زرت مكتبة الألفية في الرباط، فوجدت الأعمال الكاملة لعبد الفتاح في خمسة مجلدات متوسطة الحجم. وكنت من توى قد قرأت كتابه لن تتحدث لغتي، وتمنيت وقتها لو كان لي أن أقرأ المزيد له. ولما حصلت على المجموعة الكاملة لكتبه وقعت في رغبة شديدة في قراءتها. صحبت أحد المجلدات في الحقيبة اليدوية، وبدأت في المطار أثناء الرحلة، غير أني أصبت حينها بجرثومة مرض أفريقية كانت منتشرة آنذاك، كانت داء عضالًا مؤقتًا ولله الحمد. وكان لا بد لي من استكمال السفر بعد المغرب إلى دولتين أخريين، غير أن المرض اشتد حتى أبقاني في الفراش، ولا أكاد أقدر على السير خطوات، وفقدت لذة الطعام، بل ذهلت عنه واكتفيت بأقلّه. ولكن الغريب أن أعمال كيليطو لم تفقدني لذة القراءة بل زاد نهمها؛ فقرأت منها كثيرًا في سرير المرض، وأجّلت مواعيدي، ثم تحاملت بعدها لأتم واجبي وأعود، وما مللت المطالعة، حتى استكملت الجرثومة دورتها التي كانت بعيدة الأثر وطويلة الوقت وبالغة الألم. وبعد أن تشافيت من المرض وأحسست بالعافية وبواجب العمل وخرجت من عادات المرض، ابتعدت عن الكتاب. ثم في يوم قريب لاحت لي مجموعة كيليطو، وما كنت استكملت قراءة المجلدات؛ فتذكرت ألم المرض وأنس تلك الأجزاء خلاله، فتلازما حتى لا تكاد كتب المؤلف تذكر أو أقرأها إلا جرت ذكرى المرض والمتعة:
فتلازما عند الفراق صبابة *** أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر
فكنت كلما رأيت كتابه هب إليّ معه ما لازمه من ألم وتعب ورفقة حسنة ومتعة قراءة، فقد كان يواسي مرضي ووحدتي ويعطيني علاجًا في كل صفحة، تخرجني أحيانًا من المرض إلى السعادة والتنبه والغرابة، فما زلت أشكر رفقته الصعبة السعيدة.
وقد منحتني كتب كيليطو متعة وحيوية عكس ما يعانيه المشارقة مع كثير من نصوص الكتاب المغاربة. وليسمح لي الأعزاء المغاربة أن أقول إن السبب هو الصلة بالعربية، فنحن نعرف أن غالب من يكتب بالعربية يجيدها أو هي غالبة على لغة يومه وعمله ربما، لكن اللهجة الدارجة في المغرب تبتعد أحيانًا عن أصولها، وأهم أصولها الفصحى ثم لغات ولهجات أخرى، وهذه اللغات بحسب مذهب الجاحظ تضر بالأصل، أو تضر اللغات باللغات التي تجاورها، فكل يأخذ حيزًا وقد يجور حيز على آخر، أستثني كيليطو وقلة أمثاله.
كما إن الموضوع لا علاقة أساسية له بموضوع العمق الفكري من عدمه، وإن كانت هناك لبعضهم نصوص عميقة مفيدة، لكن السبب الأول عندي هو مشكلة اللغة عند بعضهم، ولو تركوا حجتي مرمية هنا، وانصاعوا إلى درس مجموعة كتب الرجل أو بعضها للاحظوا ذلك، وإني سامع قابل بحصيلة حكمهم. ثم إنه لو كان لبعضهم من عمق وإشراق في لغته لما كانت نصوص بعضهم نكدة بلا سبب؛ فكبار مفكري المغرب لغتهم زاهية راسخة، لو قرأها الجاحظ لفرح بها واسبطر (تمدد وارتاح)، لكن الصغار والمتوسطين يتعبون القارئ والناشر والسامع والرائي دون كبير فائدة، وهذا نوع من الكتّاب منتشر على الجناحين المشرق والمغرب، قلّل الله منهم.
