رحلة الهجرة يا أحباب ليست حدثا عابرا عاديا، بل هي رحلة إنسانية ملحمية، فردية كانت أم جماعية!
سألت نفسي: هل كنت سأكتب ما أستعد لكتابته الآن إن بقيت في بلدي ولم أهاجر؟ لا أدري ولكني أزعم أنني إن فعلت فإن زخم العاطفة بين سطوره سيكون باهتا! تلك العاطفة التي ولا شك تتحول، وتتشكل، وتشحذ بفعل الهجرة، فتصبح عوالم المهاجر الداخلية متشعبة، وانتماءاته متعددة، ومشاعره جياشة، وحواسه مرهفة.
ألا ترى أن أدبيات الهجرة هي بعبارات الحب والاشتياق مسطرة وبروائح الأماكن البعيدة معطرة وهي للبوح بالحنين إلى الأحباب والأصحاب دائما مرددة!
في بلاد الهجرة اكتشفت عبارة “مَدْلين بْروسْت” التي يذكرها الكاتب الفرنسي “مارسيل بروست” في كتابه “البحث عن الزمن المفقود”. “مادلين بروست” هذه ربما لم تكن لتستوقفني أو ربما مررت عليها مرور الكرام إن لم يخبر قلبي أحاسيس المهاجر! و”المدلين” نوع من الحلوى الرطبة اللذيذة التي يقول عنها بروست أنه ما أن يغمسها في الشاي ثم يضعها في فمه حتى تحضره ذكريات الطفولة فتتراءى له الأمكنة والأشخاص.
أصبحت “مادلين بروست” رمزا لكل ما يمكن أن يثير وينشط في ذهننا ذكرى من ذكريات الطفولة. والمدلين هذه قد تكون نوعا من أنواع المأكولات أو الحلويات وقد تكون رائحة أو أصواتا أو أنغاما أو غيرها، تبقى عالقة في أذهاننا وفي لا وعينا، لا تمحوها عوامل الزمن، ويثيرها ويقويها البعد عن الوطن.
هذه العواطف قوة دافعة جبارة تغير الإنسان والمجتمعات والثقافات والعمران! ألا ترى أن المهاجر يعيد تشكيل وطنه في البلد المضيف وأنه يلونه بألوان بلده الأصلي، وأول ما يبدأ بإعادة تشكيله أكله الذي نشأ عليه. فأنت إذا زرت بروكسيل حيث تتعايش مئات الجنسيات فربما يفاجئك ذلك التنوع فيما هو معروض للبيع من الوجبات. فهذه الأطباق والحلويات منها المغربي، والأفريقي، والأسيوي، والهندي، والصيني والإيطالي، والسوري… تقدم لك في أجواء وأواني خاصة. وللأماكن وعلى رأسها البيوت نصيب من إعادة التشكيل فبيت في بروكسيل مزينة جدرانه بالزليج المغربي ليس بالنادر، والصالون المغربي زينة منزل المهاجر.
“مادلين بروست” لا تعني فقط النوسطالجيا التي قد تسكن أحدنا في لحظات معينة، بل هي تسائل عوالمنا الداخلية وأسرار أنفاسنا الدفينة. ما هي العلاقة يا ترى بين حواسنا وعواطفنا ووعينا؟ كيف تصنع الذاكرة الفردية والجماعية؟ كيف يتكون الإحساس بالانتماء للأسرة والجماعة لدينا؟ أهي سطوة العاطفة أم هو صوت العقل فينا؟ وكيف يتفاعل هذان الاثنان ويتجاذبان في دهاليز أنفسنا وأرواحنا؟ وما هي المساحة التي يحتلها كل واحد منهما؟
وإذا تأملتَ أحوال الشعوب ستجد أن لكل جماعة مَدْلينَتُها. ولتعلم أيها القارئ الكريم أن بعض المدلينات لديها روح، وفيها حياة تغذي قلب المهاجر فيجمع بها شتات نفسه ويعيد تركيب أجزاء روحه لكي تتماسك، فيستطيع ربط ماضيه بحاضره. ولتعلم أن الأكل ليس منتوجا غذائيا فحسب، بل هو منتوج يتداخل فيه الدين والثقافة والعادات.
هناك أطباق تربط أبناء البلد الواحد بعضهم ببعض من جهة، وتربط السماء بالأرض من جهة أخرى، إذ هناك مأكولات تأكل بعد طاعة وعبادة، فلا تسل حينئذ عن بركاتها التي تعم المكان الزمان والإنسان!
وفي القرآن سورة أنزلها الله سبحانه وتعالى وسماها المائدة، والمائدة في تنوعها آية من آيات الله، وهي بالرموز مشبعة وبالعواطف محملة وهي قوة من القوى الناعمة تمسك بخيوطها النساء والأمهات خاصة!
يقول العلماء أن مخ الإنسان ينتج باستمرار وبدون توقف في منعرجاته وتلافيفه مشاهد وفيلما يتغذى بما ترسله له حواسنا التي تربطنا بالعالم الخارجي. هذا الفيلم تلعب فيه العواطف الدور الرئيسي! لهذا فإنك إذا ذكرت الكسكس تراءت لك أفواج المصلين الخارجين من المساجد المتوجهين إلى بيوتهم، وبدت لك صورة أمك، ورأيت نفسك في البيت وقد استقبلتك الرائحة القادمة من المطبخ يمتلئ بها كيانك وتخزنها كل خلية من خلايا أعصابك، فأنت حاملها معك في هجرتك فلا تفارقك أبدا، ولا تنفك تذكرك بأمك وأحبابك وأصحابك.
ومذاق الحريرة في فمك يحملك إلى ذكرى رمضان في ربوع وطنك، والاجتماع حول المائدة مع أحبابك فتسمع صوت آذان المغرب وهمس الدعاء في أذنك، وتحس ابتلال عروقك وارتواءها، وتغمرك البهجة والفرح، وهدوء يشبه هدوء وصمت الشوارع في بلدك التي تخلو من المارة لتعود لها الحيوية والحركة بعد الإفطار وتصل مسامعك أصوات المؤذنين والمقرئين وتهاليل المهللين.
فماذا يا تراه فاعل من سكنت روحه هذه الروائح والأصوات والنسمات والنغمات ثم هاجر؟ وكيف له أن ينفك منها؟ إن المهاجر كالنبتة إن أنت اجتثثتها لتنبتها بعيدا عن موطنها الأصلي فلا شك أنها ستصاب بالذبول وقد تموت، لذا فعليك أن تهيئ لها تربة تشبه تربتها، وجوا يحاكي الجو الذي نشأت فيه إلى أن تقوى ويشتد عودها. وما أشبه حال المهاجر بحال هذه النبتة!
هكذا يعيش، لا يخفق قلبه إلا بحب الوطن، ثم تطول به الإقامة فيفاجأ في لحظة من اللحظات بأن مشاعر جديدة نمت بداخله وفي غفلة منه، فهذا قلبه الذي ظنه موصدا قد فتحت به ممرات وأبواب لم يلق لها بالا جعلت لبلد المهجر فيه موطئا!
وهذه أعزائي ملحمة أخرى!



