جمع عبد الرحمن الحجي المولود في المقدادية 1935م في دراساته التاريخية إسلاميا وأندلسيا بين أربعة أبعاد يجب استحضارها حين دراسة أعماله لفهمها وتنزيلها منزلتها؛ البعد الأول: الانتماء لمجمل المدرسة العراقية التاريخية المعاصرة ذات الجذور التاريخية الممتدة عبر القرون، وتميزه من بين أعلامها كعبد العزيز الدوري (ت2010م) وصالح أحمد العلي (ت2003م) بمذهبه الإسلامي في التحليل والتأويل وقراءة الأحداث في ضوء السنن الكونية إذ هو من أعلام هذه المدرسة مع النبيلين أكرم ضياء العمري وعماد الدين خليل حفظهما الله.
أما البعد الثاني فهو علاقته بأعلام المدرسة التاريخية المصرية خصوصا المشتغلين بالدراسات الأندلسية كمحمد عبدالله عنان الذي راسله مراسلات لطيفة وطريفة، وغيره ممن لقيهم خلال دراسته الآداب في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، والتربية وعلم النفس في كلية التربية بعين شمس، والبعد الثالث هو تكوينه على المناهج الغربية الحديثة في البحث وجمع في ذلك بين الخبرتين الإسبانية والبريطانية، والبعد الرابع هو خبرته الأكاديمية الطويلة والثرية التي بدأت منذ عاد 1966 من قسم التاريخ بكلية الآداب في جامعة بغداد وتواصلت حتى وفاته 2021، وشملت التجربة والعطاء العلمي عدة بلدان عربية منها السعودية والكويت واليمن والبحرين، والإمارات التي هو أحد مؤسسي جامعتها وأول رئيس لقسم التاريخ والآثار فيها.
تلك هي الأبعاد التي يجب استحضارها حين تناول الأعمال التاريخية والأندلسية للمؤرخ حجي الذي كان يرى أن التاريخ الأندلسي ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وقد وضع في كل واحد منها كتابا صار من المراجع التي لا غنى عنها للباحثين في الأدبيات الأندلسية؛ القسم الأول عنده هو تاريخ الأندلس منذ الفتح 92هـ-711م وحتى سقوط غرناطة 897هـ-1492م، وقد كتب عن هذا القسم كتابه الكبير والشهير “التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي وحتى سقوط غرناطة” يقع في 600 صفحة مع خرائط وقوائم وجداول وصدرت طبعته الأولى عام 1977م.
وميزة هذا السِّفر أنه أول كتاب يجمع في مجلد واحد بين دفتيه تاريخ الأندلس منذ فتحها وحتى سقوطها المؤسف، وهو في ثمانية فصول ومدخل عام عن حالة أوروبا وإسبانيا قبل الفتح الإسلامي مع نظرة عامة على جغرافية شبه الجزيرة الأندلسية والعهود التي مرت بها الأندلس، وخصص كل فصل من الفصول لمرحلة فارقة من تاريخ الأندلس من “الفتح الإسلامي” و”عهد الولاة” و”عهد الإمارة” و”عهد الخلافة” إلى عهود “الطوائف” و”المرابطين” و”الموحدين” و”مملكة غرناطة”، وبتوقف في كل مرحلة من هذه المراحل مع القضايا البارزة والمميزة لها.
أما القسم الثاني عنده لتاريخ الأندلس فهو يشمل عنده “كل ما يتعلق بالأندلس وتاريخها وأحوالها منذ سقوط غرناطة وحتى الوقت الحاضر وما بقي في الأندلس من الإسلام وللإسلام وبالإسلام”، وبالأخص ما لقيه المسلمون منذ تولي الصليبيين حكم الأندلس، وقد تفرغ لهذا القسم منذ إكماله للقسم الأول فجمع فيه كثيرا من الرسائل والمخطوطات والتقييدات والتعليقات ومتابعة المؤلفات عن الأندلس بمختلف اللغات، وقد كتب في هذا القسم عدة كتب وبحوث منها “محاكم التفتيش الغاشمة وأساليبها” نشر في الكويت عام 1987م، و”المورسكيون في المصادر والمخطوطات الأندلسية” قدمه إلى مؤتمر في تونس عام 1983، و”هجرة علماء الأندلس لدى سقوط غرناطة ظروفها وآثارها”، وهو كتاب مفيد نواته الأولى ورقة بحثية قدمت لمؤتمر الحضارة الأندلسية في القاهرة عام 1985م.
