الاهتمام في الدماء؛ ألا ترى أنّ العقلاء في الأمور الخطيرة لا يكتفون بخبر الثقة مع اكتفائهم في غيرها به”([14]).
ويطلب الخوانساري من المخاطب أن يحتكم إلى عقله في هذه المسألة، ويقول ألا ترى أنّ العقلاء في الأمور الخطيرة لا يكتفون بخبر الثقة مع اكتفائهم في غيرها به”، فعلى سبيل المثال إذا ما أرسل صاحب متجر غلاما إلى جاره ليقترض منه مئة ألف تومان، فالجار سوف يعطيه هذا المقدار من المال بلا تردد، أمّا إذا كان المال خمسة ملايين تومان فهو لن يسلّم المبلغ قبل أن يتواصل مع جاره ويتأكد من صحة الأمر، وعليه فإنّ سيرة العقلاء تقوم على حاجتهم في الأمور الخطيرة والهامة إلى نوع من اليقين والاطمئنان([15]).
دليل الإخباريين وبعض الأصوليين على حجيّة خبر الواحد في فروعات أصول الدين وغيرها من الموضوعات
ذهب بعض الفقهاء الأصوليين، والأخباريون إلى القول بحجيّة أخبار الآحاد في فروع الاعتقادات؛ من قبيل الجزئيات المتعلقة بالنبوة، والإمامة، والولاية، وأحوال المعاد، أو في المسائل المربوطة بجزئيات خلق العالم، وعوالم الخلقة، وما إلى ذلك.
ودليلهم على هذا المدّعى أنّ العقائد عبارة عن نوع من السلوك والعمل الاختياري القلبي، أي أنّها عبارة عن التسليم والانقياد، وبناء عليه يمكن أن تكون كسائر الأعمال موردا لأمر الشارع ونهيه، ومخالفتها تستوجب العقوبة، وعليه لا مانع من التعبّد بخبر الواحد في الحد الأدنى في الفروع الاعتقادية.
وقد أقام الشيخ محمد السند البحراني أدلة عقلية ونقلية على مدّعى كفاية الظنّ في فروع العقائد، يقول: “اليقين اللازم في العقائد يختلف عن اليقين المنطقي والبرهاني، ويتناغم مع الاطمئنان ودرجات من الظنّ أيضاً؛ وذلك لأن اللازم في العقائد هو الإيمان وما ينعقد عليه القلب والتسليم والإذعان، وهي عملية نفسانية، ومن سنخ الحكمة العملية، مضافاً إلى أنّ القول بظنّية الأخبار إنما ينشأ من الرؤية المجتزأة والمنفصلة والجزئية إليها، وأما الرؤية الكلّية والشمولية، بمعنى النظر في مجموع الروايات والمؤيدات والقرائن الداعمة، فإنه يرفع من احتمال الصدور إلى مستوى اليقين والتواتر، أو في الحدّ الأدنى إلى مستوى الاستفاضة”[16].
وفي ردّ هذا الاستدلال يمكن القول أنّ حقيقة كون الإيمان هو انقياد القلب إلى شيء ما لا ينتج ولا يعني أنّه من سنخ الحكمة العملية فقط، وأنّه أمر اختياري مباشر ويقبل الأمر والنهي، ولكن للإيمان ركنان: الأول المعرفة والتصديق الذهني؛ أي الاعتقاد وهو من سنخ الحكمة النظرية، ولا يمكن أن ينشأ من دون مقدمات علمية ومنطقية خاصة، فإذا كان إنسان ما سريع التصديق ويصل حقيقة إلى المعرفة اليقينية عن طريق أخبار الآحاد، فهو يمكنه العمل وفق اعتقاده، ولكن سرعة التصديق والاعتقاد عند البعض لا تستلزم حصول اليقين لدى الآخرين، ولا توجب حجيّة هذه الأخبار عندهم.
ويرى الشيخ السند أنّ دراسة سند الروايات وحصول الاطمئنان بصحتها أمرٌ صعب للغاية، ولكن مع وجود المؤيدات والقرائن العاضدة من الأدلة اليقينية الأخرى كالقرآن الكريم يرفع احتمال الصدور إلى اليقين.
وسبب الاعتقاد بمثل هذه النظرية من قبل الشيخ السند وجميع القائلين بها _من الأخباريين والأصوليين_ هو افتقارهم للإدراك الصحيح لمكانة المعرفة اليقينية.
