في كل يوم يصبح موضوع الشذوذ الجنسي موضوعا غير شاذ، فهو قصة تفرض متابعتها على كل مهتم بالسينما العالمية وإنتاجاتها الضخمة. والصورة اليوم مختلفة تماما، ففي المملكة المتحدة تخبرنا الصحافة عن الزواج السعيد للّورد إيفار مونتباتن قريب الملكة إليزابيت، بزوجه الجديد جيمس كويل أمام 60 فرداً من أسرتيهما وأصدقائهما، بمن في ذلك بنات اللورد الثلاثة. أمّا زوجته التي طلّقها، فهي من سار إلى جنبه في الممشى وسلّمته إلى عريسه، ليسجّل هذا الحدث كأول زواج مثلي لأحد أفراد العائلة المالكة. وباتت مشاعر الحب ممكنة بين الذكور كما بين الإناث، أو بينهم وبين الحيوانات أيضا، وأصبح الحبّ وفق صيغة الشذوذ حقيقة في نظر الكثير من الشواذ.
لكن، بالمقابل علينا أن نعترف أيضا أن حدوث الانجذاب بين الجنس الواحد، بين الذكر ومثله، أو الانجذاب إلى الغلمان الصبيان، كلها صور موجودة داخل التراث العربي الشعري وغيره، وبالرغم من هذا التطور مازلنا في المنطقة العربية لم ندخل مرحلة الإشكالات الحقيقية المرتبطة بموضوع الشذوذ الجنسي، فحتى اللّحظة الراهنة لم تتحول مسألة الشذوذ الجنسي في العالم العربي والإسلامي إلى “مشكلة ثقافية” ذات جذور فكرية ومعرفية. وهذا لا ينفي أن الاتجاه الذي يطلق على نفسه المثلية الجنسية الأممية يجتهد في صناعة هوية جديدة، من خلال تبنّي الخطاب الحقوقي، وتوحيد رؤية الشواذ في العالم حول خطاب معرفي واحد. وهو اتجاه يفرض وجودا فعليا دائما لشريحة سكانية من الشواذ جنسيا، في أماكن لا وجود لهم فيها، وهو يقمع في نفس الوقت الممارسات الجنسية الشاذة التي ترفض الاندماج في منظومته المعرفية.
إن الكثيرين ضمن حالة الشذوذ الجنسي العربية والإسلامية هم أقلّ تنظيما، ويرفضون الإيمان بنفس الأطر المعرفية التي تنتمي إليها حالة الشذوذ الجنسي الغربية، وتفسّر على أساسها الإنسان والأشياء، ويفضّل البعض الاعتراف بالذنب مع عدم القدرة على التخلص منه، أو يمارس آخرون الشذوذ خفية وعلى استحياء، دون أطر معرفية مرجعية. وهو وضع يدعو كل المشتغلين بهذا الموضوع إلى التفكير في الحيلولة دون حدوث الاتصال بين الحالة الجنسية الشاذة العربية، وتلك الأممية المثلية العالمية، من باب النظر المصلحي، والحفاظ على هذه الفئة ضمن حدود الثقافة الإسلامية. بالمقابل فإن الذي نقترب منه شيئا فشيئا هو بدايات الاختراق الواضحة على مستوى الحاجز النفسي لدى فئات عديدة من الشباب، ويظهر ذلك في تحولات مثل تغيّر سلوك الإعجاب والقبول النفسي والذوقي بالمغنين والفنانين السينمائيين المثليين، بل أكثر من ذلك تفسير مواقفهم باعتبارها نوعا من الحرية.
إن السينما العالمية تصور قصص الشواذ في قالب ضحايا يطالبون بحقوقهم المشروعة في مجتمعات ظالمة، بل إن كثيرا من المسلسلات الأجنبية الحديثة تتحدث عن المثلية الإسلامية، التي يقابلها الاضطهاد الأسري المستند إلى تعاليم الدين. إن الأدوات المستعملة في هذا الموضوع هي أدوات ما بعد الحداثة، أدوات تجعل قصصهم وقضاياهم جالبة للتعاطف والمساندة، وإن على المستوى النفسي لدى الأجيال الحالية. فالصراع حول معنى الإنسان بين الرؤية الإسلامية والرؤية الداعمة لسلوك الشذوذ الجنسي، يحدث وفق مستويات تتجاوز النظر الفقهي وحتى الفلسفي، إذ الأدوات المستعملة هنا تنتمي إلى مجال الإعلام العالمي، من جهة، وإلى مجال التأثير على السلوك النفسي للأجيال المعاصرة، من جهة أخرى، ولذلك فإن بيان طبيعة الرؤية الإسلامية لا يمكن بحال أن يتم الاستناد فيه إلى الرؤية الفقهية والإجراءات المصاحبة لها فحسب، إذ الحاجة قائمة إلى تنويع أدوات ومقاربات التعامل مع حالة تمدّد التطبيع النفسي مع فكرة الشذوذ.
