ابتدأ العمل التاريخي تحقيبيا، ثم صار لاحقا كتابة ترصد التفاصيل، ليعود في الآونة الأخيرة ليهتم بالتحقيب، ولئن كان العمل التاريخي ينحو منحى تحقيبيا في البدايات فذلك لندرة المعارف وشح المعلومات، أما الآن فدواعي الاهتمام بالتحقيب هو نقيض هذا المعطى الأول، فأمام كثرة الأحداث التاريخية وأمام استغراق العمل التاريخي في الجزئيات التي تستعصي على إدراك العقل البشري، راح المؤرخ يبحث عن خطاطات تقدم له مسيرة البشرية في خطواتها العريضة، و”تنقذه” من التيه في أحداث مهما أوتي العقل من حافظة قوية لن يستطيع الإحاطة بها.
إن الإنسان الذي يتوجس خيفة من المستقبل له نزوع جبلي إلى الإمساك بالزمن والتحكم فيه، لهذا فهو لا يجد أمامه إلا الماضي، فالتاريخ كما يقول مارك بلوك حركة الإنسان والمجتمع في الزمن، لهذا يُعمل مبضعه ليشرحه ويقسمه إلى حقب، يقول لوغوف “إن الزمن جزء من التاريخ، والمؤرخ مطالب بالتحكم في الزمن، في الوقت الذي يكون خاضعا لسلطانه، وبما أن الزمن يتغير، يغدو التحقيب بالنسبة إلى المؤرخ أداة ضرورية”.
والتحقيب عمل شاق ومُضنٍ، فرغم أنه يصبو للتخلص من التفاصيل والجزئيات، إلا أن معرفة التاريخ في جزئياته ودقائقه خطوة أولية ضرورية لإيجاد التمفصلات، إضافة إلى ذلك، يتطلب فكرا قادرا على التحليق من علٍ لتلمس التغيير وملاحظة الفوارق، يتتبع المؤرخ المهتم بالتحقيب التجانس في التاريخ ليُكومه داخل حقبة واحدة، وحين يلاحظ تبرعم تغييرات أولى في مسار التاريخ، يسجل ظهور حقبة جديدة، لكن ما يُعقد مهمة المؤرخ أن التغيير في التاريخ يكون بطيئا عادةً، ليس هذا فحسب بل إنه لا يسير على وتيرة واحدة في جميع المجالات، فقد تدشّن قطيعة في قطاع معين، بينما تكون قطاعات أخرى استمرارية لما كان في الماضي، بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك والقول إن مجالا واحدا قد يعرف تباينا في التقدم، فالمجال العلمي على سبيل المثال لم يعرف وثبة متوازية ومتساوقة في آن لكل مكوناته وفروعه، يقول باحث عن تحقيب الفكر العلمي في أوربا “إن البحث التاريخي في العلوم خلال العقود الأربعة الأخيرة يبين أن التقدم في تطور العلوم لا يشمل كل مناطق المعرفة بالتساوي، لأن الانتقال من بناء إلى آخر جديد لا يعني أن كل تفاصيل المضامين التي كانت في البناء السابق تنتقل إلى اللاحق. فلكل بناء مفاهيمي أسلوبه في تقطيع الظواهر وتنظيمها وتصنيفها ولا يتم ذلك دون اختزال وإقصاء. فالتقدم لا يتخذ دائما نفس الوتيرة ولا يتم طبق متواليات خطية، فهو إذن ليس مطلقا” (بناصر البعزاتي، في تحقيب تطور العلوم، ص. 16).