كيليطو صورة معاصرة في زماننا للجاحظ، فجاحظ الماضي ملم بالشريعة وعلومها بجانب اللغة وتفاصيلها والأدب ورحابه الواسعة. أما شرط جاحظ زماننا فهو جمع الغرب إلى الشرق في ثقافته، خاصة الأدبية. وهناك عند كيليطو نواقص في ثقافته الشرعية أو الإسلامية، ولم يكمُل من الناس كاتب، فحين يطرق بعض موضوعات كثيرة يلوح لك فقدانه لمعلومات إسلامية خارج نصوص الأدب التي عشقها. وأحيانًا تقول: ليته عرف القول كذا والتعقيب الفلاني على نص أدبي مثلًا، غير أن الذي زاحمه، فيما يبدو لي هي اللغات الأخرى التي لا ترحم وقتًا ولا اهتمامًا ولا مزاجًا.
وليغب عنا الجاحظ فإنه قديم بعيد، إنما هذا الكاتب قد ورد مورد الجاحظ وعبّ من الأدب حتى روي، ولنقرأ النص التالي لنجد تناصًّا طريفًا بين متعاصرين تقريبًا، عبد الفتاح وسيد قطب. يقول كيليطو عن نفسه: “بطل هذه الرواية طفل صغير غارق في التدين. حفظ عن ظهر قلب آيات من الذكر الحكيم، تعلق بالإله والأنبياء، بالمؤمنين والكفار، بخلق العالم وفنائه. هل من الضروري أن نضيف إلى ذلك أن موضوع الإله يشغله؟ كيف هي صورة الإله؟ إنها أسئلة رهيبة يطرحها بطلنا الصغير. يجرؤ على طرحها بقلق، ولوحده، من غير سند علماء الكلام المحترفين. لا داعي إلى التأكيد أنه لا يتوفر على الصورة الإلهية التي نلفيها عند الغير، وفي ثقافة أخرى: وأعني صورة شخص وقور طويل اللحية البيضاء، ماسك الكرة الأرضية بيديه. تلقنه تربيته تدريجيًّا أن الله لا صورة له. من ثمة يمكن أن نعتبر أن الخصومة بحث عن الإله، كتاب في علم كلام الطفولة. ما لا صورة له لا ينفك يحضر في الكتاب”[1]. أما النص المقابل الموافق فلسيد قطب في كتابه التصوير الفني في القرآن: “لقد قرأت القرآن وأنا طفل صغير، لا ترقى مداركي إلى آفاق معانيه، ولا يحيط فهمي بجليل أغراضه. ولكنني كنت أجد في نفسي منه شيئًا. لقد كان خيالي الساذج الصغير يجسم لي بعض الصور من خلال تعبير القرآن. وإنها لصور ساذجة، ولكنها كانت تشوق نفسي وتلذ حسي، فأظل فترة غير قصيرة أتملاها، وأنا بها فرح، ولها نشيط. من الصور الساذجة التي كانت ترتسم في خيالي إذ ذاك، صورة كانت تتمثل لي كلما قرأت هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ}. ولا يضحك أحد حينما أطلعه على هذه الصورة في خيالي: لقد كان يشخص في مخيلتي رجل قائم على حافة مكان مرتفع: مصطبة -فقد كانت في القرية- أو قمة تل ضيقة -فقد رأيت التل المجاور للوادي- وهو قائم يصلي، ولكنه لا يملك موقفه، فهو يتأرجح في كل حركة، ويهم بالسقوط وأنا بإزائه، أتتبع حركاته في لذة وشغف عجيبين! ومن تلك الصورة الساذجة صورة كانت تتمثل لي كلما قرأت هذه الآية: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ}”[2].
