هل خطرت ببالك أماني استحالت عليك في الدنيا سألت الله أن يحققها لك في الجنة؟ وهل مرت بخاطرك أمنيات من قبيل الإحاطة بعلوم لم تجد وقتا في الدنيا الفانية القصيرة لتحقيقها؟ وهل أعجبك اقتران الجنة والمتع العقلية في أدب العلامة الكبير والشاعر الفذ امحمد ولد الطلبة الشنقيطي اليعقوبي (1272هـ) الذي قال “يوما بعد ما نظم جيميته..، وأبرزها للناس: أرجو من الله أن أقعد أنا والشماخ بن ضرار، في ناد من أهل الجنة وننشد بين أيديهم قصيدتينا، لنعلم أيهما أحسن”. كما في الوسيط في تراجم أدباء شنقيط ص 95.
وقبل العلامة اليعقوبي كان شيخ المعرة (ت449هـ) يجد سلوته في محاورة الشعراء والموازنة بين قريضهم في الجنة بعد نيلهم “الغفران”، وقبل أبي العلاء كان هناك عبد الله بن حمّود الزبيدي أبو محمد الأندلسي (ت372هـ) من مشاهير أصحاب أبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي، رحل إلى الشرق، ولم يعد إلى الأندلس. لازم ببغداد أبا سعيد السيرافي إلى أن توفي السيرافي فلازم أبا علي الفارسي، واتبعه إلى فارس”.
واشتهر هذا الأندلسي بحبه لأدب أبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ (ت255هـ) وكتبه وكانت تعتريه حالة نفسية عجيبة عند سماع كلامه؛ فـ”كان إذا سمع كلام الجاحظ تخدّر وتسدّر عجبا به”، ولم يرد ابن حمود أن تقتصر هذه المتعة على الدنيا الفانية، “وكان يقول: قد رضيت في الجنة بكتب الجاحظ عوضا من نعيمها”، وفقا لياقوت الحموي في معجم الأدباء 4/ 1517.
ومن طرائف ملاحقة المتع العقلية في الجنان ما روى ابن رجب الحنبلي في “ذيل طبقات الحنابلة” عن الإمام ابنِ الجوزي أنه نقل عن الإمام أبي العلاء الهَمَذَاني الحافظ (ت569هـ) “بلغني أنه رُئيَ في المنام في مدينةٍ جميع جدرانها من الكتب، وحوله كتب لا تُحَدّ وهو مُشْتَغل بمطالعتها. فقيل له: ما هذه الكتب؟! قال: سألتُ الله أن يُشغلني بما كنتُ أشتغل به في الدنيا، فأعطاني”، فهذا الحافظ تعلق بالكتب حيا وميتا فصارت جدران قصوره في الجنان كتبا يتملاها متى ما شاء.
وفي عصرنا الحاضر وجه الأديب التونسي السيد مصطفى بن حميدة السؤال التالي “ما هو أحسن كتاب قرأته في موضوعه”؟ إلى العلامة والأديب المؤرخ المغربي عبد الله كنون (ت1989م) وفي جوابه قال مؤرخ الثقافة المغربية إنه لا يمكن الجواب بإطلاق عن هذا السؤال، وخصوصا لمن كان مثله “على كثرة ما قرأ من الكتب في الموضوع الواحد”، وأنه لا تزال أمامه “لائحة طويلة بالكتب التي لم يقرأها في كل موضوع”، وأمام تلك اللائحة الطويلة لم يكن لدى كنون الشغوف بالكتب إلا أن يتمنى طول العمر ليقرأ ما فاته من الكتب فيقول: “فأنا إذا تمنيت أن أعيش طويلا، فإنما أتمنى ذلك من أجل أن أستوعب ما أريد من الكتب”.
وبما أن الدنيا مهما طالت فإنها قصيرة فقد استعار كنون ذو الخلفية الصوفية من الإمام ثابت البناني (ت127ه) قوله “اللهم إن كنت أعطيت أحدا من خلقك الصلاة في قبره فأعطنيها”، وقيل إنه كشف عن قبره فوجد قائما يصلي”، وهنا قال كنون “فأنا أدعو الله الذي لا يعجزه شيء أن يمتعني في الحياة الأخرى بغرفة مطالعة تجبى إليها ثمرات العقول: من كتب ومجلات وصحف أدبية ودواوين شعرية قديمة وحديثة حتى أكون على اتصال تام بالحياة الفكرية في الدار الدنيا قبل فنائها، وأمتع نفسي في الجنة بعد فناء هذه الدار بأعظم لذة روحية في نظري”.