كيف نحقب؟ المعطى الزمني الموضوعي هو ضرورة تلمس تغير كيفي في التاريخ؛ الانتقال من نمط الإنتاج الفيودالي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي هو تغير كيفي، إذ أن وسائل الإنتاج استجدت وقوى الإنتاج تغيرت، ورافق ذلك تغير في العقليات والحساسيات والأفكار والأنساق السياسية، لكن ثمة كذلك معطيات ذاتية أو إجراءات منهجية لابد للمؤرخ أن يضعها نصب عينيه لكي يتقدم في هذا العمل:
أولا: النسبية، فالتحقيب عمل تاريخي، والتاريخ ينتمي إلى العلوم الإنسانية، وهذه الأخيرة مهما تطلعت لمحاكاة العلوم الدقيقة فهي لن تحقق طموحها هذا، إنها لن تبلغ دقة وثبات نتائج العلوم الحقة كعلوم تتخذ من أشياء ثابتة وظواهر تتكرر موضوع درسها، لهذا لابد من مرونة في التحقيب لجعله مفتوحا على إمكانات التجديد والتعديل. لقد كانت الإستوغرافيا الغربية ترى فيما سمي عصر النهضة بداية العصر الحديث، إلا أن جاك لوغوف استطاع أن يحفر ثغرة في هذا التحقيب مبينا من خلال منهج مقارن أن عصر النهضة التي انطلق من إيطاليا ما هو إلا حلقة أخيرة من عصر وسيط طويل، وفي المغرب لاتزال الجامعات تعتبر العصر السعدي بوابة لعصر حديث، إلا أن محمد حبيدة اعترض على هذا التحقيب في دراسة عن التحقيب في كتابه “بؤس التاريخ”، بحيث أنه يرى أن زعزعة بنيات العصر الوسيط ابتدأت مع الحملة الاستعمارية.
ثانيا: المعيارية؛ إن كل تحقيب هو وصف لحركة التاريخ، وفي وصف هذه الحركة ثمة حضور كبير للذاتية، خصوصا حين نصدر أحكاما من قبيل: أنوار/ظلمات، تقدم/تراجع، عقل/خرافة أو جهل. إن مثل هذه الأحكام التي يصدرها المؤرخ تقتضي بدءً معيارا نحتكم إليه، فالمؤرخ حين يقول إن الفترة الممتدة من القرن الرابع إلى القرن الرابع عشر الميلادي كانت فترة ظلام تتوسط عهدين متنورين – وهذا مدلول “الوسيط”- فإنه بوعي أو بغير وعي يضمر جملة معايير يستند إليها في التحقيب: حضور التفكير العقلاني وانحسار المرجعية الدينية، ازدهار الفنون، مركزية الإنسان.. إلخ، فإذا عكسنا هذه المعايير، أي افترضنا أن مؤرخا رهبانيا أو صوفيا باشر تحقيب التاريخ، فسيرى على العكس من ذلك في عصر يسوده الزهد والتقوى والتقليل من المتع ويُنظر فيه إلى الأزمات والأوبئة والكوارث مصائب إلهية مأجور عليها؛ عصرًا ذهبيا.
ودائما في المعيارية؛ فالمؤرخ الذي يقطع التاريخ يجر مرجعية إيديولوجية، وهذه المرجعية هي حامل التحقيب أو دعامته الأساسية، إذ أنها تحدد اتجاه التاريخ، فالمفكر المسيحي –القديس أوغسطينوس على سبيل المثال- يعتقد تبعا لتأويله لنصوص كتابه المقدس أن التاريخ سائر إلى الهرم والشيخوخة، بمعنى آخر أنه يرجع القهقري، وهي ذات الرؤية التي نجدها عند المفكرين المسلمين من ذوي المرجعية السلفية، حيث ينظر إلى التاريخ كابتعاد متدرج عن تلك البؤرة الوهاجة: العصر النبوي، كلحظة مثالية طوباوية، وذلك اعتمادا على بعض النصوص في الحديث النبوي، مثل الحديث القائل “خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”، فها هنا الخيرية في ثلاثة قرون فقط، وبعدها، وكل ما ابتعدنا عن هذه البؤرة، يفقد التاريخ بريقه ويعم مكانه ظلام البدع والمحدثات، فالتقدم الحقيقي حسب هذه المرجعية منوط بمحاكاة العصر النبوي، ولعل هذه إحدى الثوابت في البنية الثقافية التي يجدر بنا تتبعها، حيث نلحظ في كل العصر دعوة إلى الاقتداء بالسلف وترك الابتداع، وحتى عند المفكرين الذين يعتبرون ممثلين لعصر النهضة العربية، نجد في نصوصهم دعوة للعودة إلى عصر السلف قبل ظهور الخلاف.
