كنت بصدد قراءة مؤلَّف للمفكر الراحل محمد أركون بعنوان “أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟”، والذي قام بترجمته هاشم صالح، المفكر والمترجم السوري الذي لازم أركون منذ بداية عهده بالتأليف وكان له فضل كبير في تعريف القراء العرب به وبأفكاره. وفي غمرة القراءة لفت انتباهي ملاحظة طريفة ساقها هاشم صالح في أحد هوامش المتن، وطرافتها تكمن في اعتقادي الشخصي في انطوائها على مقارنة ما عهدناها في الفلسفة، على الأقل من حيث الصيغة التي بلورها بها صالح، وهي مقارنة انتصر فيها لما سماه “التفلسف بعد التعب” على حساب ما اصطلَح عليه بـ”التفلسف قبل التعب”، يقول صالح: “هذه هي طريقة أركون في التفلسف: فهو لا يحب أن يتفلسف إلا بعد تجميع المعلومات والمعطيات وإنجاز التحليلات الميدانية على أرض الواقع، أما أصحاب الفلسفة “المثالية” والتجريدية فإنهم يتفلسفون في الفراغ إلى ما لا نهاية… إنهم يتفلسفون قبل التعب لا بعده. إنه تفلسف مجاني لا قيمة له. ومؤخرا دعا الفيلسوف الفرنسي بول ريكور فلاسفة فرنسا إلى الخروج من تقوقعهم وعزلتهم والانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية قبل أي تفلسف…” انتهى كلام صالح.
وبعد تمعن وإعمال نظر في دلالات هذا القول، تبين لي، وقد أجانب الصواب، أن هذا النص المقتضب يتحدث في الحقيقة عن أمرين مختلفين لا عن أمر واحد؛ أما الأمر الأول فيُذَكِّر كل من له اهتمام بالفلسفة بالاختلاف المشهور بين كانط وهيغل – وإن لم يتجايلا – حول استراتيجية تبليغ الفلسفة؛ حيث رأى كانط أن التفلسف هو فعل للتفكير الحر القائم على الاستعمال النقدي للعقل إزاء ما يقع أمامه من مبادئ الأنساق الفلسفية ومصادرها، وإصدار حكم في حقها يتراوح بين التأييد والاعتراض؛ أما الفلسفة، في رأيه، فلا يمكن تعلمها لأنها ببساطة تعبر عن نسق مكتمل وهذا النسق يظل في حال الفلسفة مجرد علم ممكن طالما أنه “ليس في وسع الفيلسوف كائنا من كان أن يستخدم ويدمج كل المعارف باعتبارها أدوات لتحديد الغايات الأساسية للعقل الإنساني”. وأمام هذا الموقف الكانطي يحق لنا المجازفة بالقول إن تعليم التفلسف يعادل تعليم التفكير بهدف تعويد العقل على الممارسة النقدية المجردة. أما هيغل فقد أقر، على خلاف ما ذهب إليه فيلسوف كونغسبورغ، بإمكانية تدريس الفلسفة كمحتوى، ونحن إذ نفعل ذلك لا نتعلم التفلسف فقط ولكننا نتفلسف فعلا. ولا يقف هيغل عند هذا الحد، بل يذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن تعليم التفلسف في غياب محتوى فلسفي، من شأنه أن يفضي إلى تكوين أذهان فارغة. وهاهنا نصادف “الفراغ” الذي تحدث عنه هاشم صالح أعلاه، إلا أن دلالته تختلف بين الرجلين؛ إذ في الوقت الذي يتحدث فيه هيغل عن فراغ يعادل نقصا كبيرا في ثقافة ومعارف الطلبة الفلسفية يحُول دون “تفلسفهم حول موضوعات معينة”، لا يربط صالح الفراغ بالعوَز الفكري لدى الفئات الغضّة التي تريد أن تخوض غمار التفلسف، بل نحسبه يتحدث عن فراغ “توجُّه” إذا أمكننا القول، فراغ يتلبس كل من يجازف بالتفكير في موضوع معين، أيّا كانت طبيعته، معتمدا في ذلك على فكره وتوابعه مِن تأمل وتحليل ونقد وتركيب وفحص وتمحيص… دون أن يتخذ من الواقع محكّا للتثبت من مخرجات تأمله النظري. وهذا الفراغ، حسب صالح، لا يسقط فيه من يمارسون التفلسف الحقيقي، أولئك الفلاسفة