إن الفقيه الذي ليست لديه أدنى فكرة عن منتجات السينما العالمية، ليس فقيها على الحقيقة، فقد غاب عنه فقه الواقع على أقل تقدير. والشاذ جنسيا في نظر الفقيه قتيل يمشي على الأرض، بالحرق أو القتل أو الرمي من مكان شاهق. وهنا يكون الجواب الفقهي غير كاف في المعالجة. إذ تغلب هنا دلالة التعليم في الفقه على دلالة التقنين. لكن ما الذي دعا فقيها عالميا مثل أبي حنيفة إلى القول بالتعزير في مسألة اللواط دون الحد؟ ولماذا التعزير عنده يكون فيما دون عقوبة الزاني؟ لقد اعتبروه نتيجة لعدم كفاية النصوص أنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسوله فيها حدًّا مقدرًا فكان فيها التعزير كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير.
إننا هنا لا نسعى لترجيح قول على قول في المسألة، بقدر ما نسعى إلى بيان أن خطورة الشذوذ الجنسي لا تأتي فقط من كونها مخالفة للدين، وإنما لكونها مخالفة للإنسانية، ولحد تعريف الإنسان نفسه، فهو مناقض لمعنى الإنسان، سواء وُجد الدين أم لم يوجد، سواء قبل ظهور الأديان أو بعد ظهورها. إنك لا تستطيع أن تقنع ملحدا أن يصبح شاذا بنفس القدر الذي تستطيع أن تقنعه بإنكار وجود الله، لأن الشذوذ يقدح في صميم ذاته وإنسانيته. أريد أن أزيل هنا سوء فهم منتشر يتعلق بمدى شناعة فعل اللواط أو السحاق في الذاكرة الشعبية والسلوك المجتمعي، مقارنة مع الزنا الذي يتقبله الكثيرون، أو يتفهم إمكان حدوثه الطبيعي، في حين تُرفض مسألة اللواط أو السحاق نفسيا ومجتمعيا، لأقول إن هذه المسألة مجرد تصور اجتماعي لا يمت للرؤية الفقهية نفسها بصلة. ولذلك نجد الإمام الغزالي يوضح أن الزنا أكبر وأخطر من اللواط نفسه. فقد اعتبر الغزالي الزنا المؤدي إلى اختلاط الانساب والتقاتل من أجل ذلك، أشد ضررا من اللواط، فلا يتصور أن يكون الزنا مباحاً في أصل شرع قصد به الإصلاح، وينبغي أن يكون الزنا في الرتبة دون القتل، لأنه ليس يفوت دوام الوجود، ولا يمنع أصله، ولكنه يفوت تمييز الأنساب ويحرك من الأسباب ما يكاد يفضي إلى التقاتل، وينبغي أن يكون أشد من اللواط، لأن الشهوة داعية إليه من الجانبين، فيكثر وقوعه ويعظم أثر الضرر بكثرته. وهذا كان نصه من إحياء علوم الدين. إننا نخلط كثيرا بين أفكار المجتمع المشوشة والأسس الفقهية الصحيحة.
لا يزال الجواب الفقهي في حاجة إلى تطوير كبير، فهو على سبيل المثال، لم يكن يتصور يوما وجود النوع الثالث للجنس بفعل تدخل الطب والجراحة، وبالنسبة للفقهاء فهم يعرفون حالة الخنثى المشكل كما يسمونه، لكنهم لا يفسّرون ذلك بكونه فعلا مكتسبا أو ميلا طبيعيا، كما هو الحال في الواقع الاجتماعي الغربي وبعض تردّداته في المجال العربي والإسلامي، ولا يقفون عند كونه قناعة وتوجها حرّا وممكنا نحو تغيير الخلقة، أو اعترافا بالحق في هذا التغيير، وجعله صيغة جديدة مقبولة مثل باقي الصيغ الخلقية.