ومما لاشك فيه أن هذه النظرة التاريخية تؤسس لرؤية تشاؤمية تيئيسية، أما المفكر المنتمي إلى عصر الأنوار في القرن 18 و19 فإنه على العكس من ذلك يعتقد في تقدم التاريخ، فاللاحق بالنسبة إليه خير من السابق، والحاضر أفضل من الماضي، وهذه الرؤية المفعمة بالأمل هي التي وجهت مذاهب فكرية عملت على تحقيب، أو على الأقل وصف بعض التطورات في التاريخ، ونذكر على سبيل المثال الحالات الثلاث لوضعية أوكست كونت، والدورة الخماسية في الماركسية، وفلسفة التاريخ عند هيجل، وفي رؤية مؤسس الوضعية التاريخية الألماني ليوبولد رانكه، بل كذلك نظرية الارتقاء عند داروين، حيث يرى هذا الأخير أن الطبيعة تنتقي الأكثر قدرة على التكيف معها، وأن الذي يبقى هو الأصلح.
ثالثا: الشمولية، لاستيعاب ما نقصده بالشمولية لنتأمل ما كتبه لوغوف في كتابه “هل يجب حقا تقطيع التاريخ شرائح”، يقول “ويجبر العمل التحقيبي المؤرخ على أن يأخذ في الحسبان الفكر المهيمن في أوسع فضاء ممكن لدى الرجال والنساء الذين يعيشون في العصر موضوع الدرس” (لوغوف، ص. 82). إن التحقيب كأي عمل تاريخي يدرس الإنسان بما هو كذلك في التاريخ، فهو يقارب الظواهر العامة التي تشكل القاعدة لا الاستثناء، وما قلناه عن الإنسان كموضوع يتمحور حول التاريخ، يُقال كذلك عن بعد آخر مهم في العمل التاريخي، أعني الزمن، فالتحقيب لا يطال مددا صغيرة، ولهذا يقول لوغوف في رد اعتراض عن تعارض التحقيب مع “الأمد الطويل” الذي ابتكره فرناند بروديل “قيل إن الأمد الطويل الذي أدخله فرنان بروديل يشوش الحقب أو بالأحرى يلغيها. إن هذا التقابل ليس تناقضا في رأيي، إذ يوجد في صلب الأمد الطويل متسع للحقب. إن التحكم في موضوع حيوي، فكري ومادي في آن، مثلما يمكن التاريخ أن يكون، يتطلب في تقديري المزج بين الاستمرار والانقطاع، وهو ما يوفره الأمد الطويل المقرون بالتحقيب” (لوغوف، ص. 138)، ولهذا فقد كانت ملاحظة العروي دقيقة عن اكتشاف الحقب، فهذا الأخير يتم عندما تبلغ حقبة ما ذروتها وتكتمل وتتضح معالمها الأساسية، يقول العروي “لا تتضح حقبة في الأسطوغرافيا إلا بعد أن تنتهي وتختم في التاريخ الواقعي. اتضح القديم قرونا بعد نهاية الوسيط، ومفهوم النهضة قرونا بعد الحديث” (العروي، مفهوم التاريخ، ص. 274)، وبالفعل، فعصر النهضة الذي يتوافق مع القرنين 15 و16، لم يكتشف كحقبة مميزة إلا في القرن 19 مع المؤرخ جول ميشليه. ومن هذا المنظور التاريخي نفسه اعترض العروي على بعض المقاربات الفلسفية التي ترى “الحداثة مشروع لم يكتمل”، إذ ما لم يكتمل في التاريخ الواقعي لا وجود له بعد، ولا يمكن أن نسمه باسم ما Laroui, Islam et modernité, p. 68).). وتقودنا هذه الملاحظة إلى قضية أساسية، فينبغي للمؤرخ المهتم بالتحقيب أن يحذر الطفرات الآنية التي لا استمرارية فيها، لقد شهد تاريخ المغرب فترات تقدم ورخاء مع بعض السلاطين، لكن هذا التقدم لا يستحيل بنية بالمعنى البروديلي التاريخي للبنية (بروديل، التاريخ والعلوم الاجتماعية : الأمد الطويل (بالفرنسية)، ص. 731)، بل إن هذه الإنجازات سرعان ما تضمحل ويعود التاريخ إلى ما كان عليه من قبل، لكن هذه الدورة نفسها أي تقدم/تراجع، أو ما يسمى التاريخ الدوري، كما نجده في مقدمة ابن خلدون، تصير بنية، وعندما يكون التاريخ على هذا النحو الدوري فإنه يستعصي على التحقيب، وهذا ما يشير إليه لوغوف عندما يقول “باستثناء الزمن الدوري الذي لم يؤد إلى أي نظرية موضوعية للتاريخ، فإن تصورات الزمن كلها قابلة للعقلنة والتفسير” (لوغوف، ص. 35).
