كثيراً ما تردد على الأسماع والأذهان مصطلح النهضة العربية، أو بتعبير هشام شرابي “اليقظة العربية”، والتي أرجع ألبرت حوراني جذورها إلى بداية التغلغل الأوربي وما حصل من مثاقفة أو تثاقف مع العالم العربي، عبر التدخل العسكري المباشر (تحديداً الحملة الفرنسية على مصر سنة 1897م)، أو من خلال وجود جاليات أوربية في بعض الدول العربية كمصر وبلاد الشام، أو عبر بعثات التبشير وكتابات المستشرقين… إلى آخره. كل هذه المظاهر لاحتكاك العرب بالغرب وفق منظور ألبرت حوراني طرحت على بعض المفكرين والسياسيين تحديداً في مصر والشام سؤالا محوريا هو: لماذا تقدّم الغرب وتخلّف العرب؟
قبل محاولة رصد تمظهرات قراءة بعض المفكرين العرب لسبل النهضة، ومدى إمكانية ردم الهوة السحيقة بين الغرب المتفوّق معرفيا وتقنيا، والشرق المتخلف، لا بدّ من توضيح المعنى الاصطلاحي لمفردة “النهضة” أو “اليقظة العربية” وتقديم سياقها التاريخي ثقافياً واجتماعياً وسياسياً، والتي يعتبرها هشام شرابي عمليّة تحديثيّة في ظلّ أوضاع معيّنة، وقد مرّت عبر مراحل معيّنة، وتضمنّت نوعاً جديداً من الإدراك، فجلبت معها مفاهيم للتّراث التّقليدي، ومحاولات للتّكيّف مع المعطيات الجديدة، نتيجة التحدّي الذي فرضه الغرب على كلّ مستويات الوجود الاجتماعي والسّياسي والاقتصادي والنّفسي – والذي بدأ في القرن التاسع عشر- وكانت هذه اليقظة في حالات عدّة، تجربة قاسية، إذ أدّت على الصّعيد الاجتماعي، إلى تحوّلات وتغييرات مزّقت التّماسك الاجتماعي، وعكست على الصّعيد النفسي، تزايداً في الوعي الذاتي وفي الإحساس بالاغتراب. وقد بدأت المرحلة الأولى من هذه “اليقظة” في أواخر القرن التاسع عشر، وامتدّت إلى أوائل القرن العشرين (1875م-1914م)، وتعتبر أساسية لأنّها أرست أسلوب التّطورات اللاحقة وأثّرت فيها تأثيراً عميقاً، وتمتدّ المرحلة الثانية ما بين الحربين العالميتين، وتتميّز بسيطرة الغرب المباشرة على العالم العربي. وتنتهي مع بداية الثورة العربية ضدّ الغرب، أمّا المرحلة الثالثة فتبدأ من نهاية الحرب العالمية الثانية وتتضمن تحرّر العالم العربي سياسياً من الغرب ورفضه لقيم البورجوازية الغربية وثقافتها. وتجدر الإشارة إلى أنّ “عصر النّهضة الأولى” في تقديري يُعتبر العصر التّأسيسي للفكر العربي الحديث.
بعد بسط مفهوم النهضة العربية، ننفتح على محاولات بعض مفكري النهضة العربية الجواب على سؤال أسباب التخلّف العربي وسبل النهضة، حيث نجد من المفكرين المسلمين رفاعة الطهطاوي، وعبد الرحمان الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وعلال الفاسي في المغرب وغيرهم، ومن المفكرين النصارى العرب نجد مثلا فرح أنطون، وبطرس بستاني، وناصيف اليازجي، ويعقوب صروف، وفارس نِمر وغيرهم، كلّ حاول من وجهة نظره وقناعاته الذاتية والموضوعية (وجهة النظر الدينية، وجهة النظر الليبرالية)، ومن خلال نسقه التحليلي (سياسة أو ثقافة أو إعلام أو قانون أو أدب … إلى آخره)، فكلّ هذه النماذج المذكورة أدلت بدلوها في محاولة التصدّي للجواب على السؤال – الإشكالية (تقدّم الغرب وانحطاط العرب)، وهو ما يمكن رصده في المشروع الثقافي أو الفكري لكلّ نموذج على حدة، من خلال الاطّلاع على كتبه أو كتاباته.
