يعيش الكثير من الآباء والأمهات تحت ضغط تمكين أبنائهم من سبل العيش الكريم، في سباق محموم مسموم مع الزمن واتساعه لكثير من المتطلبات المادية والمعنوية، ويستوي في هذا ساكن الشمال مع ساكن الجنوب، مع اختلاف الشروط والظروف التي تعمق الاستنزاف وترفع من منسوب الركض والجري، والعد والكد بالنسبة للجنوبي، فلا الدولة ومؤسساتها تحمل الكل وتمنح القرى وتعين على نوائب الدهر، ولا الأهل يمدون يد العون لتحجيم البون، فالكل سواء، الغالب يجري والمغلوب يجري لأجل غذاء وكساء ودواء…
بقدر ما كانت حياة الناس في الماضي بسيطة وتسير بتلقائية، ترتب آثارها بعفوية، تنتج قيمها ومعاييرها، وينضبط لها أفرادها، ويحتكمون إليها، يتمسكون بالجماعة ويلجأون إليها، ويحظون بالقبول ولا يصدون صدا، نماذج للاقتداء واحدة وغير متشعبة، الحق والباطل متنافسان، العقل والعاطفة متجاوران، والرجل والمرأة في تكامل يتعاونان… بقدر ما تعقدت ظروف الحياة وشروطها مع مرور الأيام وانصرام الأعوام، فكل يوم نحن في شأن، فلا القيم والمعايير ثابتة مستقرة، ولا الجماعة للفرد راعية، ولا الأسر بدورها واعية… ترى كيف يمكن أن تستعيد الأسرة أدوارها وترفع من مردوديتها وتضخ القوة في مجتمعاتها من خلال وعيها بالمتغيرات واستيعابها للتحديات وإدراكها لمسؤولياتها العامة والخاصة؟
قد يتبادر إلى أذهاننا أن مكانة الأسرة قد اختلفت بين الماضي والحاضر، وأدوارها الآن قد تغيرت وتبدلت، ولكن الحقيقة أن لا شيء من هذا قد حصل، فالأسرة كانت وستبقى القلب النابض للمجتمعات، والمضغة التي إذا صلحت فاضت بالخير وإذا فسدت شاعت بالفساد والشر. بمعنى آخر، لا زالت العناوين واحدة، ولكن المتغير هو التعقيد الذي طال واقعنا وجعل أدوار الأسرة من الكثرة والتشعب ما يصعب على الأسر مهامها ويضعها في امتحان صعب تقل فيه حظوظ النجاح وإصابة الأهداف.
تعتبر الأسرة من الأعمدة التي تحدد هويتنا ونستند إليها، تمدنا بالزخم العاطفي، وتسهل لنا عملية الاندماج والانفتاح الاجتماعي والثقافي المثمر، ونتلقى من خلالها القيم والمعايير والمثل. لنصبح قادرين على أن نكون في مستوى مواطنة فاعلة متفاعلة.
ويظهر النجاح الأسري والتميز في أفراد نوعية قادرة على الملاءمة بين طرائقها في الاندماج الاجتماعي والثقافي، ومصالحها الدراسية والمهنية وطموحاتها، وإدارة التوتر الحاصل من هذا التنوع. وهذا يتطلب وعيا نوعيا، من مؤسسات الدولة أولا ومن الأسر وعمودها الفقري ورأس المال الأساسي والمتمثل في الوالدين من جهة ثانية.
إن الأسر وهي تقتطع جزءا من صحة جسدها ومن استقرار عيشها وصفاء ذهنها من أجل توفير سبل العيش الكريم لأبنائها، تعرف نزيفا ماديا ومعنويا يأتي على جودة الحياة من جهة، ويضعف مردودية البذل الوالدي من جهة ثانية. فتغيب بذلك معاني الأسرة الحقيقية من حيث هي المحضن والملجأ، وفضاء لانصهار النزعة الفردانية في الجماعة، والعمل المشترك والنجاح المشترك…وكيف لهذه المعاني أن تتحقق مع إفراغ السفينة من ربابنتها لوقت طويل من ليل أو نهار، وجعلها عرضة للتيه والإبحار وسط أمواج عاتية من الفتن كقطع الليل المظلم.
إن أطفال اليوم أكثر من أي وقت مضى، في حاجة ماسة إلى تنشئة اجتماعية متوازنة، تمدهم بمشاعر الأمن والمحبة، وتعلمهم معاني المسؤولية، وتربيهم على البر، وعلى تقدير البذل الوالدي كيفما كان، وتمكنهم من حقوقهم الأساسية من تعليم وتطبيب واكتساب المهارات الحياتية، والحرص على توريثهم القيم والمعاني النبيلة، وإلا ابتلعتهم الحياة وصاروا عرضة لأمراض نفسية تصيبهم بالصدأ حتى يفضلون الموت أو الموت.
أما ربابنة الأسرة فهم في حاجة لبعض ما يقيم صلبهم، ويبقي على اشتداد عودهم، من مساحة للنفس، وزمر لالتقاط الأنفاس، حفاظا على بعض المعنى واستمرارا في السير على هدى. وغير ما ذكرنا انتهاك للكرامة واستنزاف لرأس المال الأسري.