لننتقل الآن لمراجعة التحقيب الأوربي، وبالخصوص النقلة من الوسيط إلى الحديث، فقد جرت العادة أن يعتبر المؤرخ عصر النهضة بداية للحديث، أما المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف فيرى أن النهضة لم تكن فاتحة العصر الحديث بل كانت فترة انتقالية، فهي حلقة أخيرة من العصر الوسيط. لنقدم هنا قراءة في أهم ما جاء في كتابه “هل يجب حقا تقطيع التاريخ شرائح”.
يستهل لوغوف كتابه بالتنصيص على أهمية التحقيب في حياة الإنسان، فهو منذ وعى مفهوم الزمان يسعى إلى تقطيعه إلى شرائح، إلا أن هذا التحقيب كان على مثال بعض التمثلات، فهو أحيانا قسم التاريخ الإنساني إلى أربعة أقسام على غرار فصول السنة، ثم إلى ست مراحل في إشارة إلى الأيام الستة التي خلق الله فيها العالم كما تذكر الكتب الدينية، وهذا التحقيب السداسي هو الذي سيستعيده الفكر المسيحي ممثلا في أوغسطين، يقول لوغوف “في الكتاب التاسع لمملكة الله ميز أوغسطينوس بين ست حقب : الأولى من آدم إلى نوح، والثانية من نوح إلى إبراهيم، والثالثة من إبراهيم إلى داود، والرابعة من داود إلى السبي البابلي، والخامسة من السبي البابلي إلى ولادة المسيح، والسادسة هي الحقبة الخاتمة وتدوم إلى آخر الأزمنة” (لوغوف، ص. 17-18).
وفي القرن السادس الميلادي، سيقترح “دنيس الصغير” ولادة المسيح بداية للتحقيب الغربي، حيث سيتوافق ميلاده مع لحظة الصفر في التقويم الميلادي، وإن كانت حسابات دنيس حسب المختصين في العهد الجديد لم تكن دقيقة، فالمسيح وُلد قبل أربع أو خمس سنوات من السنة التي يقترحها دنيس الصغير كما يشير جاك لوغوف.
يستعمل فولتير تحقيبا خاصا به، حيث يرى في تاريخ البشرية العهود التي بلغت فيها الممارسة العقلانية شأنا متقدما، وازدهرت فيها الفنون، فيرى أن تاريخ البشرية شهد أربعة قرون، وهو لا يستعمل القرن بالدلالة التي نقصدها الآن، وإنما القرن كما يشرح بوميان “بمعنى العهد الذي يوافق نوعا من الذروة” (Pomian, L’ordre du temps, p. 123)، وهذه العهود الأربعة هي عهد اليونان القديمة، وعهد قيصر وأغسطس، أما العهد الثالث فهو قرن استيلاء محمد الفاتح على القسطنطينية، ولابد من الإشارة هنا أن أهمية هذا الحدث في الوعي الغربي لا تقتصر على مجرد الاستيلاء، بل في هجرة العلماء إلى إيطاليا واحتضان أمرائها لهم، وهو ما سيكون سببا لانبعاث حضاري، أما القرن الرابع فهو قرن لويس الرابع عشر الذي عاصره فولتير.
لنذكر مرة أخرى بأطروحة لوغوف في كتابه هذا؛ إن المؤرخ الفرنسي يعيد النظر في التحقيب الأوربي وبالضبط الانتقال من الوسيط إلى الحديث، ولب إضافته تمطيط العصر الوسيط ليطال عصر النهضة كذلك. هذه الحقبة التي اكتشفها المؤرخ جول ميشليه في القرن 19، ومعه تحولت إلى مفهوم يكتب بحرف كبير في مستهله، فقد كانت النهضة قبله وسما مقترنا بنشاط معين، أما معه فصارت عَلَما لحقبة، يقول لوغوف “إن مصطلح النهضة، وكذلك تحديد حقبة تاريخية كبرى تسمى هكذا، وتعقب العصر الوسيط وتُناقضه، لم تظهر إلا في القرن 19، ويعود الفضل في ذلك إلى جول ميشليه (لوغوف، ص. 47). ولكن مع ذلك، وبالنظر إلى التحولات الكثيرة التي شهدتها أوربا في القرن 16 و17، لا ينفي لوغوف الفرادة عن هذه الحقبة، إلا أنه يرى فيها منعطفا حاسما قبل ولوج الحداثة، يقول “أُقر بأهمية النهضة وبأهليتها لاستحقاق صفة التفرد في المدى التاريخي” (لوغوف، ص. 76).