وفي العموم انقسمت ردود الفعل إزاء التقدّم الغربي والتخلّف العربي إلى ثلاثة اتّجاهات رئيسية: اتجاه رأى أنّ سبب الانحطاط الإسلامي هو الابتعاد عن طريق الدين، وبالتالي فإنّ الحلّ يكمن في ضرورة العودة لفترة المجد الإسلامي الزاهر عبر الاقتداء بالسلف الصالح، وهذا الاتجاه هو اتّجاه ديني إصلاحي بامتياز ومن أبرز رموزه مثلاً جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، واتّجاه دعا إلى تقليد الغرب تقليداً محضاً، وكان هذا الاتجاه ممثلاً بالأخصّ من مفكّري نصارى العرب، وبعض رواد الليبراليين العرب من قبيل أحمد لطفي السيد الملقّب بأبي الليبرالية المصرية، وكذا طه حسين، وقد دأبوا على نقد الدولة الدينية بالخصوص، وهناك اتّجاه توفيقي بين ضرورة الانفتاح على تجربة الغرب مع مراعاة الخصوصية العربية الإسلامية، ومن أبرز رواد هذا التيار رفاعة الطهطاوي وعبد الرحمان الكواكبي. وقد حدثت السجالات بين مختلف هؤلاء الفرقاء، وعلى سبيل المثال المناظرة الشهيرة بين محمد عبده وفرح أنطون.
وعموماً، فمن بين ردود الفعل الأولى التي يمكن رصدها إزاء سؤال النهضة أو التجديد أو الحداثة أو التنوير العربي … إلى غيرها من المصطلحات التي أطلقت على تلك المحاولة في ذلك الحيز التاريخي، نذكر قيام حاكم مصر مثلاً محمد علي باشا بإيفاد بعثة طلابية إلى فرنسا، للانفتاح على العلوم الغربية، ومحاولة استلهام لتلك التجربة لتأسيس دولة حديثة على النمط الغربي بمصر، ولو بفرض ذلك بالقوة على المصريين، ويمكن النظر إلى هذا الأمر على أنّه نوع من تأسيس الشرعية الثقافية لتوظيفها في حكم البلد، وقد ظهر هذا جلياً من خلال تكليف محمد علي باشا لرفاعة الطهطاوي بترجمة الكتب من الفرنسية إلى العربية، وتأسيس معاهد لترجمة العلوم والمعارف، وإنشاء أول صحيفة… الخ، وهو ما يمكن القياس عليه في فترة الدولة العباسية حيث تأسس بيت الحكمة وتمّت ترجمة الفلسفة اليونانية.
ومن بين التصوّرات التي شهدت شبه إجماع عليها من طرف مختلف المفكّرين في فترة النهضة العربية، نجد إشكالية الاستبداد السياسي، خاصّة في ظلّ سيطرة الدولة العثمانية على جلّ مناطق العالم العربي والإسلامي، وقد عرفت في أواخر عصرها ضعفاً واضحاً على مختلف المستويات، ممّا شجّع على ظهور النزعات الاستقلالية في العالم العربي وغيره، ونذكر منها على سبيل المثال محاولة محمد علي باشا الاستقلال بحكم مصر (الحرب المصرية العثمانية 1831-1833م)، ومع تولي حكومة الاتحاد والترقي التي انتهجت سياسة “التتريك”، وهو مفهوم يطلق على عملية تحويل أشخاص ومناطق جغرافية من ثقافتها الأصلية إلى التركية قسراً، بزغت نزعة استقلالية ذات طابع وطني في الشام، ثمّ الثورة العربية الكبرى ضدّ العثمانيين (1916-1918م). وبالتالي فهذه الحالة من الاضطراب السياسي وما خلفته من الجمود والاستبداد شكّلت من وجهة نظر العديد من مفكّري النهضة سبباً رئيسياً في تخلّف العرب وتقدّم الغرب، الذي قطع أشواطاً كبيرة بعد الثورة الفرنسية حيث ظهرت مفاهيم تحدد طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم مثل نظرية العقد الاجتماعي.
ومن بين النقط التي اتّفق عليها كذلك العديد من رواد النهضة كونها سبباً من أسباب التخلّف، نجد مسألة الجمود الفكري، وكأنّ باب الاجتهاد أغلق، وبالتالي رغم تعاقب الزمان لا يستطيع الفكر مواكبة تلك التغييرات، ولذلك دعا العديد من أولئك الرواد إلى إعادة قراءة التراث وتحيينه بما يلائم واقع الحال، وتنقيته من بعض الشوائب التي التصقت به، ومن بعض مظاهر الخرافة … الخ، ومن بين من كتبوا واستفاضوا في هذا الباب نجد رفاعة الطهطاوي، وعبد الرحمان الكواكبي وأحمد لطفي السيد، وطه حسين وغيرهم.