وفي تفصيل إجابة كنون عن أهم الكتب التي اعتبرها استثنائية في بابها، فبعد القرآن وصحيح البخاري، رأى أن كتاب “صيد الخاطر” لابن الجوزي “مجموعة آراء مرسلة في العلم والتربية والدين والاجتماع، ولكنه كتاب مؤثر جدا ومعين على تكميل النفس وتربية الإرادة وتكوين مبدأ سام لقارئه”، كما لم ينس كنون أن يشيد بفضل “مؤلفات الشيخ الإمام محمد عبده، والأستاذ الكبير محمد فريد وجدي، والسيد محمد رشيد رضا، والشيخ مصطفى الغلايني، ورفيق بك العظم والعلامة محمد كرد علي”.
فهؤلاء المؤلفون جعلوا مؤرخ المغرب يعرف “قيمة الثقافة الإسلامية والحضارة العربية”، وأن يقارنهما “بغيرهما من الثقافات والحضارات”، وأن يُكَوِّن لنفسه “بعض الأفكار عما قرأه على الطريقة القديمة من كتب التشريع الإسلامي وكتب الكلام والتصوف”، “وأما في الأدب الحديث والنقد والقصة فمن أحسن ما” قرأ فيه صاحبنا واستفاد منه كثيرا فهو “كتب العقاد والرافعي وطه حسين ولطفي جمعة وهيكل والمازني وزكي مبارك ومجلة الهلال والمقتطف والرسالة”، ولم يشأ أن يخصص “شيئا من كتب هؤلاء فإنها كلها جميلة ومفيدة”.
وفي حقول “المباحث السياسية وتاريخ الأمم الإسلامية ونهضاتها”، فإنه يقدم في هذا الباب “كتابات جمال الدين الأفغاني والكواكبي ومصطفى كامل والأمير شكيب أرسلان ومحب الدين الخطيب وصديقنا أحمد توفيق المدني”، وفي ختام إجابته أشاد كنون “بآثار فقيد الشمال الإفريقي العلامة المجاهد المرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس”، الذي كان له كثير من الأثر في توجيهه وإنارة الطريق أمامه إلى كثير من الخير.
ولعل أشمل محاولة دونت في ملاحفة المتع العقلية في الفراديس العليا ما كتبه المفكر والمربي العراقي الكبير محمد أحمد الراشد حفظه الله تحت عنوان “منهجية إبداعية في استثمار الخلود”، وهي منهجية شاملة واسعة يهمنا منها هنا ما يتعلق بالكتب والقراءة.
يحدثنا الشيخ الراشد عن بداية تبلور هذه الأمنية الكبرى عنده في مساره الدعوي الطويل، فيقول: “وفي ثنايا هذا الاندماج القلبي الروحي مع المهمة الجبارة الدعوية بدأت تسري عندي حالة اجتهاد في تحديد المذهب الأخروي الذي يُسيّرني ويدفعني، هي فرع من الاجتهادات الفقهية التي تـتمايز بها مذاهب الفقهاء، وتشكلت لديّ وفي مُخيّلتي صورة الحياة التي اُريدها في الجنـّة، وجعلت أقول لنفسي: ويحك من مشترٍ لشيء مجاني مبذول”.
وفي برنامج الراشد المشحون في الجنان أنواع من المغامرات واللذائذ الحسية والمتع الروحية، ويذكر أن كلما ذكر من تلك الأماني إنما هو “تمهيد وتحريك للفكر، فليست خُطتي في الجنة خطة طعام ولهو، ولكن أهل الإبداع يقولون أن ومضاته لا تـتألق إلا من خلال قوادح المغامرة وتبديل البيئة وعنفوان الحركة وتجديد المناظر، فجعلت فروسية الخيل والدراجات والمناطيد والمغامرات سبباً لتحريك عقلي وذكائي، ومقدمة لنيل لذّتي العظمى اليومية التي أريدها على مدى عشرة آلاف سنة من امتداد الخلود”.
أما لذة الراشد الكبرى ومطلبه الأسمى فأفصح عنه بقوله “لذتي الكبرى ومطلبي أن تكون في قصري في الجنة مكتبة إسلامية ومعرفية وعلمية وفنية، كاملة لا نقصان فيها، فآخذ القرآن الكريم أولاً، وأجلس عند عتبة باب قصر عبد الله بن عباس أنتظر خروجه، لأطلب منه التلمذة وأن يأذن لي بدرس يومي عصراً على مدى سنين يشرح لي أسرار القرآن، ولغته، وأعاجيبه حتى إذا شبعت من علمه: دققت باب الطبري ليمنـحني المزيد من معاني القرآن وفقهه، وألبث معه السنوات الطويلة قبل أن أتحول إلى القرطبي، والزمخشري، والآلوسي، وابن عاشور، وسيد قطب، وكل منهم يزيد لي حروفاً وفوائد، حتى أستوفي علم القرآن من مائتي مُفسِّر، ودفاتري معي، وقلمي خلف اُذني، ونعلي خفيف، على هيئة طُلاب العلم التلامذة، فإني حُرمت مثل هذه المجالس في الدنيا إلا قليلا، واُريد أن أشبع وأنهل”.