ويبدو لنا أن لوغوف يسيء التعامل مع عصر النهضة، ذلك أنه يحاول أن يجد لكل التغيرات أصولا في العصر الوسيط، أو أن يراها ظواهر دون أي مفعول في حينها، بل لم تظهر فاعليتها إلا مع القرن 18. ما يغفله لوغوف أن هذه التغيرات الكبرى كلها استجدت في سياق واحد، ما يدل على أننا بالفعل أمام يقظة، وليست حالات فرادى، ونقصد هنا الاكتشافات الجغرافية، الإصلاح الديني، انتعاش الفنون، وضع الإنسان في مركز الكون وتصويره في قالب جميل بعد أن كان رمزا للخطيئة في الماضي المسيحي، حياة الترف والمتع الحسية في مقابل الزهد، اعتماد التجريب في العلم.. إلخ، لكن ما يغفله ولم يذكره ولا مرة لوغوف هو ديكارت الذي يعد أب الفلسفة الحديثة، وسليله سبينوزا اللذان عاشا قبل القرن 18، فهل يمكن النظر إلى المفكرين كفيلسوفين وسيطيين؟
يعتمد لوغوف في سبيل إثبات أطروحته منهجا مقارنا، إنه لا يفتأ يترنح بين العصر الوسيط والنهضة وما يعده عصرا حديثا، فيعقد مقارنات بين هذه الحقب الثلاث. يعمد لوغوف إلى خطة، إنه يبدي محاسن العصر الوسيط التي لم يعرفها عصر النهضة، وفي المقابل يكشف عن مساوئ عصر النهضة، أما حين تكون ظاهرة ما مستجدة في عصر النهضة فإنه، كما سلفت الإشارة، يعدها ظواهر لم تظهر نتائجها الفعلية إلا لاحقا، أو يسفر عن ما شابها من شوائب وسيطية، ولنشر هنا في عجالة إلى مثال “كريستوف كولمبوس”، إن لوغوف يلغي حداثة الاستكشافات لأن هاجس هذا البحار الذي كان على متن سفينة جنوية هو هداية الوثنيين إلى معرفة الله المسيحي، ولم تكن غايته اكتشاف الذهب، ليخلص إلى أن “كولمبوس رجل من العصر الوسيط”، والأمر نفسه يطبقه على الأديب شيكسبير.
لم يكن الكتاب منظما بالقدر الكافي، وقد يكون سن المؤرخ عاملا في ذلك الشتات الذي نصادفه في متن الكتاب، وإن كانت هذه سمة الكتابات التاريخية في العموم، فعلى سبيل المثال، بعد أن انتهى لوغوف من عقد مقارنات بين الوسيط والنهضة، قدم بديله التحقيبي وأدلته التي لا تخلو من وجاهة، لنتفاجأ بعودته مباشرة للرد على مجلة خصصت عددا للنهضة، حيث ينفي عن النهضة جدتها وحداثتها.
الكتاب، إن أردنا إعادة بنائه، يضم المحاور الأساسية التالية:
- إبراز محاسن العصر الوسيط بالمقارنة مع القديم والنهضة.
- بيان مساوئ عصر النهضة، وهي إما مساوئ جديدة أي أنها لم يعرفها الوسيط، وإما أنها استمرار للوسيط.
- شكلية التغيرات التي شهدها عصر النهضة وعدم تأثيره الآني في المجتمع الأوربي.
ففيما يخص محاسن الوسيط، يرى لوغوف أن هذا العصر كان من الناحية اللغوية أفضل بحكم استحكام اللغة اللاتينية، يقول “كان العصر الوسيط أكثر لاتينية من النهضة” (ص. 79). والنهضة، كما يعتقد أنصارها، كانت إحياء للقديم كحقبة مزدهرة، إلا أن لوغوف يذكر بعض المقومات التي تجعل الوسيط أكثر تطورا من القديم، ومنها أن “الكتابة والقراءة كانت أكثر انتشارا في الوسيط مما كانت عليه في القديم”.