فالنطاق الفكري لهذه المجموعة من العلماء يدور حول مسائل لا تظهر العواقب الفاسدة لليقين بها عمليا، فإذا ما فرضنا أنّه نتج عن هذه الروايات -مع ما حفّ بها من قرائن- اعتقادٌ خاطئ بمسألة ما حول الآخرة، أو مسائل ما وراء الطبيعة؛ فإنّه لن يترتب على هذا الاعتقاد غير الصحيح أيّ مفسدة ظاهرة وملموسة، نعم لمثل هذه الاعتقادات الباطلة آثار ومفاسد غير ملموسة وطويلة الأمد، وهي تمهّد الأرضيات لتخلف الأمّة ثقافيا، وهذا له آثار مدمرة كبيرة، ولكن مثل هذه المعرفة المعتبرة ظاهريا إذا ما تعلقت بحیاة الناس فإنّ الإنسان العاقل لن يجرؤ على العمل بمثل هذه المصادر المعرفية، ولن يثق بأقل من القياس البرهاني أو الاستدلال الاستقرائي اليقيني والمصادر المعرفية اليقينية الأخرى.
يستدلّ القائلون بحجيّة الاعتقاد الظنّي في فروع الاعتقادات والأمور الخارجة عن نطاق الأحكام الفقهية بآيات من القرآن الكريم؛ منها آية الكتمان (البقرة:159)، وآية الأُذن (التوبة: 61)، وآية السؤال (النحل:43)، كما استدلوا بعدد من الروايات، ومنها صحيحة عبد العزيز بن المهتدي، وهي: “قال: قلت: لا أكاد أصل إليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة، آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم”[17].
ويقوم الاستدلال بهذه الصحيحة على أنّ أخبار الآحاد حجّة في جميع المجالات التي يحتاجها الإنسان، ويشمل ذلك الفروع العملية والمعارف الاعتقادية، وعليه تمكن الثقة بجميع الروايات الواردة حتى في غير المسائل الفقهية، ولكن بطلان هذا الاستدلال واضح للغاية، فأولا نفس هذه الرواية مشمولة بالحكم العقلي القاضي بعدم الاطمئنان للظنّ في الأمور العامة، ثانيا الظنّ واليقين من الأمور القلبية التي لا تقبل الأمر والإملاء، فإذا كان تاريخ المسلمين المليء بوضع الأحاديث وتحريفها سبباً في ألا يثق الشخص بخبر الواحد في أمور حياته المهمة التي تحتاج إلى الحد الأدنى من الاطمئنان؛ فإنّه لا يمكن لأحد أن يفرض عليه اليقين بالأمر والإكراه.
في ضوء ما سبق ينبغي حمل الرواية على حقيقة أنّ إذن الإمام بنقل الروايات باعتبارها فقط مصدرا معرفيا إلى جانب غيره من المصادر المعرفية، بعبارة أخرى إذا كان المراد هو طلب الاهتمام بالدليل الظنّي وعدم إغفاله، والاستفادة من جميع المصادر المعرفية لتحصيل اليقين؛ فمثل هذا الأمر حسن ومطلوب، والرواية السابقة يمكن أن تدل على هذا المعنى، في هذه الحالة تحمل مثل هذه الأوامر على الأمر الإرشادي، وذلك لأنّ فطرة الإنسان وعقله يدفعانه إلى مراجعة مصادر معرفية متعددة حين البحث عن المعرفة المؤدية إلى اليقين وبالنتيجة تحصيل الطمأنينة الروحية.
النتيجة
على الرغم من اضمحلال نظريات الإخباريين في القرون القليلة الماضية إلّا أنّه في العقود الأخيرة _ولاسيّما مع صيرورة الدين والشريعة أداة للسياسة والمعيشة_ نرى أنّ الكثير من المحافل العلمية والمؤسسات الحكومية بالأخص في إیران والمدَّعين للعلم أو المنبريين قد تبنوا في العمل_عموما بسبب الجهل وقلّة المعرفة-ذات المذهب الإخباري، وباتوا يتعاملون مع أخبار الآحاد كمصدر علمي معتبر في جميع المجالات.
ومن ثم؛ فالاهتمام بالطب التقليدي وأسلمة العلوم بالاستعانة بالمصادر الحديثية من قبل المؤسسات الحكومية والمنابر الرسمية وغير الرسمية الناشرة للخرافة؛ جميع هؤلاء ربطوا معيشتهم بالدين وبنقل الأخبار والروايات، وأوجدوا لأنفسهم سوقا مزدهرة، ويمكن القول إنّ الفكر القائل بحجيّة هذا المصدر المعرفي، وإضفاء القداسة عليه، واستبعاد المصادر المعرفية الأخرى هو من أكبر أسباب التخلف العلمي والثقافي والسياسي للمجتمع.