إن جرأة الثقافة الإسلامية في نقاش موضوع الشذوذ أمر واضح، بل يفوق جرأة المعاصرين. والشذوذ حقيقة اجتماعية وتاريخية في المجال العربي والإسلامي، تكشف عن نفسها في كتب الأدب والشعر والتاريخ. وإننا نعجب لمقدار الحرية والجرأة التي كان يكتب بها السابقون. ويكفي الاطلاع على كتاب” نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب” لشهاب الدين التيفاشي، لمعرفة حجم هذه الدراسة الاجتماعية الكبيرة لقضية اللواط. إننا نجد نقاشا آخر شديد الطرافة أحببت إيراده هنا، وهو حول قبح فعل اللواط، هل هو من الناحية العقلية أم من الناحية الدينية؟ وقد كان هذا محور نقاشٍ ذكرَ الألوسي جانبا منه في روح المعاني. ويتأسس قبح الشذوذ عقلا وحرمته العقلية بكونه لا وجود له في الجنة، في حين تقول وجهة نظر أخرى بإمكان وجوده في الجنة. وإليكم هذا النقاش الهادئ الذي نقله السيوطي عن ابن عقيل الحنبلي الذي قال: لقد جرت هذه المسألة بين أبي علي ابن الوليد المعتزلي وبين أبي يوسف القزويني. فقال ابن الوليد: لا يمنع أن يجعل ذلك من جملة اللذات في الجنة لزوال المفسدة، لأنه إنما منع في الدنيا لما فيه من قطع النسل، وكونه محلا للأذى، وليس في الجنة ذلك. ولهذا أبيح شرب الخمر لما ليس فيه من السكر والعربدة وزوال العقل بل اللذة الصرفة. فقال أبو يوسف جوابا: الميل إلى الذكور عاهة، وهو قبيح في نفسه، لأنه محل لم يخلق للوطء، ولهذا لم يبح في شريعة بخلاف الخمر. فقال ابن الوليد: هو قبيح وعاهة للتلويث بالأذى، ولا أذى في الجنة، فلم يبق إلا مجرد الالتذاذ انتهى. وأنا أرى أن إنكار قبح اللواطة عقلا مكابرة، ولهذا كانت الجاهلية تعيّر بها ويقولون في الذم: فلان مصفّر أسته، ولا أدري هل يرضى ابن الوليد لنفسه أن يؤتى في الجنة أم لا؟ فإن لم يرض لزمه الإقرار بالقبح العقلي… ولم أقف للسادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم على ما هو من باب الإشارة في قصة قوم لوط عليه السلام.
ومن ناحية أخرى، لابد أن ننتبه إلى الصراع الكبير من الناحية الفلسفية واللغوية في توصيف الشذوذ، فعلى مستوى اللغة المستخدمة لوصف ظاهرة الشذوذ الجنسي، بين الثقافات في العالم، فقد باتت اللغة تعكس تباين الرؤى الثقافية والقيمية، فمسمى الميول الجنسية، هو الصيغة الجديدة للنقاش الدائر حول مفهوم الشذوذ الجنسي، ويمكن الاطلاع على تعريف الموسوعة البريطانية لمفهوم النوع وهويته، بأنه يتراوح بين الذكر والأنثى، أو بصيغة واحدة مركبة منهما معا، أخذا في الاعتبار أنه لا توجد علاقة بين الجنس والنوع، وبين السلوك وطبيعة الجنس.. إننا أمام دعوة ضرورية لاستعمال ضمائر لغوية مختلفة في الحديث عن هذا النوع، و”عوض استخدام ضمائر التأنيث والتذكير، يفضل استخدام ضمائر “هم، وهؤلاء، إنهم، عوض هي، وهو، وهم، وهن”. ولأن المقام لا يسمح بالتفصيل أدعو الدارسين إلى الاهتمام في مقاربة الشذوذ، بمفهوم أساسي في فلسفة الإسلام، وهو” التشبّه” الذي يؤسس لتدابير وإجراءات قبلية. ولذلك ينبغي الانتباه إلى منظومة المصطلحات المستخدمة والحاملة للمفاهيم المؤثرة في هذا الموضوع، حيث يرفض الإسلام فكرة “التشبّه”، بصورتيه منذ الصغر، تشبّه النساء بالرجال، وتشبّه الرجال بالنساء. وهو مفهوم لم يأخذ حظا وافرا من الاهتمام والدراسة فلسفيا واجتماعيا. وبغير اهتمام العقل العربي الإسلامي بالتحولات العالمية لظاهرة مثل الشذوذ الجنسي، سيظل اختطاف معنى الإنسان قائما.