من منظور آخر، يرى لوغوف أن الاعتقاد في تهرم العالم لم يكن قاعدة في العصر الوسيط، بل إن بعض رجال الدين في العصر الوسيط كانوا يرون أنفسهم يعيشون عصرا حديثا، وقد عمل هؤلاء كما يقول لوغوف على “إبراز محاسن العالم الذي يعيشون فيه وآفاقه المستقبلية” (لوغوف، ص. 83).
من جهة أخرى لم يكن العصر الوسيط عصرا مجافيا للعقلانية، وتوظيف العقل لم يكن إفرازا نهضويا، بل إن السكولائية، وهي نمط الفكر الذي ساد العصر الوسيط، كان مشبعا بالعقلانية. ومن باب الاستطراد قد نورد اعتراضين اثنين على تصور لوغوف هذا، إن مفهوم العقل كان بالفعل سائدا في العصر الوسيط، سواء في الثقافة الغربية أو العربية، لكن ما يجب الانتباه له أن الاشتراك في الاسم لا يعني انتفاء الاختلاف في الدلالة، فالفعالية العقلية في الوسيط ليست هي ذاتها في الحديث، على الأقل من وجهين اثنين: من جهة أن العقل كان دوره إثبات عقائد جاهزة، وهكذا فالعقل كان وسيلة لا غاية في ذاتها، والإبستمولوجيا الحديثة تلح على ضرورة “العقلانية المفتوحة” (بوبر، باشلار)، أي أن يكون العقل حرا من المسبقات، أما الوجه الثاني فهو الموضوع الذي اتخذه العقل للتفكير، إن النزعة السكولائية نزعة نصية، فكان العقل لا يتعامل إلا مع النصوص، وهو المعطى الذي انتقده مؤسس النزعة التجريبية “بيكون” عليهم، إذ في مجال الطبيعة دعا بيكون للاحتكاك مباشرة معها دون اتخاذ النصوص وسائط. وهكذا فعقلانية الوسيط غير العقلانية الحديثة (لمزيد من التفصيل، يُنظر: العروي، مفهوم العقل، وهو كتاب خصصه لمثل هذه المفارقات).
أما عن أسبقية العصر الوسيط في تحديث بعض ما نُسب للنهضة، فلوغوف يضرب مجموعة من الأمثلة، وعلى رأسها الإصلاح الديني، فقد كان العصر الوسيط سباقا للدعوة إلى إصلاح الكنيسة والعودة إلى روحانية المسيح، يقول “وفي الواقع اعتبر المؤرخون المنتج الرئيسي للتقوى الحديثة وهو كتاب الاقتداء بالمسيح المنسوب إلى توما الكمبي، التحفة الرائعة في فترة ما قبل النهضة الدينية” (لوغوف، ص. 85). ومن النماذج كذلك الإنسانوية، إن هذه الأخيرة تعني جعل الإنسان في المركز، وهي نزعة سادت في العصر الوسيط ونجد صداها لدى بعض رجال الدين، وينقل جاك لوغوف مجموعة من الأمثلة من كتابه “المثقفون في العصر الوسيط”، ومنها أن علم اللاهوت في القرن 12 كان يعتقد أن “الإنسان هو موضوع الخلق ومركزه” (Le Goff, Les intellectuels au Moyen Âge, p. 86)، وما يجب التحقق منه بخصوص هذه الاعتراضات التي يقدمها لوغوف، خصوصا أننا بصدد دراسة تحقيبية، هو إذا كانت هذه النماذج التي يقدمها شملت المجتمع الغربي في الوسيط، فكما أسلفنا، واستنادا إلى قولة للوغوف نفسه، الشمولية شرط في التحقيب، أم أنها كانت حالات فردية.
عصر النهضة عصر جمالي فني بامتياز، لكن لوغوف لا يراها ميزة تخص عصر النهضة فقط، ويرجع هنا لوغوف إلى كتابات إمبرتو إيكو لإبراز المسحة الجمالية التي عرفها العصر الوسيط، وبالخصوص كتابه “الفن والجمال في الإستطيقا القروسطية”، يقول لوغوف “لقد عارض إمبرتو إيكو بشدة فكرة أن السكولائية قد تكون خنقت معنى الجمال، وبين بشكل مقنع أن الفلسفة واللاهوت القروسطيين كانا حافلين بالأسئلة الجمالية” (لوغوف، ص. 91).
