مهما كتبنا عن الموضوعية والتزام الحياد وإعمال العقل وتدقيق النظر، فإن الأكيد أن الإنسان مادام خاضعا لتأثير اعتبارات الصواب والخطأ، فإن أفكاره وتصوراته الخاصة عما يشكل نظاما اجتماعيا مُرضيا، أو مقاييسه الخاصة عن العدالة الشخصية والاجتماعية، تتسلل جميعا إلى تحليلاته الاجتماعية. وبالتالي من العسير على أي فرد في كل الأحوال أن يفصل بين ما هو وقائعي، وما هو تقويمي في تقديره للوقائع، وذلك لسبين اثنين في اعتقادي؛ أولهما أن الإنسان ليس عقلا محضا ولا هو كتلة انفعالية بحتة، وإنما هو مزيج من الإثنين بنسب تتفاوت من شخص لآخر، وثانيا لأن العقل ليس مجرد صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات المادية، ويعيد عكسها بصورة آلية ميكانيكية في الواقع، وإنما هو فعالية لها مقدُرة توليدية، كما أنه مستَقَرُّ كثيرٍ من الخبرات والمنظومات الأخلاقية والرمزية، ومستودع كثير من الذكريات والصور المخزنة في الوعي واللاوعي. ولذلك تراه في تعامله مع ما يَجِدُّ من وقائع وأحداث يُسقط تراكماته هذه بمختلف تلويناتها ويُقحم تحيزاته الرابضة في زاوية من زوايا عقله الباطن، وربما لهذا قيل قديما كل إناء ينضح (أو يرشح) بما فيه، بمعنى أن الإنسان كالإناء إذا امتلأ بالغيرة والحقد وتصيًد السلبيات فلا يمكن إلا أن يفيض بالسلبية، مثلما أنه إذا امتلأ بالصفات الفاضلة لن يصدر منه إلا الفضل، مع لزوم أن نحفظ للاستثناء مكانه. وتبعا لذلك فإنه ليس في مُكنتنا أن نحلل رد فعل امرء بصورة عميقة إلا إذا تسنى لنا الوصول إلى المقولات والصور الإدراكية التي يدرك من خلالها نفسه وواقعه ومَن حوله من المخلوقات.
وهذه المقولات والصور هي التي تدخل في تشكيل ما سماه الدكتور عبد الوهاب المسيري بالخريطة الإدراكية التي تحدد في رأيه “ما يمكن أن يراه الإنسان في هذا الواقع الخام، فهي تستبعد وتهمش بعض التفاصيل فلا يراها، وتؤكد البعض الآخر بحيث يراها مهمة ومركزية.” وقد مثَّل لها بمثال طريف مفاده أن “ماري أنطوانيت ملكة فرنسا قبل الثورة والتي كانت تعيش عيشة مترفة منعزلة تماما عن العالم الخارجي، فقد قيل إن بعض الحراس وجدوا فلاحاً مغشياً عليه من فرط الجوع، فأتوا به إليها، فأشفقت عليه وقالت له “يا سيدي، يجب ألا تتبع هذا الريجيم القاسي”. وفي رواية أخرى أنهم أخبروها أن الفلاح لم يجد خبزا يأكله مدة أسبوع، فقالت مستنكرة “لماذا لم تأكل غاتوه (الكعك)؟”
ولا مبرر لنا لأن نصب جام غضبنا على المَلِكَة المذكورة، ولا أن نستهجن سلوكها ونسقط عليه مخزوننا القيمي، إذا أدركنا أن خريطتها الإدراكية لا تتضمن مفاهيم الفقر والجوع، ولهذا لم تستطع إدراكها، ولا مَوْضَعَتها في إطارها الصحيح وفق خريطتنا الإدراكية، بل ربطتها بالأسباب التي تنتمي إلى مخزونها الدلالي وتستند إلى خريطتها الإدراكية.
ونحن حين نفهم اختلاف خرائطنا الإدراكية ويحصل لدينا الوعي الكافي بأننا لا نرى الأشياء بنفس المنظار ولا نتمثل الأحداث بنفس الكيفية، نستطيع أن نفهم عبارة البي بي سي (BBC) التي مؤداها: “نحن محايدون، غير أننا نرى العالم من هنا… من لندن”. كما نستطيع أن نفهم أيضا أن العين ترى ما تود أن تراه لا ما يمثل أمامها. بما يفيد أن كلا منا يطل على العالم من نافذة خريطته الإدراكية، ولا مبرر لأن نرغم غيرنا على أن يستنسخ خريطتنا الإدراكية لكي يرى ما نراه. وإذا كان الوعي بالاختلاف قد صار مطلبا مُلحا في الحياة العامة، فهو بالأحرى أشد إلحاحا في الحياة الفكرية، أقصد بين شِلل المثقفين والمشتغلين بالعلم والمعرفة، إذ وجب التنبيه إلى أن الفكر المغاير هو قدَر الإنسان وضالته في نفس الوقت، فهو وعد وعلامة على صيرورة تطبع عالما مجبولا على التغير بشكل لانهاية له، دون أن يفيد ذلك الدعوة إلى التعلق بنموذج فكري جديد يأخذ مكان نماذج قديمة أو ينظر لها على أنها بليت وحان أوان استبدالها. إن العالم الذي يستهدفه الفكر المغاير ينبغي أن يكون عالما بلا نماذج، عالما مفتوحا يتطلب من كل خطاب ألا ينكفئ على ذاته، بل عليه أن يكون مفتوحا على الخارج، مستعدا للدخول في حوار حقيقي مع الآخر. أو لِنقل بلغة عبد الكبير الخطيبي إن الضرورة تقتضي أن نعيد النظر في مختلف الأزواج التي تستند إلى أحد أركان الزوج (مع أو ضد) والتي تتغذى منها مختلف الخطابات الراهنة، “لا لكي نرى فيها التقابل، بل بوصفها تجسد ضرورة، بحيث يظهر كل طرف من أطراف الزوج كمخالف للآخر، ويبدو على أنه الآخر ذاته في أرجائه”، في أفق تأسيس فكر مغاير، يتكلم عدة لغات، ويصغي لأي كلام أنى كان مصدره، فكرٌ يؤمن بالاختلاف الذي لا يعني الخلاف، بقدر ما يعني المباينة التي تبتغي إرساء هوية مقاوِمة للمطابقة، هي عبارة عن حركة انتقال من وضع إلى وضع ومن حال إلى حال في صيرورة مولدة للفوارق والاختلافات التي تمثل الدخيرة التي يحيا بها الفكر، لأن فعل التفكير عموما أظهرُ في الاختلاف منه في الإجماع.



