إذا قدر لك أن تزور مدينة “بروج” البلجيكية الساحرة فلا تنس أن تعرج على حي فريد من نوعه اسمه “لبكيناج”. ما أن تدخله حتى ينقطع ضجيج المدينة ويحل محله الهدوء والسكينة.
وفي مدينة أمستردام وأنت تتجول بين دروب مركزها التاريخي يفاجئك وفي تناقض صارخ وجود هذا الحي الذي ينتمي إلى العصر الوسيط والذي يدعوك إلى التأمل وتغمرك فيه نوع من الروحانيات على بعد أمتار من أماكن صاخبة ومحلات تباع فيها منتوجات القنب الهندي وحيث تقع عيناك على مشاهد فيها من شطط وهوس وغرابة أحوال البشر نساء ورجالا ما لا أظنه يخطر على بالك.
هذه الأحياء التي تتنفس عبق التاريخ غيرت معالم بعض مدن أوروبا العصر الوسيط وهي مكونة من سلسلة من الدور الصغيرة المتشابهة والمتلاصقة والمطلة نوافذها وأبوابها على حديقة داخلية مزينة بالأشجار والورود. والكل محاط بسور يفصل هذا التجمع السكني الفريد عن باقي المدينة. وقد خصص منزل نموذجي واحد فقط يفتح في أوقات معينة للسياح والزائرين.
وقد صنفت منظمة اليونسكو “لبكيناج” ضمن ما يعرف بالتراث الإنساني العالمي لهندستها المتميزة ولكونها أحياء لم تسكنها إلا النساء عرفن ب”البيكين” les Béguines.
فما هي قصتها؟
هي أحياء فريدة من نوعها توجد في شمال أوروبا خاصة في المنطقة الفلانية ببلجيكا وكذا هولندا. ظهرت خلال القرنين الثاني والثالث عشر الميلادي وقد وصل عددها إلى مئتي ألف وحدة سكنية في القرن الثالث عشر. لا تعرف على وجه التحديد كيفية نشأتها فقد تعود أسباب ظهورها إلى ارتفاع عدد الأرامل والعازبات بسبب موت الكثير من الرجال في الحروب الصليبية وعدم عودة البعض منهم من رحلة الحرب، فكان أن قامت بعض هؤلاء النسوة بالتجمع للعمل وكسب قوتهن. وربما حظين بكفالة وإحسان بعض النساء ممن ينتمين إلى الأرستقراطية. بل يذكر أن البيكين الأوائل انتمين إلى الأسر الغنية ومنهن متزوجات حركتهن الرغبة في العبادة والعزلة فطلبن الإذن من أزواجهن للإقامة هناك فأذنوا لهن.
وهكذا أصبحت هذه التجمعات السكنية النسائية وسيلة للتكافل والتعاضد والاستقلال المادي كما أنها كانت بالنسبة لبعضهن وسيلة للاحتماء بالمجموعة من خطر السقوط في مستنقع البغاء من خلال العمل في النسيج والحياكة وصناعة التخريم (الدانتيل) وغسل أغطية وستائر وملابس الأسر الغنية.
إلى جانب هذه الأعمال التي هي في الأساس لكسب الرزق فقد كان للعمل الخيري نصيب فيما يقمن به إذ اعتنين بالمرضى والعجزة. وقد كان للتأمل والعزلة والعبادة نصيب في برنامجهن اليومي. كما كان منهن متعلمات ومعلمات وشاعرات كان لهن حضور فكري واجتماعي وديني.
سكنت كل واحدة منهن منزلها الخاص بها واستقلت بذاتها والغنيات منهن كانت لهن خادمة أما الساحة الداخلية فكانت مكانا يلتقين فيه للحديث والعمل والتعاون.
قد يقول أحدكم هن إذن راهبات! نعم إن نمط حياتهن يتقاطع مع نمط حياة الراهبات في نذر العفة وذلك الوقت المخصص للعبادة والعزلة والاعتناء بالمرضى وكبار السن مثلا، لكنهن على عكس الراهبات لم يعشن في الأديرة ولم يخضعن خضوعا تاما لسلطة الكنيسة وكانت لديهن حرية الحركة والعمل والتواصل مع المدينة. كما أنهن تمتعن باستقلالية مادية لم تكن لدى الراهبات. غير أن “البكين” لم يكن لديهن حق التبشير كالذي كان للراهبات.
ويبدو أن علاقتهن بالكنيسة كانت بين مد وجزر فحمتهن وساندتهن حينا وحاولت السيطرة عليهن أحيانا أخرى فقد كان في الحي كنيسة صغيرة يترأسها أب. ونظرت بعين الريبة والشك لنشاط هؤلاء النسوة والحرية التي كانت لديهن حينا آخر ووصمتهن بالساحرات وحرقت بعضهن بتهمة الهرطقة حينا آخر.
وعاشت “البيكين” مرحلة صعبة ومظلمة أيضا من حياتهن بسبب الثورة الفرنسية التي كانت تعمل على مضايقة وتحجيم المؤسسات التي لها علاقة بالدين المسيحي.
ما الذي بقي إذن من هذه الأحياء اليوم؟
بقي القليل منها محفوظا. ولكن كعادة الشعوب في التعامل مع تراثها وتاريخها بقيت القصة الموحية والملهمة لهذه الأحياء ولنمط العيش الخاص بها حاضرة في المخيلة الأوربية. وهي قصة تحمل الكثير من المعاني والقيم الإنسانية من تعاون وتكافل وعمل وتطوع والتزام بقضايا المجتمع وتواصل ونسج للعلاقات الإنسانية وكسر للعزلة وإيواء ذوي الحاجة والحصول على سكن لائق.
فقد بنيت أحياء العمال في بعض المدن الصناعية الأوربية الكبرى في القرن العشرين على نمط مستوحى من “لبكيناج”.
واليوم هناك تجارب حديثة مستلهمة من “البكيناج “هنا وهناك في بلجيكا وهولندا وشمال فرنسا وألمانيا.
بعضها خاص بالنساء والهدف منه اقتصادي بالدرجة الأولى يتبادلن فيه التجارب وتؤسس فيه مشاريع للعمل اليدوي والفني وأخرى ذات بعد اجتماعي وتعليمي.
وهناك إنشاء لمشاريع بديلة لدور العجزة بشكلها التقليدي هدفها كسر العزلة عن كبار السن وخلق تواصل بين الأجيال. تفتح هذه التجمعات السكنية للراغبين من فئات اجتماعية مختلفة من طلبة وأسر شابة وكبار السن. كل سكن مستقل بذاته وهناك مساحة للعيش المشترك تنظم بميثاق جماعي وتستغل لنسج الروابط الإنسانية.