أما عن مساوئ النهضة إن لم نقل بشاعتها، فلوغوف يشير إلى هذه الحقبة كعصر عرف ممارسة كبيرة لأعمال السحر، وبحكم أن هذه “الممارسات الشريرة” كانت تزاولها المرأة فقد أثر ذلك سلبا على انطباع هذا العصر عنها، يقول لوغوف “إن السحر ظاهرة نسوية، وهو ما أثر على نظر المجتمع إليها، إلى حد أنها لم تكن في عصر النهضة محل احترام وإعجاب، بل كانت كائنا غامضا في منزلة بين الله والشيطان” (لوغوف، ص. 96)، ومن جهة أخرى فمن مساوئ عصر النهضة أنه لم يكن عصر تسامح ديني، بل إن القرن 15 عرف اضطهادا واسعا لليهود، وتحريكا نشطا لمحاكم التفتيش، لكن فداحة الأمر لا تتوقف هنا، بل إن لوغوف يرى تقبل الوعي الجمعي لهذا الاضطهاد ومحاكم التفتيش.
أما ما استُحدث في عصر النهضة لم يؤثر في البنيات، فيضرب جاك لوغوف نموذجا بالاكتشافات الجغرافية، فالمستكشفون جلبوا معهم مجموعة من المنتوجات الغذائية التي وجدوها في هذه المناطق المستكشفة، إلا أن ذلك لم يغير النظام الغذائي في المجتمع الأوربي، وبالتالي فالبنية لم تتغير، ومن هنا عدم إمكانية الحديث عن حقبة جديدة، يقول لوغوف “لنتذكر بأن إدخال المواد الغذائية التي لم تكن معروفة حتى ذلك الوقت (الطماطم، الشاي، ثم القهوة في فترة متأخرة.. إلخ)، لم يغير في العمق التغذية التي كانت قائمة على الحبوب والخبز والحساء واللحم” (لوغوف، ص. 124). وكذلك اعتماد النظام النقدي بفضل تدفق المعادن الثمينة من هذه المناطق المكتشفة لم يؤثر بشكل كبير في تطور النظام الرأسمالي، فبالنسبة للوغوف لا يمكن الحديث عن الرأسمالية قبل كتاب الاقتصادي الأسكتلندي آدم سميث “ثروة الأمم”، وهو كتاب في الاقتصاد السياسي ظهر في القرن 18. أما الإصلاح الديني فلم يحدث قطيعة في الوعي الإيماني الأوربي، فقد ظلت سطوة المسيحية مهيمنة في القرن 16 و17، ولم تتراجع إلا مع القرن 18، وهو عصر تراجع الإيمان والكنيسة لصالح العقل والتفكير الحر..
لنأت إلى البديل التحقيبي للوغوف، فالعصر الحديث ابتدأ مع منتصف القرن 18، وللوغوف مستندات مهمة، فمن جهة في المجال الزراعي ظهرت النظرية الفيزيوقراطية التي ساهمت في تطوره، وهي النظرية القائلة بأن الأرض هي مصدر الثروة، وفي المجال الصناعي اكتشف جيمس واط الآلة البخارية سنة 1769، وعلى المستوى السياسي أحدثت الثورة الفرنسية رجة على مستوى الشرعية السياسية، والانتقال من الملكية التي تقوم على الحق الإلهي، إلى الجمهورية المؤسسة على عقد اجتماعي، وأما فكريا، فالقرن 18 هو عصر الأنوار بامتياز، وتجلى ذلك بالخصوص في ظهور الموسوعة التي ساهم في تأليفها مفكرون كبار كدولمبير وفولتير ومونتكسيو وروسو، وكانت إشارة لوغوف إلى فصلين يوحيان باستشعار هؤلاء الفلاسفة لعيشهم في حقبة جديدة؛ إشارة ذكية، وعنوانا الفصلان هما “الكون: الثورة تعتمل”، و”حملات القرن 16 تبشر بالعولمة”، ويشدد لوغوف على كلمة “التبشير” التي يريد منها أن العولمة كانت بشارة النهضة.