أما القسم الثالث والأخير فيشمل عنده “الحضارة الإسلامية الأندلسية وانتقال جوانب منها إلى أوروبا وأثر ذلك في الحضارة الحديثة، وما بقي في إسبانيا والبرتغال منها حتى اليوم ومستقبل ذلك”، ونشر عن هذا القسم كتاب “الحضارة الإسلامية في الأندلس: أسسها ميادينها تأثيرها على الحضارة الأوروبية” في بيروت عام 1969.
أسلمة واعتبار
لم يكن الحجي في دراساته التاريخية مجرد سارد للأحداث وجامع للروايات ومصفف للأقوال، فقد كانت دراسته التاريخية وأحوال الأمم نابعة من رؤية إسلامية في الاعتبار والتدبر والنظر في المآلات، وأكد هذا المعنى وطبقه في كتابه “تأملات واعتبار قراءة في حكايات أندلسية” حين يقول “لم يكن سرد القرآن الكريم لتاريخ الأمم السابقة وقصصهم خلوا من الفائدة بل كانت له مقاصد وغايات منها تحقق الاعتبار في نفوس الناس ومسيرتهم وتبصرهم بأسباب التقدم والنجاة وموجبات التقدم والهلاك”.
ويرى أنه إذا “تحقق ذلك فإن المنهج يقتضي أن يرتفع مفهوم الاعتبار من دلالته التربوية الفردية إلى نسق فكري يحكم وعي المسلمين في قراءتهم لماضيهم وماضي البشرية وحاضرهم وحاضر الإنسانية كي لا تتكرر الأخطاء وأسبابها ولا تتوقف مسيرة النماء والصلاح في عطائها”، ويرى أن الأندلس وما آلت إليه يمثل ما يميل إليه، فيقول “ولعل سقوط الأندلس يمثل محطة حضارية كبرى لتحقيق أعلى درجات الوعي بأهمية الاعتبار فقد كانت نموذجا إسلاميا حضاريا استوعب العلوم والفنون والآداب، وامتد إلى رعاية الإنسان والحيوان والطبيعة ثم كان السقوط الذي توالى باستلام المدن الأندلسية تباعا”.
وفي رده على المستشرقين وافتراءاتهم على التاريخ الإسلامي فيقول “إن التاريخ الإسلامي ليس تاريخ فكر وأحداث وظواهر اجتماعية وسياسية ودول سادت بل أيضا وقبل ذلك هو تاريخ عقيدة شاملة لها سماتها وخصائصها ومقوماتها المميزة”، ويرى أن خطأ المستشرقين ناشئ عن عدم فهمهم لدور العقيدة الإسلامية في صياغة التاريخ الإسلامي، ثم أفاض في الحديث عن مخططات المستشرقين في تشويه التاريخ الإسلامي في كتابه “نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي”.
الحجي إنسان ابن زمانه
يحرص الحجي في كتبه على تصديرها بإهداء، ومن خلال تلك الإهداءات تظهر روحه الجميلة وأبعاد إنسانيته الإيجابية، ففي كتابه السالف “نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي” أهداه “إلى التي أحسنت صحبته وبذلت جهدها في معاونته وفاء وتقديرا”، وقد أهدى كتابه الكبير في القسم الأول من تاريخ الأندلس إلى فئات من الناس منهم “الباحث الغيور” و”المتبصر” و”المؤرخ الأمين” ثم إلى طلبته وأهل الأندلس والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
وكان من الطبيعي أن يكون إهداؤه لكتاب “هجرة علماء الأندلس” أن يكون إلى “الذين هاجروا إلى الله في الأندلس وغيرها جهادا فيه وخدمة لدينه، وعضوا عليه بالنواجذ، وبقوا في الميدان لأجله نزعوا الخوف والطمع..”. ، وأهدى كتابه “جوانب من الحضارة الإسلامية” إلى أبيه الذي “حنا عليه ورباه وتعب لأجله”. وكان الحجي ابن زمانه فلم تعقه العقود وتراكم السنين أن يخاطب أهل كل زمان بلغتهم ووسائلهم، فكان يطلع كل حين فيديوهات قصيرة مفيدة عن قضايا إسلامية وأندلسية تاريخية يتعاطى فيها الود مع ابنه “الحبيب” كما يدعوه، فرحم الله عبد الرحمن الحجي الذي عشق الأندلس وعشقته فزارها أول مرة للدراسة سنة 1959م ثم استقر فيها في التسعينات حتى رحل يوم في 18 يناير 2021 في الأندلس ودفن في مقابر أسلافه المسلمين بمجريطة أي مدريد، بوأه الله منزل صدق.




Gail MH, Costantino JP, Bryant J, et al legit cialis online Rethinking drug design in the artificial intelligence era