في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية تحت عنوان: “Britain Can’t Talk About Religion” (بريطانيا لا تستطيع الحديث عن الدين)، يقول الكاتب جيمس والترز إن المملكة المتحدة تدخل حقبة جديدة من الاضطرابات الدينية، ولا يكمن التوتر هذه المرة في الانقسامات الداخلية التاريخية والعميقة للمسيحية في البلاد بين الكاثوليكية والبروتستانتية، بل بين الأديان المختلفة. ورغم أن بريطانيا أمة متعددة الأديان منذ عقود، ولا تزال العلاقات الرسمية بين الجماعات الدينية متينة، فإن هذا البلد يشهد تصدعات جديدة مقلقة في العلاقات المجتمعية. وقد برزت توترات دينية تنذر بالخطر في المشهد السياسي، وفجأة عاد الجميع إلى الحديث عن الدين؛وخاصة اليمين السياسي الذي يتحدث عن الغرب بوصفه ثقافة مسيحية باتت مهددة بتدفق الشعوب غير المسيحية، ولاسيما المسلمين. [[1]]
وقد تبنى الشعبويون نظرية صراع الحضارات التي روّج لها عالم السياسة الأمريكي صموئيل هنتنغتون في تسعينيات القرن الماضي. وتحاكي شيطنتهم للاختلاف الديني مخاوف العالم المسيحي في العصور الوسطى من الإسلام بوصفه “العدو الخارجي”، ومن اليهودية بوصفها “العدو الداخلي”.
وقد وصف وزير العدل في حكومة الظل، في مارس/آذار الماضي، احتفالات المسلمين في رمضان في ميدان ترافالغار بأنها “عمل من أعمال الهيمنة والتقسيم”. وتُظهر دعوات الناشط تومي روبنسون لأنصاره إلى “توحيد المملكة تحت الرب” نمطًا من القومية المسيحية لم تشهده البلاد من قبل. والرسالة التي تتضح أكثر فأكثر هي أن المسيحيين وحدهم هم من يستطيعون أن يكونوا بريطانيين بالكامل.
وفي غضون ذلك، باتت السياسة الداخلية تتأثر بصورة متزايدة بالصراعات الدينية البعيدة. وتعيش الأقليات الدينية اليوم في عالم رقمي يربطها باستمرار بإخوانها في الدين في الخارج. وقد برز الاهتمام بإسرائيل وفلسطين بشكل لافت في مواد الحملات الانتخابية للانتخابات المحلية في مايو/أيار. كما تؤثر صراعات دينية دولية أخرى، ولا سيما التوترات بين الهندوس والمسلمين والسيخ، الناجمة عن شبه القارة الهندية، بصورة متزايدة في السياسة المحلية.
لكن اليوم، وعلى خلاف فترات سابقة من التاريخ البريطاني، يعاني عامة الناس جهلًا دينيًا. فبينما كانت مناقشات القرن التاسع عشر حول تحرير اليهود مليئة بالإشارات الدينية، أصبحت الثقافة الدينية لدى البريطانيين اليوم محدودة. ويجد الناس أنفسهم عاجزين عن فهم تفاصيل الصراعات الدينية، فضلًا عن مناقشتها. وقريبًا، قد يجدون أنفسهم غارقين في صراع لا يستطيعون حتى تفسيره.
لقد تراجع الوعي الديني لدى البريطانيين تحت وطأة افتراض أن التقدم والحداثة سيؤديان حتمًا إلى العلمنة، ويختزلان الممارسة الدينية في نشاط ترفيهي خاص. وعندما عادت القضايا الدينية إلى الظهور في القرن الحادي والعشرين، وجد البريطانيون أنفسهم يفتقرون إلى معجم ديني يتناول شؤون الحياة العامة. وحُصر النقاش في عناوين مثل العرق والثقافة. لكن تبيّن في الواقع أن التعددية الثقافية غير كافية في نهاية المطاف، لأنها كانت نتاج ثقافة سياسية رفضت أخذ الدين على محمل الجد، أو مواجهة التحديات الحقيقية التي يفرضها الاختلاف الديني. وقد أراد الليبراليون الاعتقاد بأن العقائد المتنوعة ليست سوى وسائل شكلية لإعادة صياغة القيم الأساسية التي يُفترض أن يتشاركها جميع البشر. ومع ذلك، لم يعد بالإمكان تجاهل حقيقة أن المعتقدات المتباينة تؤدي إلى مواقف متباينة تجاه قضايا الجندر أو النوع الاجتماعي، والمجتمع، والسياسة الخارجية، وغير ذلك كثير.
ولبريطانيا، في الواقع، ماضٍ عريق في مجال التسامح مع التنوع الديني. فقد سُنَّ قانون التسامح لعام 1689، ومنح البروتستانت المخالفون للكنيسة الرسمية حقوقًا مدنية، إذ سمح لهم بتولي المناصب العامة وممارسة شعائرهم الدينية بحرية. كما مُنح الكاثوليك حقوقًا مماثلة عام 1829، ثم اليهود لاحقًا في القرن التاسع عشر. وقد تساعد جذور التسامح العميقة في التاريخ البريطاني اليوم على توسيع مفهوم الحرية الدينية ليشمل الأقليات المنتمية إلى الديانات الأخرى.
وفي ختام مقاله، يقول الكاتب إن أولئك الذين يسعون إلى تقسيم البلاد يتحدثون عن الدين بوقاحة، وبأسلوب مشوَّه وقَبَلي. ولم يتبقَّ سوى ثلاث سنوات على الأكثر قبل الدعوة إلى انتخابات عامة. وتشير جميع الدلائل إلى وجود سبب وجيه للخوف من تفاقم الانقسامات الدينية، والأخطر من ذلك، أن نتيجة انتخابية من شأنها أن تُقوِّض جهود ترسيخ التعددية الدينية لسنوات عديدة مقبلة. لذلك، ينبغي على البريطانيين أن يعيدوا النظر في الاختلاف الديني بوصفه قضية سياسية رئيسية.
[[1]]https://www.newstatesman.com/ideas/2026/06/britain-cant-talk-about-religion