[1] . إنّ خبر الواحد من أهم مصادر استنباط الأحكام الفقهية، وهي: القرآن، والروايات، والعقل، والإجماع، ومن بين هذه المصادر الأربع نجد أنّ الروايات تهيمن على جميع المصادر الفقهية تقريبا، فلا يوجد سوى 500 آية مرتبطة بالأحكام في القرآن الكريم، ولا تكون الآيات عادة بمفردها مصدرا للحكم لأنها كثيرا ما تخصص أو تقيّد بالروايات، أمّا الإجماع والعقل فغير معتبران بالشكل المطلوب، ولا يتمّ اللجوء إليهما عادة إلا إذا كانا مدعومين بالروايات.
[2] . السيد الشریف المرتضى، الرسائل، ج 3، إبطال العمل بأخبار الآحاد، ص 312.
[3] . الشيخ الأنصاري، فرائد الأصول، ج1، ص187.
[4] . في مقابل الأخباريين ذهبت فئةٌ من الفقهاء المتقدمين؛ ومنهم الشريف المرتضى، والشيخ المفيد، وابن زهرة، وابن إدريس_ وهم المعروفون بجماعة بغداد_ إلى عدم حجيّة خبر الواحد حتى في الفقه؛ ويكمن الإشكال هنا بأنّ هؤلاء العلماء إنما أفتوا في أبواب الفقه بناء على أخبار الآحاد؛ لأنّه لم يكن بين يديهم مصدرا آخر للفقه، والجواب هو أنّ هذه المجموعة من الفقهاء والمحدثين يرون أنّه إذا ما كان خبر الواحد محفوفا بقرائن تفيد العلم فهذا يخرجه من مصداق خبر الواحد، ويمكن الإفتاء على أساسه، وهذه القرائن هي موافقة القرآن الكريم، وموافقة حكم العقل، وسلسلة رواة معتبرة جدا بحيث يحصل اطمئنان نسبي، وعلى هذا الأساس يتم تقسيم خبر الواحد إلى صحيح، وثقة، وحسن وغير ذلك، وعليه فخبر الواحد المحفوف بقرينة موثوقة يصير حجّة عند هذه الفئة، ولكن يبقى مجال حجيّته هو الفقه وحسب. (ر: الشيخ الأنصاري، فرائد الاصول، ج1، صص240-241؛ محمد إبراهيم جناتي، منابع اجتهاد از ديدگاه مذاهب اسلامی (مصادر الاجتهاد في الفرق الإسلامية)، صص 105و 106).
[5] . الشيخ الطوسي، العُدّة، ج۱، ص۱۳۱؛ العلامة الحلي، مبادي الوصول إلى علم الأصول، ص 211؛ الشيخ الأنصاري، فرائد الأصول، ج 1، ص556.
[6] . العاملي، زين الدين بن علي (الشهيد الثاني)، المقاصد العالية في شرح الرسالة الألفية؛ قم: مكتبة الإعلام الإسلامي، مركز نشر الحوزة العلمية، 1420 ق/1378، ص 45.
[7] . محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية، ج13، ص92.
[8] . السابق، ج8، ص148.
[9] . السابق، ج14، 134.
[10] . السابق، ج8، ص141.
[11] . الشيخ الطوسي، العدة في أصول الفقه، ج1، صص 112-113.
[12] . أحمد الأردبيلي، مجمع الفائدة في شرح إرشاد الأذهان، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1379 هـ ش، ج13، ص88.
[13] . محمد هادي معرفت، مجلة فقه أهل البيت، العدد 17و18، ربيع وصيف 1999م، وبسبب القيمة العالية لهذا الكتاب كتب الشهيد محمد باقر الصدر مقالة في وصفه وبيان أهميته في مجلة فقه أهل البيت العدد 25 تحت عنوان “الفهم الاجتماعي للنصوص”.
[14] . السيد أحمد الخوانساري، جامع المدارك في شرح المختصر النافع، تعليق علي أكبر الغفاري (سبعة أجزاء)، طهران، مكتبة الصدوق، 1364 هـ ش، ج7، ص35.
[15] . السيد أحمد الخوانساري، جامع المدارك في شرح المختصر النافع، تعليق علي أكبر الغفاري (سبعة أجزاء)، طهران، مكتبة الصدوق، 1364 هـ ش، ج7، ص35.
[15]. المصدر نفسه
[16] . محمد سند البحراني، “نقشر روايات در امور اعتقادي” (دور الروايات في الأمور الاعتقادية)، فصلية ” پژوهشهای اصولی”، العدد 4-6، صيف وخريف وشتاء 1382 هـ ش، صص 34-56.
[17] . محمد بن الحسن بن علي “الحر العاملي”، وسائل الشيعة، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ط1، 1409، ج27، ص147.



