صدر حديثًا عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» كتاب للباحث الفلسطيني يوسف حسين عمر بعنوان: «تركيا: التاريخ السياسي الحديث والمعاصر (1923-2018)». ويتضمن الكتاب عرضا تفصيليا لتاريخ الدولة الحديثة في تركيا منذ نشأتها وصولاً إلى عهد حكم حزب العدالة والتنمية.
يتناول الكتاب تحالف الدولة العثمانية مع ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى ضد بريطانيا وفرنسا، والمفاوضات والمعاهدات السرية التي أُبُرمت ضد الدولة العثمانية من قبل البريطانيين والفرنسيين، ويتعرض المؤلف في هذا السياق لمختلف الأحداث التي دارت على إثر انتصار دول الحلفاء على ألمانيا والدولة العثمانية مثل: توقيع الأتراك على هدنة مودروس، واتفاقية سان ريمو، ومعاهدة سيفر وهدنة مودانيا، وتعديل بنود معاهدة سيفر، وعقد معاهدة لوزان، وإلغاء الخلافة العثمانية، وإعلان الدولة التركية على أساس قومي طوراني، وبروز المشكلات العرقية وعلى رأسها المشكلتين الأرمنية والكردية.
كما يتناول المؤلف فترة حكم مصطفى كمال أتاتورك وإجراءات العلمنة التي جرت في عهده، وتأثير الأزمة الاقتصادية العالمية «الكساد العظيم» على تركيا خلال فترة حكمه. ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى تناول فترة حكم عدنان مندريس التي انتهت بانقلاب الجيش التركي عليه عام 1960، ويتعرض لمسألة تشكل الأحلاف الإقليمية في الشرق الأوسط لمواجهة المد الشيوعي مثل «حلف بغداد»، وانضمام تركيا لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، واندلاع المشكلة القبرصية، وفترة حكم عصمت إينونو، وملامح الحياة السياسية في الجمهورية التركية الثانية التي تشكلت بعد انقلاب 1960.
يتناول الكتاب كذلك الحركات اليسارية والعمالية ودور أساتذة الجامعة في تركيا خلال فترة الجمهورية الثانية، وصعود الحركات الإسلامية، وتولي سليمان ديمريل منصب رئاسة الوزراء عام 1965، وتنامي قوة اليمين القومي المتطرف، ويسلط الضوء أيضا على تصاعد العنف السياسي في تركيا خلال تلك الفترة، وعلى المذابح التي تعرض لها المنتمون إلى المذهب العلوي في تركيا. ثم أخيرًا يصل بنا المؤلف إلى انقلاب عام 1980 بقيادة الجنرال كنعان ايفرين الذي أنهى الجمهورية الثانية، وأدى إلى قمع مختلف التيارات السياسية في تركيا
خلال تناول المؤلف للجمهورية التركية الثالثة، يستعرض الأخير محاولة الأتراك استعادة الديمقراطية بشكل تدريجي بعد الانقلاب بدءًا من الانتخابات المحلية وصولًا إلى الانتخابات البرلمانية، وظهور حركة فتح الله كولن وتنامي نفوذها، كما يتناول أيضًا فترة حكم توروجوت أوزال التي انتهت بوفاته مسمومًا على يد جنرالات الجيش التركي، وعودة اشتعال الفتنة السنية – العلوية من جديد، والمعارضة الكردية الانفصالية المسلحة متمثلةً في حزب العمال الكردستاني، وفوز حزب الرفاه بقياده الزعيم الإسلامي الراحل نجم الدين أربكان في الانتخابات البرلمانية التركية عام 1995 بـ 158 مقعدا من أصل 550، ووصول أربكان إلى سدة الحكم من خلال تحالف برلماني مع حزب الطريق القويم، واضطراره بعدها للاستقالة خلال أقل من عام بسبب تضييق الجيش وتهديده بالانقلاب العسكري عليه.
كما يستعرض المؤلف تأسيس حزب العدالة والتنمية من عدد من الكوادر البارزة من حزب أربكان، ووصول الحزب إلى الحكم، والتحديات التي واجهته في مسائل الحريات الدينية والشخصية مثل قضايا الحجاب والتعليم الديني، والتهديدات المختلفة التي تعرض لها الحزب من قبل المنظمات الانقلابية السرية مثل حركة «إرجيناكون» وحركة «المطرقة»، وصولاً لمحاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو\تموز 2016.
وهكذا؛ يقدم لنا المؤلف من خلال هذا العرض الشمولي الحاشد للتاريخ التركي الحديث والمعاصر، مرجعًا تاريخيًا جديدًا يثري المكتبة العربية ويلبي احتياجا متناميًا لدى القارئ العربي المتخصص وغير المتخصص للاطلاع على كل ما يتعلق بالشأن التركي، بعد عقود من الانقطاع الثقافي الملموس بين العرب وتركيا، امتدت منذ عشرينات القرن الماضي حتى مطلع الألفية الجديدة، الذي شهد الصعود السياسي لحزب العدالة والتنمية، الذي أعاد تفعيل دور تركيا من جديد بشكل بارز في محيطها الإقليمي.



