مثلت العشر سنوات الأخيرة تحديا كبيرا للحركات والأحزاب السياسية الإسلامية في المنطقة العربية، فمن جهة حملتها موجة الاحتجاجات والثورات العربية المعروفة بالربيع العربي، وما أتاحته من انفراجة سياسية مؤقتة، إلى سدة الحكم – منفردة أو متحالفة – في عدد من الدول، مثل مصر وتونس والمغرب، بعد أن ظلت لعقود عديدة تمثل الحركة السياسية والاجتماعية الأكبر في القوى المعارضة. وكانت هذه الفرصة/التحدي بمثابة اختبار لمدى واقعية وفاعلية مقولاتها وبرامجها، وهو الاختبار الذي تشير العديد من الدلائل على أنها لم تجتزه بنجاح في أغلب الأحيان. ومن جهة أخرى، كان الصعود السياسي لها في السنوات الأولى للربيع العربي محفزا للعديد من التيارات السياسية المنافسة، ولبعض القوى الإقليمية والدولية لكي تتعاون معا لتحجيم المكاسب التي حازتها الحركات الإسلامية السياسية، وصولا إلى الإطاحة بها من المشهد السياسي بأكمله، كما حدث في الحالة المصرية على سبيل المثال.
وقد تباين نمط التحديات التي واجهتها هذه الحركات والأحزاب الإسلامية باختلاف السياق، إذ يمكن بإيجاز تمييز أربع سياقات مختلفة للربيع العربي:
أولا، الدول التي أدى الحراك الجماهيري فيها إلى تدشين عملية تحول ديمقراطي متعثرة، مثل مصر وتونس، وفي هذه الحالات، واجهت هذه الحركات تحديات متعلقة بقدرتها وجاهزيتها للحكم، وبإدارة علاقتها مع معارضيها من القوى العلمانية في الداخل، وخصومها من النظم الإقليمية والدولية خارجيا.
ثانيا، في الدول التي كان الحراك الجماهيري فيها غير حاشد بدرجة كافية، وتم احتواؤه عبر إجراء إصلاحات سياسية محدودة، وأحيانا شكلية، مثل تغيير الحكومات أو تعديل الدستور، مثل الحالة الكويتية والأردنية والمغربية وحتى الجزائرية – لاحقا، وفي هذه الحالات كانت الحركات الإسلامية السياسية تواجه تحديا صعبا، وهو كيف يمكنها موازنة علاقتها بقواعدها الثائرة المتطلعة إلى إصلاحات حقيقية من جهة، وعلاقتها – المتوترة أصلا – بالمؤسسات الحاكمة، فالاقتراب أكثر مما ينبغي من الأجندة الإصلاحية المحدودة للنظم الحاكمة أثر سلبا على علاقة هذه القوى بالجماهير الثائرة، والاقتراب أكثر مما ينبغي من مطالبات الجماهير الثائرة جعلها في مرمى الاستهداف من المؤسسات الحاكمة.
ثالثا، في الدول التي تطور فيها الحراك الجماهيري إلى صدامات مسلحة وصراعات أهلية، مثل ليبيا وسوريا واليمن، وجدت هذه الحركات نفسها تواجه سياسيا وعسكريا خصوما على جبهتين: جبهة النظم السلطوية والقوى المعبرة عن الثورة المضادة، وجبهة التنظيمات التكفيرية المسلحة كالقاعدة وداعش. كذلك فإن الهيمنة العسكرية على الأرض لبعض الميليشيات المحلية وهيمنة الشأن العسكري على الشأن السياسي في هذه السياقات أدى إلى تهميش متزايد وتراجع لثقل هذه التيارات في العديد من الحالات، كما أن البيئة الصراعية هذه حفزت تحولات راديكالية داخل قواعد هذه الحركات، بما مثل تحديا للتماسك الأيديولوجي والتنظيمي بها.
رابعا، في أغلب حالات الموجة الثانية من الثورات العربية عام 2019، وهي السودان والعراق ولبنان، كانت أهم الحركات السياسية والأحزاب الإسلامية إما في السلطة أو داعمة لها، ولذلك واجهت هذه الحركات والأحزاب تحديا يتمثل في تآكل شعبيتها واستهدافها من قبل الجماهير الغاضبة، وكذلك تحدي الانقسام داخل التيار الإسلامي السياسي ذاته، حين خرجت بعض مكوناته لتنتفض ضد المكونات الأخرى وتطالبها بالرحيل.
وقد أدت هذه التحديات والإخفاقات إلى تعالي الأصوات التي تدعو هذه الحركات السياسية الإسلامية إلى إجراء مراجعات حقيقية وجادة، ليس فقط لخياراتها السياسية واستراتيجياتها، بل لوظائفها ومبرر وجودها ذاته، فقد تعددت الدعوات لبعض هذه الحركات إلى الانسحاب من المنافسة الحزبية ومن المجال السياسي كله، وإلى تفكيك تنظيماتها، بدعوى أن تجاربها أثبتت أنها أضرت بالقضية التي كانت تسعى لمناصرتها.
من جانبها، تتجنب الحركات الإسلامية السياسية إجراء مراجعات واسعة النطاق لأيديولوجياتها ومؤسساتها خوفا على استقرار بناها التنظيمية، كما أن المغالاة في المطالبة بالإقصاء الكامل أو الانسحاب الطوعي لهذه التنظيمات من المجال السياسي قد ولّد لديها شعورا بتهديد الوجود، وهي الحالة التي يصعب معها اتخاذ خطوات هادئة ومتزنة للمراجعات والتجديد.