تعجب حين ترى فارسًا يقع حافره على حافر سابقه، لا أراه تقليدًا ولا معارضة، بل “غيثٌ تحدّر من سحابٍ واحد”، نتاج لمشاعر واحدة لطفولة متشابهة. وهنا أقول: ما أعظم اللغة والصور الخيالية التي يصنعها القرآن قبل أن تحاصرها قيود المفسرين، أو تقيدها قيود الفقهاء، أو تسحقها وطأة المتكلمين أو المختزلين. وقد كانت هذه الصور التي تخطر بعقول الأطفال في المدارس القرآنية وهم صغار موردًا هائلًا للصور والخيالات المتتابعة، التي تغني خيالاتهم وتطلق أفهامهم، فتفسح لهم أفاق الأدب، ويتذوقون لذاذاته مبكرا، وكانوا يعبرون عن تجاربهم مع هذه الصور، مثل طه حسين في الأيام أو سيد قطب في كتبه الأولى خاصة، ونجيب محفوظ في لغته المشهدية.
أخيرًا فإن كتابة كيليطو ليست مجرد إنشاء أدبي خفيف الأفكار، ولو لعب بالكتابة كما يقول. واقرأ قوله في كتاب هو مجموع مقابلات له ترجمها عبد السلام بن عبد العالي: “صدقني أنه لولا وجه اللعب الذي تتخذه الكتابة لما كتبت. ما جدوى الكتابة إذا لم نلعب في الوقت ذاته بالكلمات والصور والذاكرة؟”[3].
كان يقرأ في طفولته كتب الألغاز والبطولات التي تناسب الشباب بالفرنسية، وتعلق بأبطال الكتب التي كانت رخيصة، وكان أبطالها أصدقاءه وأصحابه. وقد ذكرني أولئك المغامرون بالوحوش “السِّيد العملّس” أصحاب الشنفرى الذين كانوا أصفياءه من دون الناس، فتوحش وحشتهم، ووثق بهم، فلا أسراره يبيحونها ولا يُسلمون رفيقهم، وكذا كان أصدقاء عبد الفتاح “أبطالًا ذوي أسماء رنانة… شاركهم مغامراتهم”[4]، وأشركنا معه في رحلاته التالية، خاصة حين تغلب عليه أبطال المقامات الأدبية؛ فقدم لنا دراسات هي الأجمل والأعمق من بين ما قرأت عنها، حتى لا يقارب المقامات جمالاً إلا كتابته عنها. وتعجبون أني لم أنقل الكثير عنه؛ لأني لو نقلت الكثير عنه مما أحببت لكدت أستنسخ ما كتبه.
مرحبًا بك أيها اللاعب وبلعبك الفاتن، وقد تسلل اللعب إلى كل شيء؛ فكان لعبك باللغة والأدب مع تقليل من سطوة الأفكار نعمة أسلوبية جديدة على مشرقنا ومغربنا. وننتظر ما تخرجه من خُرْج هداياك المليء، وأنت تهب البعيد كما القريب فكرًا وجمالًا وهوية أرسخ مما كان، ومعرفة بالآخرين منبئة عن عمق لا عن تكلف.
حين كف المرض وجدتني أقرأ لعبد الفتاح عن مرضه: “كنت أرقد في غرفة جدتي على أريكة موضوعة أسفل سريرها، أثناء مرض من أمراضي (يبدو أن كثيرًا من العقول الفذة طالما تخونها أجسادها) -لا بد أنه كان من الخطورة كي تتأبد ذكراه عند الأسرة- كنت على الدوام غائصًا في رقاد سُباتي.. وفي اللحظات القليلة التي أسترد فيها وعيي، أسمع أصوات الزائرات المستخبرات عن حالي، ما إن أدرك أني موضوع همسهن حتى أغوص ثانية في النوم” [5]. وقد كان له في مرضه زائرات مؤنسات مسليات، غير أن قارئه لم يكن له إلا جدران في غرفة فندق يتأملها حين يعي فتزيد المرض غربة على غربة، غير أن كتب كيليطو أجمل الزائرات، تعدنه إلى العالم.
[1] أمينة عاشور، كيليطو موضع أسئلة حوارات، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الرباط، 2016، ص 13.
[2] سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، دار الشروق، القاهرة، ط 16، 1432هـ، 2002م، ص 7-8.
[3] أمينة عاشور، ص 7.
[4] المرجع نفسه، ص 13.
[5] أنبئوني بالرؤيا، الأعمال الكاملة، ج 5، ص 227.