ولا يهمل الشيخ الراشد طلب الموسوعية العلمية في الجنة وأن يأخذ عن كل أهل قطر ما اشتهروا به من العلوم في الدار الفانية، ولا ينسى طرق طلب العلم والتفنن في هيئاته، فيحدثنا “غير أن أخي خُونا الجَـكَني في تـِندوف بصحراء الجزائر، وأخي غلام السائح، قد أغرياني أنّ ثـَمَة علم ولُغة في حاضرة شنقيط بموريتانيا، فأنا أريد لذلك أن أمكث في الخاتمة عند الـمُفسّر الشنقيطي مدة أطول، وأن أذهب له في الجنة على ناقة، وأن التقي به في صحراء الجنة، وكان أستاذي الدكتور جعفر شيخ إدريس يُحدثني عن شيخ له في السودان يأبى إلا أن يأتي إلى مجلس التدريس على ناقة ، مبالغة في الحفاظ على صورة الحياة السلفية، فأريد أن أقلده”.
وبعد القرآن يرسم الشيخ الراشد منهجياته الإبداعية في الإحاطة بالحديث النبوي الشريف من خلال صحبته الطويلة للإمامين البخاري ومسلم وبقية أهل الستة، ولا يغفل الراشد مجالسة ومحاورة الأئمة الأربعة وخصوصا مالك الذي جلب له بواخر من الحلويات ليعوض بها ما فاته منها في الدنيا بسبب داء السكري، والإمام أحمد الذي حدثه باستيعاب عن محنته وصبره وشجاعة أصحابه، وسيدوِّن الراشد “تجربته الفريدة في ظلال الرقابة الحنبلية، فلما طبعته مؤسسة الرسالة في الجنة، واعتنى الأستاذ رضوان دعبول بإخراجه: صرت أزور الشهداء وأهديهم الكتاب”.
ولا يكتفي الراشد بالقراءة فقط ومجالسة الأنبياء والصحابة والتابعين وكبار الأئمة فإنه بعد أن يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد التبحر في علوم الوحي يطلب من الملائكة أن تعرض له سبعة مسلسلات، الأول: يجتمع فيه الطبري وابن خلدون والخطيب البغدادي وابن العديم والجبرتي، في مائة من المؤرخين الذين أرخوا التاريخ الإسلامي لحكاية التاريخ الإسلامي المشرف، والثاني: يرى فيه تاريخ البشرية، والحضارات، والمدنيات، وحوادث بابل ونينوى، وأثينا وروما، وأخبار الصين، والفراعنة، والإنسان القديم، ومعيشته وصيده وحياته الأولى في الغابات والجبال، وفي العصر الجليدي، وأخبار عاد وثمود، والعرب البائدة، وحِمْـيَر وسد مأرب وسيل العرم، وأجيالَ أخرى نجهل خبرها”، أما الثالث: فيستمع فيه للفلاسفة يتحدثون بالصواب والخطأ، والملائكة تصحح لهم وتوبخ ملحديهم، والرابع: تريه فيه الملائكة “عجيب خلق الله للحيوان والنبات والجماد، والأكوان والمجرّات والشموس والكواكب، وكيف بدأ الخلق، وكيف حصل التطور، وانتقل معهم إلى الذرة والإلكترونات والبروتونات وتكوين العناصر تصاعدياً وفق الجدول الدوري، والاتحاد الجزيئي، والحقيقة الجسيمية والموجية للضوء، وانطلاق الفوتونات، والكمّات، وأشكال الطاقة، وارتيابات هايزنبرغ، ونسبية اينشتاين”.
وفي الخامس مسلسل أدبي بأن “يُنـادى في الجنة أن الله أذن لعباده أن يسـتأنفوا سوق عكاظ، فأرى وأسمع أصحاب المعلقات العشر يتغنون بها، ويشرحون لنا لغتها، وأريد أن أطيل محاورتي لعنترة، وأن يشرح لي: ويكَ عنترُ: أقْدِمِ!! ثم شعراء الجاهلية جميعاً، وشعراء صدر الإسلام، والبحتري، والمتنبي، في ألف شاعر منهم حافظ الشيرازي، وسعدي الشيرازي، نزولاً إلى البارودي وشوقي وإقبال وطبقات مفتي زادة في روحانياته وآهاته اللواعج”، وفي السادس أمنية عائلية يرى فيها أرحامه من الجهتين، والسابع سر يكتمه ولا يبوح به، “فاستعمل فراستك، إنما هو جدٌ لا هزل، وتعرفه بالذكاء والإخلاص معاً، لا الذكاء فقط، وإذا كنتَ على الدرب فما أقرب أن تميزه”، فما ذا عن أمانيكم في الجنان؟