بحق، وأركون من زمرتهم طبعا، الذين لا يتفلسفون إلا بعد أن يجمعوا العدة المعرفية اللازمة ويجروا اختبارات ميدانية. فهؤلاء يتفلسفون بعد التعب أما أولئك فتفلسفهم يأتي قبل التعب، لذلك يرى صالح أن تفلسفهم باطل لا يعتد به، لا لشيء إلا لأنهم مارسوا تفلسفا “مثاليا” مجردا منكفئا على نفسه. وهو بهذا القول ينظر للتفكير التأملي من زاوية ضيقة تجعله مرادفا للنظر والتفكر ومقابلا للفاعلية والنشاط العملي، بمعنى آخر أنه ينظر للتأمل بما هو استغراق في التفكير “الخالص” الذي لا صلة تربطه بموضوعات العالم المحسوس. والغريب أن صالح لم يفطن، وهو المفكر المتمرس، إلى أن التأمل في معناه الفلسفي أي كـ (méditation) – بحسب المعنى الذي خصه به جميل صليبا في معجمه الفلسفي – لا يمكنه أن يكون “فارغا” أبدا، لأنه “تفكير عميق وطويل في موضوع معين يحاول أن يستخرج جوانبه العامة. وهو مرادف للتفكر، والتفحص، والدرس العميق” لموضوع يشغل البال لمعرفة أسبابه وظروفه ونتائجه. ولذلك، إن كنا لا نرى أي ضير في أن ينتصر صالح لـ”التفلسف الواقعي” على حساب “التفلسف المثالي”، فإننا في المقابل نعتب عليه ركونه في تعليل موقفه هذا إلى قول مهمل بلا زمام ولا خطام، هو أشبه ما يكون بحكم قيمة لا سند له: “إنهم يتفلسفون قبل التعب لا بعده. إنه تفلسف مجاني لا قيمة له”.
أما الأمر الثاني فيتعلق بالحجة التي استند إليها صالح لتدعيم موقفه المذكور أعلاه، والتي جاء فيها: “مؤخرا دعا الفيلسوف الفرنسي بول ريكور…” وهي حجة لست أجد لها صلة بما كتب قبلا، بل هي تتحدث عن مسألة مختلفة تماما، تتعلق بضرورة انفتاح الفلسفة – ومن ثَمَّ الفيلسوف – على باقي المباحث الأخرى كعلم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا وغيرها في معالجتها لقضاياها، وتجنب التقوقع الفكري والانغلاق داخل التخصص. ولكم أصابني هذا الحكم بالذهول لاسيما وأنه يصدر عن أحد أعلام الفكر الفلسفي المعاصر، ومبعث ذهولي أنني ما سمعت يوما عن وجود “فلسفة خالصة” أو عن “علم اجتماع خالص” وقس على ذلك باقي المباحث الأخرى، فكل مشتغل بالفكر يعلم حق المعرفة أن هناك تلاقحا بين المباحث وأنه ما من مبحث إلا وفيه القليل أو الكثير مما يُحسب لغيره من المباحث، ولهذا يتعذر الفصل بين المباحث وتحديد أين ينتهي هذا لكي يبدأ ذاك، وما من باحث إلا ويعلم أن التخصص قدَر لا مناص منه في البحث العلمي، لكنه يعلم أيضا أن تخصصه هذا لا يمكنه أن يغتني ويتطور إلا بانفتاحه على مجالات وتخصصات أخرى وفق عملية مستمرة من التأثير والتأثر مفيدة ومحمودة، بل إن الباحث “كلما اتعست معارفه عظم نوره، وتنوعت مآخذه وألوانه”. ولذلك، ما غاب عن أذهان الباحثين، قدماء ومحدثين، شرقيين وغربيين، أن “شرط النضوج علمٌ دائمُ المدارسة، وأفق مفتوح للمعارف الجديدة من علوم ومنهجيات أخرى، ويقظة وتنميط واع غير معتسف”.
بناء على ما سبق، يمكننا القول إن السجال بخصوص تعلم التفلسف أو تعلم الفلسفة لا يزال مفتوحا ولا يعدم أيٌّ من الموقفين حججا تعضد موقفه، لكن بإمكاننا التوليف بين المنظورين فنقول بأن التفكير يتم بطريقتين اثنتين؛ إما “التفكير في” أو “التفكير من خلال” كلاهما يندرجان في خانة التفكير الفلسفي وليس هناك فيما أحسب تفلسفا فارغا كما ليس هناك تفلسف يتعب فيه صاحبه وتفلسف يؤتى دون تعب بالصورة التي تحدث عنها هاشم صالح.