وكان في نظرهم أيضاً أنّ تبعية وتواطؤ علماء البلاط أو العلماء الرسميين كما سمّاهم الكواكبي مثلاً مع الحاكم، من أهمّ أسباب انحطاط المسلمين، إذ كان الكواكبي مستاء في كتاباته من تهميش العلماء العاملين كما سمّاهم، ومن تقصير بعض أهل العلم في إيصال الحقائق إلى الناس وتنوريهم أو ما سمّاه ممارسة الدور الإرشادي، وشكى من تهميش بعض العلوم الرياضية والتجريبية، كما حمّل أيضاً الشعوب نصيباً وافراً من التخلّف والجمود الذي آل إليه المسلمون، بصمتهم عن الحكّام المستبدّين والعلماء الفاسدين.
وقد كان للمقاربة الحقوقية نصيب في كتابات الرواد النهضويين (الطهطاوي، الكواكبي وأحمد لطفي السيد كنماذج)، حيث لاحظوا أنّ الفكر التنويري الغربي اهتمّ بالإنسان كثيراً، وفصّل في قضية حقوق الإنسان، على سبيل المثال المساواة في الحقوق والواجبات، وحقوق المواطنة، وإنصاف المرأة إلى غيرها من القضايا. ومن بين الأمور التي اقترحها أولئك المفكّرون نجد فكرة الترقي بناء على نهج سياسة تعليمية وتربوية جديدة، بمعايير ومفاهيم حديثة تتخطى الجمود الفكري السائد، مثل حرمان النساء من حقّهن في التعليم بسبب قيود المجتمع وترسّبات العقلية الذكورية، التي تحرم فئة مهمّة من المجتمع من حقّ إنساني أصيل، علماً أن الأمّ هي أول مدرسة يمرّ من خلالها الإنسان في تنشئته الاجتماعية الأولى، كما أنّ الطهطاوي مثلاً كتب عن حقوق المواطن وواجباته.
ومعلوم أنّ العرب إبّان عصر النهضة العربية كانت أوطانهم محتلّة، فكتب رواد النهضة عن مفهوم وقيمة الحرية، وعن استقلال الأوطان، وعن خطط مواجهة المحتلّ وسبل إخراجه، فمنهم الكواكبي الذي دعا للتمرّد على العثمانيين، وإقامة دولة عربية قومية من المسلمين والنصارى، ومنهم محمد عبده الذي ساند الثورة العرابية ضدّ التدخل البريطاني بمصر سنة 1882م، أحمد لطفي السيد الذي رفض التبعية للعثمانيين، ورفض الاحتلال البريطاني لمصر، وكان من مؤسسي حزب الوفد، ووزيراً في مختلف حكوماته، وكذلك علال الفاسي الذي ناهض الحماية الفرنسية بالمغرب والأمثلة كثيرة.
وختاماً، يمكن القول في تقديري إنّ حركة النهضة العربية وإن أتت بأفكار جديدة ورائدة في سياقها الزمني والجغرافي، غير أنّها فشلت في أن تترجم على أرض الواقع، نظراً لأنّ السياق الاجتماعي والسياسي العربي حينئذ لم يكن يسمح لها بالنزول إلى أرض الواقع، على عكس أوروبا التي رافقت فيها التحولات في البنى الاجتماعية والسياسية والصناعية والثقافية الأفكار النهضوية والتنويرية، فكانت الثورة الفرنسية التي قضت على الاستبداد السياسي والحكم المطلق وسيطرة رجال الدين، ثمّ الثورة الصناعية، توازياً مع أفكار عصر التنوير وامتداداً لعصري النهضة والعقلانية، الشيء الذي لم يحدث في النهضة العربية، لذلك كانت كالمولود الميت، فهل يمكن أن نتوقع مستقبلا ظهور نهضة عربية إسلامية حقيقة واقعية على الأرض، يتماشى فيها الفكري مع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لاسيما في ظلّ تفاعلات ما يعرف بالربيع العربي؟ وإن كانت هناك من بوادر لهذه النهضة، فإلى أية نهضة يمكن أن نتطلع وفي أي سياق؟