وبين الهروب من استحقاقات الإخفاق من جهة، والدعوات المتشنجة للإقصاء أو الانسحاب من جهة أخرى، يوجد طريق ثالث يقدم مقاربة جديدة. فإذا كانت مهمة – أو مبرر الوجود – للحركات والأحزاب الإسلامية السياسية هو الحفاظ على مرجعية الإسلام ودوره الفاعل في توجيه السلوك الاجتماعي والسياسي في المجتمعات المسلمة، بعد أن تسببت التحولات الحداثية التي مرت بها هذه المجتمعات خلال ما يربو على القرن في تراجع صيغ التدين التقليدية، فإن المقاربة التي قدمتها الحركات الإسلامية السياسية لتحقيق هذا الهدف هو إعادة انتاج الأحكام الشرعية المتعلقة بالسياسة والاقتصاد والاجتماع في قالب الأيديولوجيا الحداثي، وتطوير بنى حداثية كالحركات الاجتماعية والأحزاب لتقوم بمهمة حشد الموارد والتلقين الأيديولوجي والدعايا السياسية. وفي كل ذلك، كانت “أسلمة” الدولة الحديثة هي الهدف، لكي تكون الأداة الأساسية والضامن الرئيس للحفاظ على المرجعية الإسلامية وتطبيق الشريعة.
هذه المقاربة، وإن أظهرت فاعلية في بعض الجوانب، كقدرتها على إيجاد صيغ تدين ووسائل دعوة جديدة كانت قادرة على التعايش مع – بل والاستفادة من – عملية التحديث، إلا أنها تسببت في عدة إشكالات، من أهمها:
– الخلط بين مفهوم المرجعية والأيديولوجيا، فالإسلام وأحكامه كمرجعية، يمكن أن يتجسد في عدة صيغ أيديولوجية، وفق انحيازات وتفضيلات المفكر الأيديولوجي، والسياق السياسي والمجتمعي الذي ينشط به، وبالتالي يمكن أن ينتج عن عملية الأدلجة هذه تصورات مختلفة – وأحيانا متعارضة – للنظم السياسية والاجتماعية، وأيا منها لا يمكن أن يحتكر التعبير عن “النظام الإسلامي”، معرفة بالألف واللام، أو أن تدعي ما للإسلام من عصمة وقداسة.
– تصوير جوهر الشريعة كبرنامج سياسي أو “منفستو” للحكم وإدارة المجتمعات، وبالتالي يكون تطبيق الشريعة يعني بداهة إقامة دولة أيديولوجية تتبني هذا المنفستو، سواء بشكله التقليدي الذي تشكل في الخبرة التاريخية الإسلامية، أو مع الاجتهاد في إيجاد رؤى أكثر ملاءمة للواقع المتغير، وهو تصور غير دقيق، فالاحتكام إلى الشريعة يمثل “نهجا” أكثر منه “تطبيق برنامج عمل”، بمعنى، أنه يعني أن تكون الشريعة بمصادرها المعتبرة هي المرجعية التي تمدنا بالقيم، ولغة الخطاب، وأدلة الاستنباط في نقاشنا حول النظم الملائمة لإدارة الشأن السياسي والمجتمعي، وهو ما سينتج رؤى وتصورات متباينة، كما حدث في بداية العهد الإسلامي، حين أنتج التفاعل مع المرجعية الإسلامية عشرات المذاهب، والفرق، والطرق، التي أصاب بعضها وأخطأ الآخر.
– النزعة الصراعية والاحتكارية في هذه المقاربة، فتأطير الإسلام كأيديولوجيا سياسية تقوم على الترويج له مؤسسة حزبية أو شبه حزبية، لا يعد فقط اختزالا مخلا، بل جعل المرجعية الإسلامية عوضا عن أن تكون داعما للنسيج المجتمعي ومنظومة قيمية للعقد الاجتماعي، أصبحت مجالا للاستقطاب والصراع، وجعلت الحركات الاجتماعية والأحزاب الإسلامية في خصومة مع مؤسسات دينية أخرى تقوم على ذات المهمة (مهمة تدعيم دور الإسلام كمرجعية مجتمعية) مثل المؤسسات العلمائية والتعبيرات المؤسسية للتدين الشعبي (كالطرق الصوفية مثلا).
إن الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية الإسلامية مطالبة بإعادة تعريف أدوارها، وتقييم بناها المؤسسية واستراتيجياتها في ضوء مهمتها الأساسية، ومبرر وجودها، وفي سبيل ذلك، تحتاج إلى أن تجد مقاربة تميز بين المرجعية الإسلامية وما ينتج عن اجتهاداتها الأيديولوجية في ضوء هذه المرجعية، وتعيد من خلالها تعريف مفهوم تطبيق الشريعة ليس كبرنامج سياسي تقوم عليه دولة أيديولوجية، بل كمرجعية قيمية، توجه وترشد عملية النقاش/التدافع السياسي حول إدارة المجتمعات المسلمة، وتكون مظلة جامعة وداعمة للنسيج المجتمعي، عوضا عن أن تكون محورا للاستقطاب والصراع.




Fasting serum lipid levels should be monitored often after combination oral contraceptives are initiated in women with dyslipidemia; less frequent monitoring is appropriate once lipid parameters have stabilized viagra after turp